Homeاراءدروس من تجارب سنجار في حملات الإبادة: : حين تتفرق إرادة المجتمع...

دروس من تجارب سنجار في حملات الإبادة: : حين تتفرق إرادة المجتمع تضيع قوته ومعها قضيته ج 1: ب. د. خالد محمود خدر

لا تشكل حملات الإبادات الجماعية مجرد أحداث دامية يطويها التاريخ ، بل هي محطات فاصلة تختبر قدرة المجتمعات على الصمود ، وتكشف مكامن قوتها وضعفها وتفرض عليها مراجعة عميقة لمسارها ومستقبلها. وإذا كانت مأساة  الثالث من آب 2014 قد مثلت إحدى أبشع الجرائم التي شهدها القرن الحادي والعشرون ، فإن استذكارها لا ينبغي أن يقتصر على  توثيق اعداد الضحايا من الشهداء والمختطفين من الرجال و النساء والاطفال ، ولا على استحضار المعانات والألام  ، بل يجب معها أن يتحول ذلك  إلى مناسبة لاستخلاص الدروس التي تساعد على حماية المجتمع الإيزيدي ومنع تكرار المأساة.

 

لقد استطاع الإيزيديون في سنجار عبر قرون طويلة ، الحفاظ على وجودهم وخصوصيتهم الدينية والثقافية رغم ما تعرضوا له من حملات إبادة جماعية تجاوزت أربعة وسبعين حملة خلال القرون الأربعة الأخيرة وحدها. ولم يكن ذلك الصمود 

 وليد الصدفة أو نتيجة وعورة جبل سنجار وحده الذي كانوا يلجئون إليه في كل حملة ، رغم أنه كان الملاذ الآمن والصديق الوفي في كل هذه الحملات ، وإنما كان ذلك الصمود ثمرة تماسك المجتمع ووحدة إرادته وتمسكه بثوابته الدينية والاجتماعية ، وهي عوامل شكلت بمجموعها عبر الزمن سورا منيعا حافظ على هويته ووجوده.

 

لقد أدرك الإيزيديون منذ وقت مبكر وخاصة في سنجار ، أن مواجهة الأخطار الوجودية لا تكون إلا بوحدة الصف. ولذلك كانوا كلما داهمهم خطر وهدد مجتمعهم ، يضعون خلافاتهم جانبا ويتحولون إلى جبهة واحدة تجمعها وحدة المصير. ويزخر تاريخ سنجار بأمثلة كثيرة تؤكد هذه الحقيقة ، من أبرزها  ما حدث في الثلث الاول من القرن العشرين عندما تعر ضوا  لإعتداءات استهدفت المجتمع الإيزيدي ، حيث  تجاوز  حينها كل من الباشا حمو شرو وداود الداود الزعيمين المعروفين  خلافاتهما ، ووحدا موقفيهما دفاعا عن الأرض واهلها ، إدراكا منهما أن الخطر الوجودي لا يفرق بين أحد وآخر.

 

كما تؤكد المصادر التاريخية ما جرى سنة 1893، عندما عقد رؤساء العشائر الإيزيدية في سنجار اجتماعا عاجلا في منطقة زفنكه في كلي كرسي  عقب تقدم قوات الجيش العثماني بقيادة الفريق عمر وهبي لإجبارهم على تغيير معتقدهم. انتهى الاجتماع إلى قرار موحد بالمواجهة مع الاتفاق على توزيع محاور الدفاع بين شرق جبل سنجار وغربه ، وتكليف كل عشيرة بإرسال رجال يمتلكون الخيل والسلاح إلى قرية بكرا استعدادا للدفاع عن اهلهم  الايزيديين. لقد جسد ذلك الاجتماع نموذجا متقدما في سرعة اتخاذ القرار ووحدة القيادة عندما تكون خصوصية الوجود المجتمعي نفسه في دائرة الخطر.

 

ولم تكن هذه الحالتين استثناء في التاريخ الإيزيدي ، بل كانت سمة متكررة في معظم الفرمانات السابقة ، حيث كان المجتمع يبادر إلى الاستعداد المبكر بدا من تأمين النساء والأطفال في المناطق الآمنة في ثنايا وتشعبات  الجبل ، بينما يتولى الرجال تنظيم خطوط الدفاع والتصدي للهجمات التي تشنها القوات المعادية  ، مهما كان التفوق العسكري لتلك القوات. وكان الجميع يدرك أن الدفاع عن الارض والاهل واجب جماعي ، وأن المعركة معركة وجود من عدمه ،  وأن التضحية بأرواحهم هي الثمن الذي يحفظ  ديمومة الأجيال القادمة وهويتها.

 

غير أن المشهد الإيزيدي بدأ يتغير بصورة ملحوظة خلال العقود الأخيرة. فمع اتساع مساحة العمل السياسي وظهور أحزاب وقوى متعددة داخل المجتمع الإيزيدي ، برزت انقسامات سياسية لم تكن مألوفة في السابق ،  حيث توزعت الولاءات بين مرجعيات واتجاهات سياسية مختلفة ، لكل منها رؤيتها وتحالفاتها وأولوياتها ، ولكن بقي كل ذلك بعيدا عن قناعاتهم بخصوصية الوجود المجتمعي.

 

لا شك أن التعددية السياسية تمثل ظاهرة طبيعية في المجتمعات الحديثة ، بل تعد مؤشرا على الحيوية السياسية. إلا أن الإشكالية لا تكمن في وجود هذا التنوع ، وإنما في غياب رؤية مجتمعية موحدة تجاه القضايا المصيرية التي تمس وجود الإيزيديين وهويتهم وأرضهم ومستقبلهم. فعندما تصبح الثوابت الجامعة موضع اختلاف او تنافس سياسي ، تتراجع المصلحة العامة أمام الحسابات الحزبية ، ويصبح المجتمع أكثر عرضة للضعف والانقسام.

 

انعكس هذا التحول السياسي بصورة مباشرة على طبيعة التمثيل الإيزيدي في كل مؤسسات الدولة ، ليعكس  تشتت الإرادة المجتمعية. ولنأخذ مثلا التمثيل النيابي الذي نجد فيه أن مقعد الكوتا الوحيد المخصص للإيزيديين في مجلس النواب يفترض ان يكون دائما صوتا يعبر عن الإرادة المجتمعية الايزيدية المستقلة ، أصبح في كثير من الدورات الانتخابية  جزءا من توازنات الكتل والتحالفات السياسية ، ليحمل المقعد بالنتيجة هوية إيزيدية في شكله ولكنه واقعا بقي خاضعا لأولويات وإرشادات القوى السياسية التي أوصلته إلى البرلمان ، أكثر من ما يفترض  خضوعه لأولويات المجتمع الإيزيدي نفسه التي يمثلها قانونا.

 

لقد أضعف هذا الواقع قدرة الإيزيديين على الدفاع عن قضاياهم المصيرية في المؤسسات التنفيذية والتشريعية. فعلى الرغم من الجهود التي بذلتها شخصيات برلمانية او غير برلمانية إضافة إلى نخب اجتماعية للمطالبة بزيادة عدد مقاعد الكوتا بما يتناسب مع حجم الإيزيديين وفق الاحصاء السكاني والانتشارالجغرافي ، بقي هذا المطلب يفتقر إلى خطاب موحد وإسناد سياسي متماسك. وكان من الطبيعي أن تتراجع فرص تحقيقه في ظل الانقسامات والتجاذبات الداخلية  رغم عدالة المطالبة بتمثيل أكثر إنصافا لهذا المكون العراقي الأصيل ليصل عدد المقاعد كما يفترض وفقا لعدد الايزيديين  إلى سبعة مقاعد على ضوء الإحصاء السكاني الاخير. ونفس الشيء يمكن ان يقال عن نسبة المكون الايزيدي في المؤسسات التنفيذية ، فقد اوضح  قبل ايام النائب الممثل عن الكوتا الايزيدية في إحدى جلسات البرلمان ، بانه منذ العام ٢٠٠٣ لم يتم تعيين مدير عام واحد ايزيدي في مؤسسات الدولة العراقية كافة.

 

ومن هنا تبرز حقيقة مهمة ، وهي أن قوة أي مكون اجتماعي لا تقاس بعدد أحزابه أو تنوع توجهاته ، بل بقدرته على الاتفاق حول القضايا التي تمس وجوده ومستقبله. فالتعددية تصبح مصدر قوة عندما تتوحد حول الثوابت ، لكنها تتحول إلى عنصر ضعف عندما تطغى الخلافات والمنافسات الحزبية على المصالح العليا للمجتمع.

 

لقد كانت سنجار، قبل الثالث من آب عام 2014 ، تواجه تحديات أمنية وسياسية متزايدة في ظل بيئة إقليمية مضطربة وتصاعد خطر التنظيمات الإرهابية التي احتلت في العاشر من حزيران من نفس السنة مدينة الموصل ومعظم اجزاء محافظة نينوى الجنوبية وكامل محافظتي صلاح الدين والانبار. ومع ذلك  لم تتبلور رؤية إيزيدية جامعة تستشعر حجم التهديد القادم ، أو تعمل على بناء آلية دفاع مجتمعية قادرة على التعامل مع أسوأ الاحتمالات ، كما كان يحدث في مراحل تاريخية سابقة ، لضمان حماية المجتمع الايزيدي.

 

في فجر الثالث من آب 2014 ، اجتاح تنظيم داعش الإرهابي قضاء سنجار ذا الغالبية الايزيدية ، لتبدأ واحدة من أبشع الجرائم التي عرفها العصر الحديث في ظل غياب جاهزية جماعية لاهالي القضاء  لتدارك كل الاحتمالات وحماية الاهالي. وخلال ساعات قليلة وجد مئات الآلاف من المدنيين الإيزيديين أنفسهم  يواجهون تنظيما إرهابيا لا يعترف بقيم إنسانية أو دينية أو أخلاقية.

 

ولم يجد مئات الآلاف هؤلاء مقرا امنا وملاذا اخيرا سوى جبل سنجار ، تماما كما فعل أجدادهم في حملات الإبادة السابقة. أما الذين لم يتمكنوا من الوصول إليه ، فقد واجهوا مصيرا مأساويا ، فقد قتل الرجال والشيوخ وسبيت النساء والفتيات و اختطف الأطفال ونهبت الممتلكات وأحرقت القرى والمجمعات السكنية في مشاهد متساوية هزت ضمير العالم ، وأصبحت لاحقا موضع إدانة واعتراف دولي بأنها جريمة إبادة جماعية.

 

ولعل ما يميز فرمان الإبادة هذا عن كثير من الفرمانات السابقة ، أنه كان أول فرمان واسع النطاق او اول إبادة جماعية لم يسبقها استعداد مجتمعي إيزيدي منظم كما كان يحدث عبر التاريخ. ففي الفرمانات السابقة كان المجتمع بمجرد شعوره باقتراب الخطر، يبادر إلى إجلاء النساء والأطفال نحو المناطق الآمنة في الجبل ، بينما يتولى الرجال تنظيم مواقع الدفاع وجمع السلاح والاستعداد للمواجهة ، إدراكا منهم أن الاستهداف يقع عليهم وحدهم بسبب هويتهم الدينية وحدها. 

قد يعترض البعض بأن الاستشهاد بالتجارب التاريخية لا يصح في ظل النظام المؤسساتي للدول الحديثة ، التي يقوم أحد أهم مبادئها على حصر السلاح بيد الدولة. وهذا اعتراض صحيح من حيث المبدأ ، لكنه يظل مرتبطا بشرط أساسي هو أن تكون الدولة قادرة فعلا على بسط سلطتها على كامل أراضيها، وأن تمتلك مؤسسات أمنية وعسكرية قادرة على حماية جميع المواطنين دون تمييز أو استثناء.

 

أما عندما تعجز الدولة ، لأي سبب كان ، عن أداء هذا الواجب في منطقة معينة ، فإن مسؤولية حماية المجتمع لا يجوز أن يبقى رهينة هذا العجز. ففي مثل هذه الحالات تفرض الضرورة تشكيل قوة محلية منظمة ، تعمل ضمن إطار وطني واضح ، وتتولى حماية السكان إلى حين استعادة الدولة قدرتها الكاملة ، على أن تكون هذه القوة المحلية  قابلة للاندماج في المؤسسات العسكرية الرسمية عندما ترجع الظروف إلى الاوضاع الطبيعية ، لتستمر في أداء واجبها ضمن المنظومة الرسمية.

 

ولا يتعارض هذا الطرح مع مفهوم الدولة ، بل ينسجم مع مقتضيات الحفاظ عليها في الظروف الاستثنائية ، لأن الأمن هو أساس قيام الدولة ، وإذا غاب الأمن غابت معه هيبة القانون. كما أن نجاح أي قوة محلية في أداء هذا الدور يعتمد على كونها منبثقة من المجتمع نفسه وتحظى بثقة أبنائه وتدرك تركيبته الاجتماعية وخصوصيته الاثنوغرافية والجغرافية، وهي اعتبارات أخذت بها الدولة العراقية في مراحل مختلفة من تاريخها عند تشكيل بعض الوحدات العسكرية ذات الطابع المحلي بدأ من الجيش الليفي في فترة العهد الملكي ، إدراكا منها بأن حماية المجتمع لا تتحقق بالقوة وحدها ، بل بالثقة المتبادلة بين الدولة والمواطن. وقدر تعلق الامر بمنطقة سنجار فقد سمح في فترات مختلفة للمجندين منهم بخصوصية معينة تتناسب مع اوضاعهم دينيا.

 

لقد أثبتت الوقائع التاريخية أن هذا الاستعداد المبكر، رغم محدودية الإمكانات ، مكّن الإيزيديين في مناسبات عديدة من صد حملات كانت تتفوق عليهم عددا وعدة أو على الأقل الحد من خسائرها. أما في الثالث من آب 2014 ، فقد جاء الهجوم بصورة مختلفة ، في ظل غياب استعداد جماعي مماثل او حتى حي امني مجتمعي ، ولعل القناعة بقدرة القوات المتواجدة في القضاء على معالجة الموقف ، ابعدتهم عن مجرد التفكير بحسابات كهذه.

وكانت نتيجة الغزو كارثية بكل المقاييس: آلاف الشهداء  وآلاف المختطفات والمختطفين ، ومئات الآلاف من النازحين ، وتدمير واسع للبنى السكنية والاجتماعية ، لتتحول سنجار إلى عنوان عالمي لمأساة إنسانية ما تزال آثارها ممتدة حتى اليوم.

 

ومنذ ذلك التاريخ ، ظل سؤال مؤلم يطرح نفسه بإلحاح: هل كان بالإمكان تقليل حجم الكارثة لو امتلك المجتمع الإيزيدي إرادة موحدة ورؤية مشتركة وقدرة على تنظيم شؤونه ، اواستعداد مسبق للدفاع عن مناطقه قبيل الغزو ، وقبلها تكهن او حس امني بتوقع الغزو وفقا لما يحمله الدواعش اولا من افكار متطرفة تناقض وتعتدي معتقدهم ، وثانيا وفقا  للواقع الميداني على الارض بعد اجتياح الدواعش لمناطق واسعة ليصلوا اخيرا بعد اجتياح قضاء تلعفر  إلى اطراف مجمعاتهم السكنية وقراهم و دارت معارك طاحنة  لايام عديدة على السواتر المحيطة ببعضها ؟

 

قد لا توجد إجابة قاطعة عن هذا السؤال ، لكن التاريخ يوكد   أن المجتمعات الأكثر تماسكا والأقدر على توحيد قرارها في اللحظات المصيرية ، تكون غالبا أكثر قدرة على حماية نفسها وتقليل خسائرها والحفاظ على وجودها. وهذا ما أكدته المقاومة الايزيدية التي تشكلت  في جبل سنجار بعد يومين من احتلال الدواعش لقضاء سنجار ، عندما تمكنت من منع الدواعش من ملاحقة المدنيين في الجبل وحافظت على مزارهم المقدس شرفدين والسيطوة على اطراف الجبل وقدماته والكثير من المناطق القريبه منه بعد ان الحقت بالدواعش  خسائر كبيرة في معارك مختلفة بإمكانياتهم الشخصية المحدودة.

 

الاشتراك
نبّهني عن
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

Most Popular