في حياة الشعوب، هناك عائلات لم تحفظ اسمها عبر السنين فحسب، بل حافظت أيضاً على مسؤولية دينية واجتماعية توارثتها جيلاً بعد جيل. وتُعد عائلة البيشيمام واحدة من تلك العائلات. واليوم، لم يبقَ على قيد الحياة من هذه السلالة العريقة سوى بيشيمام حسن، ابن الپێشئيمام سليمان. يبلغ من العمر ستةً وتسعين عاماً، وهو ليس مجرد شاهد على مرحلة تاريخية، بل ذاكرة حية تمتد لما يقارب قرناً من الزمن.
ويُعرف نسب العائلة على النحو الآتي:
بيشيمام حسن بن سليمان بن عمر بن شيخ موسى (شێخموس) بن حسن بن موسيك بن زندين.
ولا تمثل هذه الأسماء مجرد سلسلة نسب، بل إن كل اسم منها يروي مرحلة من تاريخ عائلة كرّست حياتها لخدمة المجتمع والواجبات الدينية.
في المجتمع الإيزيدي، كان للبيشبمام دور ديني مهم في مراسم الزواج. فقد كان يتولى عقد مراسم المهر بين العروس والعريس، ويشرف على انتقالهما إلى الحياة الزوجية وفق التقاليد الدينية الموروثة. وبذلك لم يكن الپێشئيمام مجرد رجل دين، بل كان جزءاً أصيلاً من الذاكرة الاجتماعية للمجتمع الإيزيدي.
تنتمي عائلة الپێشئيمام إلى طبقة شيوخ شيخسين، وترتبط بجزء من الإيزيديين المعروفين باسم عشيرة چێلكا (Çêlka). كما تنتمي إلى عشيرة الهفيركا (Hevêrka)، التي كانت تضم في شمال كردستان ما يقارب ثلاثين قرية. ولا تزال فروع هذه العشيرة منتشرة اليوم في شمال كردستان وغرب كردستان وإقليم كردستان، ولا سيما في سنجار.
ويرتبط تاريخ هذه العائلة أيضاً بتاريخ الهجرة والمقاومة. ففي عام 1926، وبعد المعارك التي خاضها حاجو آغا، زعيم عشيرة الهفيركا، واضطراره إلى اللجوء نحو غربي كردستان، رافقه الپێشئيمام سليمان مع أسرته في تلك الهجرة. وفي الوقت نفسه، اتجه شقيقه الپێشئيمام بركات إلى سنجار واستقر هناك.
وبعد أن هدأت الأوضاع نسبياً في شمال كردستان خلال خمسينيات القرن الماضي، ولأن الواجبات الدينية لم يكن من الممكن أن تبقى دون من يقوم بها، أرسل بيشيمام سليمان ابنه بيشيمام إسماعيل إلى شمال كردستان لمواصلة خدمة أبناء مجتمعه دينياً. وكان هذا القرار دليلاً واضحاً على أن أداء الواجب الديني كان بالنسبة لهذه العائلة فوق كل اعتبار.
أما بيشيمام حسن، فقد أمضى سنوات طويلة في غربي كردستان يؤدي واجباته الدينية والاجتماعية. وكان من أولئك الذين واصلوا خدمة أبناء شعبهم رغم الظروف الصعبة. واليوم، يمر بظروف صحية حرجة، إلا أن وجوده ما زال يمثل قيمة كبيرة لعائلته وللكثير من الإيزيديين، فهو آخر من بقي حياً من سلالة كرّست حياتها لخدمة الدين والمجتمع.
وعندما نتحدث عن الپێشئيمام حسن، ينبغي ألا ننظر إليه بوصفه رجلاً بلغ السادسة والتسعين من عمره فحسب، بل باعتباره امتداداً لذاكرة تاريخية انتقلت من جيل إلى جيل. فحين يرحل أشخاص مثل الپێشئيمام حسن، لا نفقد إنساناً فقط، بل نفقد معهم جزءاً من الذاكرة الحية للمجتمع. لذلك، فإن توثيق هذه الذكريات والحفاظ عليها ليس مجرد واجب عائلي، بل هو أيضاً مسؤولية تاريخية وثقافية وأخلاقي .


