ليست كل الحروب والغزوات تنتهي بانتهاء وقائعها الميدانية ، فهناك حروب وغزوات تستمر آثارها في ذاكرة من دفع ثمنها جيلا بعد جيل ، لأن الثمن عند الضحايا لا يقتصر على فقدان الرجال والامهات والاطفال وكذلك الدور والممتلكات وألاراضي فحسب، بل معها فقدان الشعور بالأمان ، وفقدان القناعة بالجيرة ، وقبلها القناعة والثقة بأن دولتهم بل والعالم لم يعد قادرا او مندفعا بجد ومسؤولية وطنية او إنسانية على حمايتهم وتحقيق العدالة وإنصاف ضحاياهم (بعيدا عن صخب الإعلام ) ، وهذا ما ادى ويؤدي الى هجرة اعدادا كبيرة من ابناء الاقليات الدينية من ايزيديين ومسيحيين وصابئة ، ولو امكن من تبقى منهم لهاجرواربالجملة بحثا عن الامن والامان والشعور بالكرامة كمواطنين من الدرجة الاولى ، لهم ما لغيرهم من حقوق وما عليهم من واجبات.
وتبقى الإبادة الجماعية التي تعرض لها الإيزيديون في سنجار واحدة من أكثر الصفحات إيلاما في التاريخ المعاصر ، لأنها لم تستهدف أرضا أو ثروة أو موقعا عسكريا فحسب ، بل استهدفت قبلها الإنسان في جوهر إنسانيته.
لقد شهد العالم عبر تاريخه كثيرا من المجازر والجرائم ، لكن بعض الجرائم تجاوزت حدود القتل الجماعي لتتحول إلى مشروع منظم يرمي إلى اقتلاع شعب من جذوره ومحو هويته الدينية والثقافية والاجتماعية. وهذا ما حدث في قضاء سنجار، حين تحول إلى مسرح لإحدى أبشع جرائم القرن الحادي والعشرين، ولو لم يتدارك ابناء الاقليات الدينية في سهل نينوى وينزحوا قبل ايام من غزوة الدواعش لمناطقهم إلى إقليم كردستان ، مستفيدين عبرة مما حصل في سنجار قبلها ، لكان ما سيقع ويتعرضوا له لا يقل عن ما حصل في سنجار ، لتبقى الخسائر مقتصرة عموما على اعمال النهب والسرقة وتدمير الدور والممتلكات ودور العباده من مزارات وكنائس وغيرها.
في الثالث من آب عام 2014 اجتاح تنظيم داعش الإرهابي قضاء سنجار ، حيث غالبية سكانه من أبناء المكون الإيزيدي ، ليبدأ فصلا أسود من فصول الإبادة الجماعية ، لم يكن هدفه احتلال منطقة أو فرض سيطرة عسكرية عليها فحسب ، وإنما القضاء على مكون أصيل من مكونات العراق بسبب معتقده الديني ، في انتهاك صارخ لكل القيم الإنسانية والشرائع السماوية والقوانين الدولية.
لم يكن ذلك الغزو عملا عسكريا عابرا بل حملة منظمة استهدفت الإنسان اولا بمختلف أعماره . فالرجال قتلوا جماعيا بعد امتناع هم عن تغيير معتقدهم الديني ، وكبار السن من النساء أعدمن بدم بارد ، والنساء تعرضن للاختطاف والسبي والاستعباد ، أما الأطفال فقد تحولوا إلى ضحايا لمشروع يرمي إلى سلبهم طفولتهم وهويتهم الدينية والقومية ومستقبلهم عبر بيعهم كما امهاتهم في سوق النخاسة او إدخالهم في معسكرات تدريب خاصة لغسل أدمغتهم وتوجيههم وفق افكارهم السوداء ومن ثم استخدامهم لتفجيرات انتحارية مختلفة وهم مقيدون بعبوات مبرمجة عن بعد.
اثر غزو الدواعش في ذلك اليوم الاسود ، اضطر أكثر من أربعمائة ألف إيزيدي وهم عزل دون حماية من احد إلى ترك منازلهم وممتلكاتهم وقراهم في غضون ساعات قليلة تسابقوا ، ليحملوا ما استطاعوا حمله من أطفالهم ووثائقهم الشخصية ، متجهين صوب جبل سنجار، ذلك الجبل الذي ظل عبر التاريخ ملاذهم الأخير وصديقها الوحيد كلما ضاقت بهم الأرض. وهناك، بين الصخور القاسية وتحت شمس آب اللاهبة ، وجد عشرات الآلاف أنفسهم محاصرين أياما طويلة بلا ماء ولا غذاء ولا دواء يواجهون الموت عطشا وجوعا وهم محاطين بالدواعش المتربصين في تخوم الجبل والطرق المؤدية إليه ليقتلوا كل من تعثرت به سبل النجاة ليقع بين اياديهم . المثير للدهشة ، ان العالم كله بقادته وحكومته وجيوشه كان يتابع تفاصيل هذه المأساة ببرود وبطء لم ينسجم مع حجم الكارثة الإنسانية. بل إن القوات الامريكية المتواجدة في العراق وقتها كانت تستطيع مجريات الغزو بغارات محدودة ومنتقاة على مواقع الدواعش لإنقاذ الايزيدية في الساعات الاولى من الغزو ، كما انضم وساهم رجال كثيرين من ابناء العشائر من القرى المجاورة والمدن إلى الدواعش ليتضاعف حجم الماساة ، كونهم كانوا على علاقات سابقة مع الايزيديين ومعرفة وجغرافية المنطقة وطرقاتعا ودرابينها الخارجية التي سرعان ما سيطروا على مفاصلها ليتحولوا دون وصول الفارين من جحيم الموت من الوصول إلى الجبل ومن ثم قتلهم وسبي نسائهم.
في تلك الأيام، كانت حرارة الشمس تفتك بالأجساد في ظروف انعدمت فيها قطرة الماء على سفوح وقمم ذلك الجبل ليبقى العطش سيد الموقف ، حدا توفى بسببه مئات الأطفال بين أذرع أمهاتهم ، وتوفت عشرات ألامهات وهن يحتضن أبناءهن ، وشاهد فيها آباء أبناءهم يذبلون أمام أعينهم دون أن يمتلكوا قطرة ماء تنقذهم. لقد كانت تلك المشاهد تختصر حجم المأساة التي عاشها ايزيدية سنجار، وتجسد كيف يمكن للارهاب أن يحول أبسط حقوق الإنسان المتمثل بالحق في الحياة، إلى حلم بعيد المنال لا لشيء إلا اختلاف الهوية.
أما الذين لم يتمكنوا من الفرار ، فقد واجهوا من قبل الدواعش وجها آخر للموت أكثر وحشية. فقد قتل الآلاف من الرجال وهم في دورهم او في الشوارع والطرق والدرابين المؤدية إلى جبلهم وهم ينشدون النجاة ، واختطفت آلاف النساء والفتيات وتعرضن للسبي والاستعباد والبيع في أسواق النخاسة والزواج القسري وقبلها إجبارهم على تغيير معتقدهم الديني ، في مشاهد أعادت إلى الذاكرة أكثر المراحل ظلاما في تاريخ البشرية ، بينما اختطف آلاف الأطفال، وانتزعوا من أحضان أمهاتهم ، وحرموا من والديهم وهويتهم الدينية وبعدها حرموا من اسماؤهم الاصلية ومستقبلهم الطبيعي ، في محاولة لاقتلاعهم من جذورهم وهويتهم الثقافية والدينية وإعادة تشكيل وعيهم بالقوة. والأمٓر في كل هذا مشاركة الكثير من ابناء العشائر من القرى والمدن المجاورة لهم في كل ما وقع عليهم مما اشرت إليه ، دون حساب لعلاقات الجوار وحقوقها والتزاماتها المجتمعية والعشائرية والأخلاقية وما عرف بحق الإخوة او ما تعرف بالكرافة بينهم.
ولعل أخطر ما في جريمة الإبادة هذه ، أنها كانت تستهدف القضاء على كل مقومات ومعاني استمرار حياة هذا المكون بدأ من الطفولة والامومة وقبلها بشبابه ورجاله عبر قتلهم جماعيا ، بالشكل الذي يجعل العالم يقول بعدها انه كان هنا يوما مكون له معتقده و خصوصيته وتاريخه وارضه ، وابيد عن بكرة ابيه على هويته الدينية فقط. هذا ما حصل مع الطفل الذي يوخذ عنوة من احضان والديه ويجرد بعدها من هويته الدينية والقومية ، ويغرس في وعيه فكر التطرف والكراهية ، ليصبح ضحية مرتين ، مرة حين يسلب عنوة من عائلته، ومرة حين يحاول الارهابي الجلاد أن يسلبه إنسانيته ومستقبله ، لذلك لم تكن الطفولة في سنجار ضحية جانبية للغزو ، بل كانت هدفا مباشرا من أهدافه ، ليعيد بهذا ما كان يقع مع الايزيديين في ثلاثة وسبعين حملة إبادة جماعية سابقة خلال القرون الخمسة الماضية.
اما النساء ، فقد تجاوز عدد المختطفات او السبايا منهن نحو سبعة آلاف فتاة وإمراة ، ما يزال بحدود الالفين منهن في قبضة الدواعش حتى اليوم. وهذه الأرقام على فداحتها لا تستطيع أن تعبر عن حجم الألم الحقيقي ، لأنه مع كل فتاة او امراة منهن قصة يندى لها ضمير الإنسانية على ما تلاقيه من عذاب وانتهاك للقيم والكرامة الإنسانية ، وخلف كل فتاة أسرة، وخلف كل أسرة قصة انتظار لم تنته بعد فصول مأساتها ، وخلف كل فتاة والدتها التي ما زالت تفتح باب دارها او خيمة نزوحها فجر كل يوم على أمل أن تعود ابنتها أو ابنها المفقود لتستقبلهم بما يليق بهم . ويمكن الاطلاع على جانب من تفاصيل ما وقع لهن وغيرها مما تناولته في اعلاه في موسوعة الإبادة الجماعية للايزيديين (الجينوسايد) الرابعة والسبعون للباحث والمؤرخ داود مراد ختاري.
لم يقتصر أثر هذه الإبادة على الضحايا المباشرين ، بل امتد إلى النسيج الاجتماعي بأسره. فقد دمرت مجمعات سكنية وسويت اكثرية القرى بالارض ، وشردت وشتتت عائلات ، وانقطعت صلات القرابة ، وضاعت سنوات مطويله في الاسر والسبي والنزوح وما رافقه بالنتيجة ضياع فرصة العمل والتعليم للاطفال وقبلها الحياة الكريمة ، وهاجر اثر ذلك كما اشرت عشرات الآلاف إلى دول مختلفة ، كما ولد آلاف الأطفال فقدوا ارتباطهم بارضهم واهلهم وهم يحملون آثار صدمة نفسية سترافقهم زمنا طويلا.
إن الجريمة الحقيقية لا تقاس بعدد الشهداء والضحايا فقط، بل أيضا بعدد الأحلام التي أجهضت والاموال التي احبطت ، وعدد الاطفال الذين اخذوا من احضان امهاتهم وابائهم وضعوا في غيابه المجهول بعد اختطافهم ، وعدد الأمهات اللواتي تحول انتظارهن إلى عمر كامل من الحسرة والالم.
لقد اعترفت الأمم المتحدة، ومعها حكومات الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وألمانيا وفرنسا واستراليا ودول عديدة اخرى بأن ما ارتكبه تنظيم داعش بحق الإيزيديين يشكل جريمة إبادة جماعية ، وهو توصيف قانوني يحمًل المجتمع الدولي مسؤولية أخلاقية وقانونية لا تقتصر على الاعتراف بما حدث ، بل يمتد إلى منع تكراره ومحاسبة مرتكبيه وإنصاف ضحاياه.
غير أن هذا الاعتراف على أهميته ، لم ولن يكتمل ما لم يتحول واقعا إلى عدالة يتوجب ان لا تقتصر على بيانا يصدر ولا قرارا يعلن ، وإنما على جدية التنفيذ في محاسبة من خطط ونفذ وأمر وساعد في الفصول المروعة لهذه الإبادة ، كما تتضمن عدالة كهذه إنصاف الضحايا ومعالجة من تعرض الى اضرار مادية وجسدية ونفسية ، إضافة إلى توفير ضمان لحماية للأجيال المقبلة كي لا تتكرر أمامها المأساة ذاتها.
لقد أصبحت سنجار بحملة إبادة اهلها ، رمزا عالميا لما يمكن أن يبلغه التطرف حين يفقد الإنسان إنسانيته، وحين تتحول الكراهية إلى مشروع سياسي وعسكري وديني يستهدف الإنسان وهويته قبل أن يستهدف الأرض.

