Homeاراءقصة ،لیلة لم يطلع بعدها الصباح : ماجد حسن سلو

قصة ،لیلة لم يطلع بعدها الصباح : ماجد حسن سلو

كان مساء الثاني من آب عام 2014 يبدو مختلفًا عن كل أمسيات الصيف السابقة. ففي مجمع خانصور، نامت العائلات فوق أسطح منازلها كما اعتادت كل عام في ليلة عيد أربعينية الصيف، بعد ساعات امتلأت بالزيارات والضحكات ورائحة الخبز الساخن والشاي.

لكن تلك الليلة لم تكن هادئة تمامًا.

كان الخوف يتسلل إلى القلوب بصمت، فقد كانت أصوات قذائف الهاون التي تطلقها عناصر تنظيم داعش تسقط بين الحين والآخر على أطراف المجمعات الإيزيدية في جنوب سنجار، وكأنها إنذار أسود يسبق العاصفة. ولهذا وقف رجال خانصور على مداخل المجمع يتناوبون الحراسة، يحدقون في الظلام، ويحاولون إقناع أنفسهم بأن الفجر سيأتي دون أن يحمل معه الكارثة.

لكن القدر كان يخبئ شيئًا آخر.

مع بزوغ شمس الثالث من آب، بدأت الأخبار تتوارد تباعًا… القرى تسقط، والطرق تُقطع، والمسلحون يقتربون بسرعة مخيفة. ولم تمض ساعات حتى انهارت خطوط الدفاع، بعدما وجد أبناء سنجار أنفسهم في مواجهة قوة تفوقهم عددًا وعتادًا.

لم يبق أمام الناس سوى جبل سنجار.

ذلك الجبل الذي ظل عبر القرون الحضن الأخير للإيزيديين كلما اشتدت عليهم المحن. كانوا يقولون إن البشر قد يخونون، أما الجبل فلا يخون.

استطاعت عائلات كثيرة أن تصل إليه، بينما بقيت عائلات أخرى في خانصور، ظنًا منها أن الخطر لن يبلغ هذا الحد، وأن الأبرياء الذين لم يحملوا سلاحًا في وجه أحد لن يكونوا هدفًا للقتل.

كان ذلك الظن هو أكثر ما يؤلم الذاكرة اليوم.

في منتصف النهار، دخلت سيارات داعش إلى المجمع. لم تفرق الرصاصات بين طفل وشيخ أو امرأة ورجل. امتلأت الأزقة بالصراخ، وتحولت البيوت التي كانت قبل ساعات تعج بفرحة العيد إلى أماكن يكسوها الموت.

وسط ذلك الجحيم، كانت عائلة حسن مع عشرات الجيران محاصرين بين فوهات البنادق. جمعهم المسلحون في ساحة واحدة، وأحاطوا بهم من كل جانب. تعانقت الأمهات مع أطفالهن، وبدأ الشيوخ يتمتمون بالدعاء، بينما وقف الصغار مذهولين لا يفهمون لماذا أصبحت الحياة كلها تختصر في لحظات انتظار رصاصة.

كان الجميع يظن أن النهاية قد حانت.

ساد صمت ثقيل، ثم بدأ المسلحون يتلقون أوامر عبر أجهزة الاتصال. علت الوجوه علامات الارتباك، وتبادلوا كلمات خافتة لم يسمعها أحد، إلا شابًا كان يقف قريبًا منهم. التقط بعض العبارات، وفهم أن قوة قادمة من جهة سوريا تقترب بسرعة، وأن على عناصر التنظيم مغادرة المكان قبل وصولها.

وفجأة…

ركب المسلحون سياراتهم على عجل، وغادروا كما جاءوا، تاركين خلفهم أناسًا كانوا قبل لحظات ينتظرون الموت.

لم يكن أحد يصدق أنه ما زال حيًا.

كانت تلك القوة من مقاتلي ومقاتلات وحدات حماية الشعب ووحدات حماية المرأة القادمين من روج آفا، الذين خاطروا بحياتهم لفتح طريق نجاة للمدنيين. وبفضل تلك التضحية، كُتب لآلاف الإيزيديين أن ينجوا من مصير كان سيكون أشد قسوة.

غير أن النجاة لم تكن نهاية المأساة.

فقد خلف الهجوم آلاف القتلى والمفقودين والمختطفين، وسُبيت نساء، ويُتّم أطفال، وأُحرقت بيوت، وسُرقت قرى بأكملها، واضطر مئات الآلاف إلى ترك أرضهم واللجوء إلى إقليم كردستان، حيث عاش كثير منهم سنوات طويلة في مخيمات النزوح.

مرت الأعوام…

لكن الخيام بقيت، وحر الصيف ما زال يلسع الوجوه نفسها، وبرد الشتاء ما زال يتسلل إلى أجساد أنهكها الانتظار. وهناك، بين خيمة وأخرى، كبرت أجيال لم تعرف من طفولتها سوى الغبار والطين وصفوف المساعدات الإنسانية، بينما كانت ذكريات خانصور وسنجار تعيش في قلوبهم كحلم بعيد.

كلما جاء الثاني من آب، يعود الليل نفسه.

تعود الأسطح التي نام عليها الناس مطمئنين، وتعود ضحكات الأطفال التي انقطعت فجأة، وتعود الأمهات اللواتي خرجن يحملن أبناءهن ظنًا أن الطريق إلى الجبل لن يطول، فإذا به يتحول إلى طريق عمر كامل من الألم.

إن بعض المآسي لا تنتهي بانتهاء الرصاص، بل تبدأ بعد أن يسكت.

وتبقى سنجار شاهدة على أن الإنسان قد يفقد بيته، وماله، وأحبته، لكنه لا يفقد حقه في أن تُروى حكايته، وأن يبقى ذكر الضحايا أمانة في ذاكرة الأجيال، حتى لا تتكرر المأساة مرة أخرى.

الاشتراك
نبّهني عن
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

Most Popular