في الثالث من آب 2014 توقّف الزمن في شنكال، ومنذ ذلك اليوم لم يعد التاريخ بعده ما كان قبله.
وكلما حلّت ذكرى ذلك اليوم الأسود، أتخيّل الطرق والمسالك التي سلكها الشنكاليون للنجاة بأرواحهم. اتأمل مشاهد الأطفال والنساء والشيوخ وهم يسيرون تحت شمس آب الحارقة، في ذروة الصيف اللاهب، حيث تحوّلت الحجارة إلى كتل من جمر، وغدا السراب أملاً بعيداً يتشبّث به المعذبون في لحظات اليأس.
هناك من نجا في الرمق الأخير، وهناك من خانته قواه فسقط على الطريق، ليصبح “كشاهدة” على قبر مجهول، منسي على حافة الطريق الطويل…
في كل عام تُقام الندوات والمهرجانات والفعاليات لإحياء الذكرى، وتسليط الضوء على تلك المأساة وحمايتها من النسيان. وهي جهود مهمة وضرورية، لكنها تدفعني في كل مرة إلى التساؤل:
لماذا لا ينظّم أبناء شنكال والقائمون على شؤونها في الثالث من كل آب مسيرةً جماعيةً كبرى، تنطلق من كل الأماكن التي بدأ منها الهروب نحو الجبل، وتسير على خطى الناجين، لتلتقي قوافل المسير في حضن الجيل وتزرع شجرة الحياة؟
لماذا لا يشارك فيها الجميع، رجالاً ونساءً وشباباً، يمشون على التراب والحصى، في فعلٍ رمزي يستحضر شيئاً من معاناة أولئك الذين ساروا بين الخوف والعطش والحرّ والألم؟
لن تكون تلك المسيرة في أي حال من الأحوال إعادةً للمأساة، ولا محاولةً لمحاكاة آلام من عاشوها، فذلك أمر أقرب إلى المحال. لكنها ستكون رسالة وفاء للضحايا والناجين، ووسيلةً حيّةً لنقل الذاكرة إلى الأجيال الجديدة، بحيث لا تبقى الأحداث مجرد روايات تُروى في الندوات أو كلمات تُلقى في المهرجانات، بل تجربةً وجدانيةً تستحضر، ولو رمزياً، جانباً من فداحة ما جرى في ذلك اليوم الذي غيّر مصير شنكال وأهلها إلى الأبد
فالذاكرة لا تُصان بالكلمات وحدها، بل أيضاً بالأفعال التي تُبقيها حيّة في الوجدان، وتمنح الأجيال الجديدة فرصةً لفهم ما حدث، واستشعار بعض من ثقل تلك المأساة التي ما زالت آثارها حاضرة في النفوس حتى اليوم….
يبقى الأمر مجرد أقتراح، لربما وجد يوما طريقه إلى قلب شنكال…
اللوحة المرفقة هي للفنان التشكيلي أبن شنكال مسافر قاسم Musafer Qasim


