ايها الاخوة والاخوات ..
ليست المشكلة أن يختار إنسان دينًا أو يغيّر معتقده ، فحرية العقيدة حق أصيل كفلته الأديان والمواثيق الدولية والدستور العراقي . لكن المشكلة اين ؟
المشكلة تبدأ عندما يتحول صاحب مكانة علمية واجتماعية ،
(( كطبيب أو أكاديمي ))
إلى منصة تبث الاحتقار وتزرع الكراهية ضد مكوّن عراقي كامل ..
الحقيقة صُدمنا وصٌدم كل شريف ، بمنشور متداول لطبيب من محافظة الموصل يصف امرأة إيزيدية بأنها خرجت من (( “الظلمات وعبدة الشيطان إلى النور وعبادة الرحمن )) !
وليس المقصود هنا شخصًا بعينه ، بل هذا النوع من الخطاب الذي يجرّد آلاف المواطنين العراقيين من كرامتهم ، واصلهم ، ويختزل ديانة عريقة في أوصاف مهينة لا تمت للحقيقة ولا للأخلاق وا لدين بصلة ..
إن الطبيب الذي أقسم بالمصحف الشريف اي دستوره المقدس ،أن يحفظ حياة الإنسان وكرامته ، كيف له أن يكون سببًا في جرح كرامة إنسان بسبب دينه أو معتقده ..
فالكلمة ، قد تكون أشد فتكًا من السلاح ، لأنها تزرع الكراهية في النفوس ، وتمنح المتطرفين مبررًا أخلاقيًا لممارسة التمييز والعنف ..
وما يزيد الألم. ، أن هذه الكلمات تأتي في وقت ما زال فيه الإيزيديون يداوون جراح الإبادة الجماعية التي ارتكبها تنظيم داعش الارهابي ،
وما زالت عشرات العائلات تبحث عن أحبائها ، وما زالت النساء والرجال والأطفال يحملون آثار واحدة من أبشع الجرائم التي شهدها العصر الحديث ..
أما قضية المرأة الإيزيدية ( ام وصفي ) ، التي هربت من قبضة داعش و بقيت بعيدة عن أهلها سنوات طويلة في الانبار ، فإنها – إن صحت تفاصيلها – ليست ساحة للمزايدات الدينية ، بل قضية قانونية وإنسانية تستوجب تحقيقًا نزيهًا ، يضمن لها حقها الكامل في التواصل مع عائلتها او رفضها ان رغبت ، وحقها في اختيار معتقدها بحرية تامة ، بعيدًا عن أي إكراه أو ضغط ..
على ذلك الطبيب المحرض ، ان كان مسلما حقيقيا ان يعلم ،
(( إن الإسلام نفسه يرفض الإكراه في الدين ، ويأمر باحترام الآخرين ))
وقال تعالى : ( لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ) ..
وقال : ( لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِي ) ،
وقال أيضًا : ( وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ ) ..
ولم يُعرف عن النبي محمد ﷺ أنه أجبر أحدًا على اعتناق الإسلام ، بل عاش مع أصحاب الديانات المختلفة ، وأرسى مبادئ التعايش والعدل ،حتى مع من خالفه في العقيدة ..
فمن أين جاء هذا الخطاب الذي يجعل ازدراء الآخرين وسيلة للتقرب إلى الله ؟
الجدير ذكره :
إن ما أعلنه النائب مراد إسماعيل بشأن السعي إلى تشريع قانون يجرّم خطابات الكراهية يمثل خطوة في الاتجاه الصحيح ، لأن الدولة التي تحترم مواطنيها لا تكتفي بإدانة الكراهية أخلاقيًا ، بل تحاسب عليها قانونيًا أيضًا ، خصوصًا عندما تصدر ممن يُفترض أنهم قدوة للمجتمع ..
وتذكروا ..
إن أخطر ما في خطاب الكراهية أنه لا يقتل الإنسان أولًا.. بل يقتل فكرة المواطنة .
فعندما يُهان عراقي بسبب دينه ،فإن الكرامة التي تُنتهك ليست كرامته وحده ، بل كرامة الدولة التي تعهدت بحماية جميع أبنائها دون تمييز ..
ولذلك ..
فإن مواجهة خطاب الكراهية ليست دفاعًا عن الإيزيديين وحدهم ، ولا عن المسيحيين أو الصابئة أو أي مكوّن آخر ، بل هي دفاع عن العراق نفسه ، وعن مستقبله ، وعن حق كل طفل أن يكبر وهو يشعر بأن له وطن يحميه ، لا أن يخشى الكلمة قبل الرصاصة ..
فالأوطان لا تُهدم بالسلاح وحده .. بل قد تُهدم بمنشور يحرّض على الكراهية ..
أو بكلمة تُقال من شخص يرتدي معطف الطبيب ..
وعن اعتذار الطبيب للايزيدية اقول :
الاعتذار يحسب لصاحبه عندما يسبق الفضيحة ، لا عندما يأتي بعد انكشافها ..
والكلمة التي تطلق ، لتحرض على الكراهية والتي اطلقت من فكر مظلم ، لا يمحوها منشور اعتذار ، بل يمحوها فقط تغيير حقيقي في الفكر واحترام كرامة الانسان ايا كان دينه ..
متى سيستفيق العراقيون ؟
أم أن الكراهية قد جعلتهم صرعى لا يشعرون بأن الضمير و الوطن هو أول ضحاياهم ..
.

