أخطر .. ما نشهده اليوم ليس اختلاف العقائد ، بل اعتياد بعض الناس على تحويل الكراهية إلى ايمان ، والتحريض إلى بطولة ، وإهانة الآخرين إلى نوع من التدين الزائف ..
ليس مؤلما أن يجهل الإنسان من هم الإيزيديون ، فكلنا نجهل أشياء كثيرة ، لكن المؤلم أن يقرر كرههم من غير معرفة حقيقتهم ..
وأن يحكم عليهم بالإلغاء والاحتقار وهو يظن أنه يؤدي واجبًا مقدسًا !
لاشك ، إن خطاب التحريض لا يقتل الضحية وحدها ، بل يقتل ضمير صاحبه أولًا .
فالأمم لا تنهار عندما تختلف ، وإنما تنهار عندما يصبح التحريض لغة يومية وبلا سبب ، ويصبح الصمت عند المحرضين عادة وتفاخر ، ويغيب القانون أمام من يزرعون الفتنة بين أبناء الوطن الواحد ..
الإيزيديون لا يطلبون امتيازا ، ولا شفقة ، ولا منّة من أحد ، بل يطالبون فقط بحقهم الطبيعي في أن يعيشوا بامن وكرامة ، وأن يُحترموا كبشر ومواطنين ، دون أن يتحول وجودهم إلى مادة للتحريض في كل مناسبة ..
ومن يظن أن الكراهية ستقف عند الإيزيدي ، فهو واهم .. فالنار التي تُشعلها اليوم في بيت جارك ، ستصل غدا إلى دارك ..
لهذا فإن معركة مواجهة خطاب الكراهية ليست دفاعًا عن الإيزيديين وحدهم ، بل دفاع عن إنسانية المجتمع كله ، وعن مستقبل وطن لا يمكن أن يبنى على الأحقاد ، بل على العدالة ، وسيادة القانون ، واحترام كرامة الانسان ..
لقد آن الأوان لأن تتحول مواجهة خطاب الكراهية من مجرد بيانات استنكار إلى إجراءات قانونية حازمة .. فحرية الرأي لا تعني حرية التحريض ، وحرية المعتقد لا تبرر الدعوة إلى إهانة الآخرين أو تهديدهم أو نزع إنسانيتهم بهذه الطرق اللاخلاقية ..
إننا نطالب الجهات القضائية والأمنية في إقليم كوردستان بتطبيق القانون على كل من يستخدم منصات التواصل الاجتماعي لنشر الكراهية أو التحريض على أي مكون من مكونات المجتمع ، أياً كان انتماؤه أو صفته ..
فالتهاون مع المحرضين لا يصنع سلامًا بل يمنح التطرف شعورًا بالإفلات من العقاب ..
ولا شك ايضا ..
إن حماية الإيزيديين من خطاب الكراهية ليست امتيازا لهم ، بل هي اختبار حقيقي لهيبة القانون ، ورسالة واضحة بأن كرامة الإنسان في كوردستان ليست محل تفاوض ، وأن المجتمع الذي انتصر للإبادة لن يسمح اليوم بأن تُبعث الإبادة من جديد في الكلمات والمنشورات والشاشات ..
الجدير قوله :
ان الإبادة لا تبدأ بالسلاح بل تبدأ بكلمة تُترك بلا محاسبة ..
يكفي أن ننظر إلى الدول التي نجحت في بناء مجتمعات مستقرة متحضرة ، لندرك أن احترام الإنسان ليس شعارا بل أساس الدولة ..
ففي ألمانيا ..
التي دفعت ثمن الكراهية بعد الحرب العالمية الثانية ، أصبح التحريض على الكراهية وإنكار الجرائم التاريخية جريمة يعاقب عليها القانون ، لأنهم أدركوا أن (( الكلمات قد تتحول إلى مذابح )) .
وفي كندا ..
تُعد حماية التنوع الديني والثقافي جزءًا من هوية الدولة ، ويُعامل الاعتداء على أي مكون بسبب دينه أو عرقه بوصفه اعتداء على المجتمع بأسره ، لا على الضحية وحدها ..
وفي جنوب أفريقيا ..
وبعد عقود من التمييز العنصري ، لم تبنِ مستقبلها على الانتقام ، بل على العدالة والمصالحة وسيادة القانون ، لأنهم أيقنوا أن كرامة الإنسان لا تُقاس بلونه ولا بدينه ولا بأصله ..
وأما نحن ..
فما زلنا نسمح لبعض الأصوات بأن تزرع الكراهية على شاشات الهواتف ، وكأن التاريخ لم يعلمنا أن كل إبادة جماعية بدأت بفكرة ، ثم بكلمة ، ثم بتحريض ، ثم بصمت المجتمع …
وتذكر دائما ..
إن قوة أي مجتمع لا تُقاس بعدد أبنائه الذين يشبهون بعضهم ، بل بقدرته على حماية المختلف ..
فالدولة التي تعجز عن حماية أصغر مكون فيها ، ستعجز يومًا عن حماية أكبر مكون فيها ..
والكرامة لا تتجزأ ، فمن يحرس كرامة الأقلية ، إنما يحرس مستقبل الأغلبية أيضًا ..
و ليست الحضارة أن نتفق في الدين أو القومية ، بل أن نختلف ونبقى نحمي بعضنا بالتحضر و القانون ..
فحين يصبح القانون أقوى من الكراهية ،
ها هنا .. يبدأ الوطن الحقيقي والدولة المؤسساتية ( الحلم ) ..

