Homeاراءدور المثقف الإيزيدي بعد الإبادة الجماعية : خالد الياس رفو

دور المثقف الإيزيدي بعد الإبادة الجماعية : خالد الياس رفو

 

يقع على عاتق المثقف الأيزيدي دور محوري في تحويل الذاكرة الجمعية الجريحة إلى مشروع لبناء الوعي بعد الإبادة الجماعية التي تعرض لها الأيزيديين على يد الدولة الإسلامية او ما يعرف بـ داعش الإرهابي عام 2014.

ما تعرض له الشعب الأيزيدي لم يكن جريمة عابرة أودت بحياة الآلاف من الأبرياء فحسب بل كان مشروعاً منظماً للإبادة استهدف اقتلاع الإنسان الأيزيدي من جذوره ومحو وجوده المادي والروحي والثقافي وتفكيك هويته وذاكرته الجمعية ولقد امتدت آثار تلك الفاجعة إلى عمق البنية الاجتماعية فأصابت منظومة القيم وخلفت ندوباً غائرة في الوعي الجمعي لا تزال تنزف ألماً حتى اليوم وأمام هذا الإرث الثقيل وجد المجتمع الأيزيدي نفسه في مواجهة تحديات وجودية تتجاوز إعادة إعمار الحجر لتصبح معركة من أجل صون الهوية وحماية الذاكرة واستعادة الكرامة وصناعة مستقبل يليق بتضحيات الضحايا ويضمن ألا تتكرر المأساة مرة أخرى.

لمواجهة هذه الجريمة التاريخية البشعة يبرز دور المثقف الأيزيدي بوصفه ضرورة وجودية لا ترفاً فكرياً والمجتمعات الخارجة من الإبادات لا تعاد صياغتها بالإعمار وحده ولا تستعيد عافيتها عبر الحلول السياسية فحسب بل تحتاج قبل كل شيء إلى إعادة بناء الوعي وترميم الإنسان من الداخل واستعادة ثقته بنفسه وبمستقبله.

المثقف الأيزيدي اليوم لا يحمل مسؤولية نقل المعرفة أو توثيق المأساة فقط بل يتحمل مسؤولية تاريخية وأخلاقية تتمثل في تحويل الألم إلى وعي والذاكرة إلى قوة والتجربة المريرة إلى مشروع للنهوض.
وظيفة المثقف لا تقتصر على استحضار الماضي وإنما تتجلى في قراءة أسباب ما وقع من مئاسي ونقد بنيته واستخلاص الدروس التي تمنع تكرارها لأن الذاكرة التي لا تتحول إلى معرفة تبقى أسيرة الألم بينما تصبح الذاكرة الواعية أساساً لبناء المستقبل.

غير أن هذا الدور لا يمكن أن يؤديه إلا مثقف يتمتع باستقلالية فكرية وأخلاقية كاملة يقف على مسافة واحدة من جميع القوى السياسية ويتحرر من الارتهان السياسي لأي أجندة حزبية أو إقليمية أو دولية والمثقف الحقيقي لا يكون تابعاً ولا بوقاً دعائياً ولا باحثاً عن النفوذ أو الشهرة بل ضميراً يقظاً وصوتاً حراً وشاهداً نزيهاً على الحقيقة يمارس النقد بمسؤولية ويضع مصلحة المجتمع فوق كل اعتبار.

المجتمعات التي تفقد استقلالية مثقفيها تفقد في الوقت نفسه قدرتها على مراجعة أخطائها وتصحيح مساراتها ولذلك فإن استقلالية المثقف ليست امتيازاً شخصياً بل شرط أساسي لحماية الوعي الجمعي من التضليل ولصناعة خطاب ثقافي قادر على بناء الإنسان لا على إعادة إنتاج الانقسامات والصراعات.

إن بناء الوعي لا يتحقق بالخطابات العاطفية وحدها بل يحتاج إلى دراسات علمية رصينة توثق التاريخ الإيزيدي وتحلل أسباب الإبادة الجماعية وتدرس آثارها النفسية والاجتماعية والقانونية بما يتيح إنتاج معرفة موثوقة يمكن أن تستند إليها المؤسسات الأكاديمية وصناع القرار والمحاكم الدولية.

إذا كانت الإبادة قد استهدفت الجسد الإيزيدي فإن أخطر ما يواجهه المجتمع اليوم هو الإبادة الرمزية تلك التي تستهدف الهوية والثقافة واللغة والذاكرة وتسعى إلى تفريغ الإنسان من معناه وإضعاف انتمائه وتشويه روايته التاريخية.
لهذا فإن مقاومة الإبادة لا تقتصر على تحقيق العدالة القانونية أو توفير الأمن وان كان ذلك من الركائز الاساسية للعدالة الانتقالية لكن يجب أن تشمل أيضاً الدفاع عن الوعي وصون الهوية وإحياء الثقافة وبناء خطاب معرفي يواجه التزييف والتهميش والإقصاء.

إن الإصلاح الحقيقي يبدأ من الثقافة قبل السياسة ومن الفكر قبل السلطة فالمعرفة ليست ترفاً بل أداة للتحرر والعقل النقدي هو الحصن الأول ضد إعادة إنتاج المآسي.
كل مشروع يسعى إلى بناء مستقبل آمن للأيزيديين من دون أن يضع الثقافة والتعليم والبحث العلمي المهجر مسؤولية مضاعفة تتمثل في بناء جسور معرفية بين المجتمع الإيزيدي والعالم ونقل القضية الإيزيدية إلى الجامعات ومراكز الأبحاث ووسائل الإعلام والمؤسسات الدولية

من مسؤوليات المثقف أيضاً تفكيك خطابات الكراهية والتعصب التي مهدت لوقوع الإبادة الجماعية والعمل على مد جسور لنشر ثقافة التعددية والاعتراف المتبادل من قبل المكونات الأخرى والتأكيد على التزامها باحترام التنوع الديني والثقافي لأن حماية المستقبل تبدأ بمعالجة الأفكار التي أنتجت العنف في الماضي.
والعمل على ترسيخ ثقافة التعددية والاعتراف المتبادل واحترام التنوع الديني والثقافي والدعوة إلى بناء علاقات قائمة على المواطنة المتساوية بين جميع المكونات.

تقع على عاتق المثقف الإيزيدي في المهجر مسؤولية مضاعفة تتمثل في بناء جسور معرفية بين المجتمع الإيزيدي والعالم ونقل القضية الإيزيدية إلى الجامعات ومراكز الأبحاث ووسائل الإعلام والمؤسسات الدولية بما يحول الذاكرة من قضية محلية إلى قضية إنسانية عالمية.

كما يتحمل المثقف مسؤولية توثيق التراث الإيزيدي غير المادي من أقوال وقصائد دينية والروايات الشفوية والعادات والتقاليد لأن الإبادة لا تستهدف الإنسان وحده بل تستهدف أيضاً ذاكرته الثقافية وحماية هذا التراث تمثل جزءاً أساسياً من حماية الهوية.

إن الشعب الأيزيدي اليوم بحاجة إلى نموذج جديد من المثقفين مثقف يجمع بين الوفاء لهويته التاريخية والانفتاح على القيم الإنسانية الكونية وبين الاعتزاز بالتراث والاستعداد للنقد وبين الدفاع عن الحقوق والالتزام بالحقيقة وبين الانتماء للمجتمع والانحياز للمبادئ.
مثقف يجعل من المعرفة أداة للمقاومة ومن الحوار وسيلة لتجاوز الانقسامات ومن الثقافة مشروعا للتحرر لا وسيلة للاستقطاب.

لا يكتمل دور المثقف إذا اقتصر على نقد العوامل الخارجية بل يمتد أيضاً إلى ممارسة النقد الذاتي وتشخيص مكامن الضعف داخل المجتمع لأن المجتمعات التي تمتلك شجاعة مراجعة أخطائها تكون أكثر قدرة على حماية مستقبلها.

علينا أن نفهم دور المثقف بأنه لا ينافس رجل الدين في وظيفته الروحية ولا السياسي في إدارة الشأن العام ولا القاضي في تحقيق العدالة بل يؤدي دوراً تكاملياً يتمثل في إنتاج المعرفة وصناعة الوعي وترسيخ قيم التفكير النقدي بما يجعل المجتمع أكثر قدرة على اتخاذ قراراته بحرية ومسؤولية.

رسالة المثقف الإيزيدي بعد الإبادة الجماعية تتجاوز حدود الكتابة والخطابة بل هي رسالة لإعادة بناء الإنسان قبل العمران واستعادة الوعي قبل السلطة وصناعة الأمل قبل الشعارات
حين يتحول القلم إلى صوت للحرية والمعرفة إلى ضمير حي والثقافة إلى قوة للتغيير يصبح المثقف شريكاً حقيقياً في حماية الوجود الأيزيدي وفي بناء مستقبل أكثر عدالة وكرامة للأجيال القادمة.

الأمم التي خرجت من المآسي الكبرى لم تنهض لأنها امتلكت القوة وحدها بل لأنها امتلكت مثقفين حملوا مسؤولية الحقيقة ودافعوا عن الذاكرة وصنعوا الوعي.
اليوم يحتاج الشعب الإيزيدي إلى هذا النموذج من المثقف أكثر من أي وقت مضى .. مثقف يؤمن بأن بناء الإنسان هو البداية الحقيقية لبناء الوطن وأن حماية الهوية لا تتحقق بالشعارات بل بالمعرفة والحرية والنقد المسؤول والعمل الصادق من أجل مستقبل يستحقه الأيزيديين بعد كل ما عانوه.

إن الإبادة الجماعية لا تنتهي عند توقف القتل بل تستمر ما دامت آثارها النفسية والثقافية والاجتماعية قائمة ولذلك فإن الانتصار الحقيقي لا يتحقق بمجرد النجاة من الجريمة وإنما ببناء مجتمع يمتلك الوعي والمعرفة والثقة بالمستقبل وعندما يصبح المثقف حارساً للذاكرة وصانعاً للمعرفة ومدافعاً عن الحقيقة فإنه لا يحمي هوية شعبه فحسب بل يساهم في ترسيخ قيم العدالة الإنسانية التي تمنع تكرار المآسي بحق أي شعب في العالم.
حين يصبح الوعي ثقافة والثقافة مشروعاً مجتمعياً تتحول الذاكرة من عبء الماضي إلى قوة تبني المستقبل.

الاشتراك
نبّهني عن
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

Most Popular