إذا كان الثالث من آب 2014 قد كشف حجم المأساة التي تعرض لها الإيزيديون ، فإنه كشف في الوقت نفسه حقيقة لا تقل أهمية ، وهي أن الخطر الوجودي لا يعترف بالانتماءات السياسية ولا يميز بين الأحزاب والاتجاهات. فقد استهدف تنظيم داعش المجتمع الإيزيدي بأكمله بسبب هويته الدينية ، دون أن يسأل الضحايا عن مواقفهم السياسية أو انتماءاتهم الحزبية أو الاجتماعية.
وهنا برزت الحقيقة التي أكدها التاريخ مرارا، وهي أن ما يجمع الإيزيديين أكبر بكثير مما يفرقهم. ففي لحظة الخطر، أصبح الجميع شركاء في المصير ، وأدركوا أن الدفاع عن الإنسان والأرض والهوية مسؤولية جماعية لا يمكن أن تنهض بها جهة واحدة أو حزب واحد.
ولكن مع كل ما حصل بشكل مفاجئ تقريبا ، فقد ولدت نماذج مشرقة من البطولة والتضحية من بين ركام المأساة. فقد حمل أبناء سنجار السلاح دفاعا عن أهلهم وقراهم ومقدساتهم ، وشاركوا في عمليات المقاومة والإنقاذ ، متجاوزين انتمائاتهم واختلافاتهم السياسية او الحزبية ومواقعهم التنظيمية فيها. ولم يكن الدافع وراء ذلك سوى الشعور بالمسؤولية التاريخية والانتماء المشترك إلى مجتمع يتعرض لخطر الإبادة الجماعية.
برز خلال تلك الأيام عدد كبير من الشخصيات التي كان لها دور مشهود في المقاومة والدفاع والإنقاذ ، من بينهم الابطال قاسم ششو، حيدر ششو ، الشهيد الشيخ خيري شيخ خدر، قاسم سمير ، قاسم دربو ، قاسم شفان إلى جانب عشرات القادة وآلاف المقاتلين المتطوعين من مختلف التوجهات والانحدارات العشائرية والمجتمعية ، فضلا عن العديد من رجال الدين والشباب الذين ساهموا في حماية المدنيين وإغاثتهم وتأمين طرق النجاة لهم. فقد أجمع الكل المستهدف على الهوية على حماية الوجود الإيزيدي من مشروع داعش لأبادتهم.
وكان من أبرز ما جسدته تلك المقاومة الحفاظ على جبل سنجار وتخومه المؤدية إلى قراهم ومجمعاتهم السكنية ، وقبلها حماية مزار شرف الدين الذي يمثل رمزا دينيا وتاريخيا عميقا لديهم ، ليصبح رمزا للمقاومة الايزيدية والصمود . ولم يكن الدفاع عنهما دفاعا عن مكان فحسب، بل عن هوية وذاكرة وحق في البقاء على الأرض التي عاش عليها الأجداد عبر قرون طويلة ، وقدمت المقاومة الايزيدية هذه عشرات الشهداء في مقدمتهم قائد أحد تشكيلاتها الشهيد الشيخ خيري شيخ خدر.
لقد أثبتت تجربة سنجار أن القوة الحقيقية للمجتمعات لا تنبع من كثرة الأحزاب أو تعدد الولاءات ، بقدر ما تنبع من قدرتها على توحيد إرادتها عندما تتعرض ثوابتها الكبرى للخطر. فحين وجد الجميع بأن وجودهم مهدد ، تراجعت الاختلافات السياسية ، وظهرت مبادرات شعبية للتعاون والإسناد والمقاومة ، شارك فيها أبناء المجتمع بمختلف انحداراتهم في صورة أكدت أن الإرادة المشتركة قادرة على تجاوز أشد المحن.
بعد انتهاء المعارك مع داعش وتحرير ارض سنجار وبقية المناطق العراقية بتعاون القوى الامنية والعسكرية العراقية كافة من جيش وبيشمركة وحشد شعبي و تشكيلات المقاومة الايزيدية المشار لها والتي كان لها الدور الكبير في تحرير سنجار.
أن المفارقة المؤلمة بعد تحرير سنجار ، تكمن في أن هذا التضامن الاستثنائي لم يتحول ، إلى مشروع دائم لبناء وحدة مجتمعية سنجارية راسخة. فما تزال الساحة الإيزيدية تعاني من تباين الرؤى وتعدد المشاريع السياسية ، في وقت تتزايد فيه التحديات الأمنية والديموغرافية والاقتصادية، وتتطلب قدرا أكبر من التنسيق والعمل المشترك.
ومن هنا، فإن المطلوب ليس إلغاء التعددية السياسية ، فهي ظاهرة طبيعية في المجتمعات الديمقراطية ، بل الاتفاق على الثوابت التي ينبغي أن تبقى فوق كل خلاف. وفي مقدمة هذه الثوابت حماية الوجود الإيزيدي وصيانة الأرض ومنع التغيير الديموغرافي وتأمين عودة النازحين ، وإعمار المناطق المدمرة ، والحفاظ على الهوية الدينية والثقافية ، وضمان مستقبل الأجيال القادمة وقبل كل هذا العمل على تحرير المختطفين والمختطفات من ايادي داعش.
إن هذه القضايا ليست برامج انتخابية قابلة للاختلاف ، بل هي أسس وجودية لا يجوز أن تكون محل تنافس أو مساومة ، لأنها تمثل القاسم المشترك الذي تتوقف عليه مصلحة المجتمع بأسره.
إن الدرس الأعمق الذي قدمته سنجار لا يقتصر على كشف حجم المأساة ، بل يتمثل في إثبات أن وحدة الإرادة هي الضمانة الأولى لصمود المجتمعات الصغيرة التي واجهت عبر تاريخها محاولات الإلغاء والإبادة. وكلما ازدادت قدرتها على بناء مؤسسات جامعة وتعزيز الثقة بين مكوناتها ، وتقديم المصلحة العامة على المصالح الفئوية ، ازدادت قدرتها على حماية حاضرها وصناعة مستقبلها.
لقد أثبت التاريخ أن الإيزيديين كانوا أقوى عندما توحدوا في مواجهة الأخطار، وسيكونون أكثر قدرة على بناء مستقبل آمن ومستقر إذا استطاعوا تحويل روح التضامن التي ولدتها حملة داعش الإبادة إلى مشروع دائم للوحدة والتعاون والعمل المشترك ، ذلك ان المجتمعات التي تتعلم من آلامها هي وحدها القادرة على صناعة مستقبل يليق بتضحيات أبنائها.
إن استذكار الإبادة الجماعية لا ينبغي أن يبقى فعلا رمزيا يتكرر في المناسبات السنوية ، بل يجب أن يتحول إلى مراجعة وطنية ومجتمعية صادقة ، مراجعة تستخلص الدروس وتعيد ترتيب الأولويات وتؤسس لرؤية مشتركة تمنع تكرار المآسي.
ومن هذا السياق ، جاءت المبادرة التي حملت شعار : نعم للوحدة الإيزيدية ، والتي عقدت في نهاية شهر مايس الماضي برعاية منظمة جسر الشباب ، لتبعث برسالة إيجابية تعكس إدراكا متزايدا بأن مستقبل المجتمع الإيزيدي لا يمكن أن يبنى في ظل استمرار الانقسام. فقد جمعت الجلسة الحوارية قيادات وأحزابا مختلفة وشخصيات ايزيدية سياسية ومجتمعية وشبابية مستقلة إلى جانب أعضاء ايزيديين في مجلس النواب العراقي ومجلس محافظة نينوى. ونوقشت في هذه المبادرة ، التحديات التي تواجه المجتمع الإيزيدي ، مؤكدة أهمية بناء الثقة وتعزيز الحوار وتوحيد الجهود في القضايا المصيرية.
ورغم أن مثل هذه المبادرات لا تكفي وحدها لمعالجة تراكمات سنوات طويلة من الخلافات في الرؤى ، فإنها تمثل خطوة في الاتجاه الصحيح ، لأنها تنطلق من الاعتراف بأن الحوار هو السبيل الأقصر إلى بناء الثقة ، وأن الاتفاق على المشتركات أكثر أهمية من تضخيم نقاط الاختلاف.
إن المجتمع الإيزيدي ليس بحاجة إلى إلغاء تعدديته السياسية ، بل إلى بناء مرجعية مجتمعية جامعة ، تستطيع أن توحد المواقف تجاه القضايا التي تمس وجوده ومستقبله ، مع احترام استقلالية كل طرف في خياراته السياسية. فالتنوع يمكن أن يكون مصدر قوة إذا أحسن تنظيمه ، لكنه يتحول إلى مصدر ضعف عندما ينعكس على الثوابت التي يفترض أن تجمع الجميع.
ولعل من أهم هذه الثوابت حماية الأرض الإيزيدية من أي تغيير ديموغرافي ، وتأمين عودة النازحين إلى مناطقهم ، وإعادة إعمار المدن والقرى المدمرة ، وصيانة الهوية الدينية والثقافية ، وضمان أمن المجتمع واستقراره ، وتعزيز تمثيله السياسي بما ينسجم مع حجمه ودوره التاريخي في العراق.
ومن هنا، فإن نجاح أي ممثل او مسؤول إيزيدي لا ينبغي أن يقاس على مجرد وصوله إلى البرلمان أو شغله منصبا سياسيا ، وإنما بقدرته على الدفاع عن هذه الثوابت مع غيرها من الثوابت العامة ، والعمل على تحويلها إلى سياسات وقرارات ومشروعات تخدم المجتمع كله.
إن المقاعد البرلمانية ، على أهميتها، ليست غاية بحد ذاتها بل وسيلة لحماية الحقوق. أما إذا فقد المجتمع أرضه أو تعرض لتغيير ديموغرافي يهدد وجوده ، فإن أي تمثيل سياسي مهما اتسع لن يكون قادرا على تعويض تلك الخسارة. فالأرض ليست مجرد مساحة جغرافية بل هي الوعاء الذي يحتضن التاريخ والهوية والذاكرة الجماعية ، ومنها تستمد الأجيال الجديدة شعورها بالانتماء والاستمرار.
كلمة اخيرة:
لقد اثبتت تجارب سنجار أن المجتمعات الصغيرة لا تملك ترف الانقسام عندما تواجه أخطارا وجودية. واثبتت ايضا أن الخطر لا يسأل عن او يفرق بين الانتماء لهذا الحزب أو ذاك ، ولا بين هذا الاتجاه أو غيره، وإنما يستهدف المجتمع بأسره الذي يكون وجوده وهويته موضع استهداف.
هكذا فأن الإرادة الجماعية عندما تتوحد ، تصبح قادرة على صنع ما يبدو مستحيلا ، وأن أبناء المجتمع مهما اختلفت مواقعهم وانتماءاتهم يستطيعون أن يقفوا في خندق واحد عندما يدركون أن ما يجمعهم أكبر من كل ما يفرقهم.
ومن هنا، فإن الرسالة التي ينبغي أن تبقى حاضرة في الذكرى الثانية عشرة للإبادة الجماعية في سنجار هي أن مستقبل الإيزيديين تصنعه إرادة جماعية تؤمن بأن حماية الإنسان والأرض والهوية مسؤولية مشتركة ، وأن وحدة الصف ليست شعارا يرفع في المناسبات ، بل مشروع دائم يترجم إلى مواقف ومؤسسات وشراكات عملية.
لقد أثبت التاريخ أن الإيزيديين كانوا أكثر قوة عندما توحدوا ، وأكثر قدرة على تجاوز المحن عندما قدموا المصلحة العامة على المصالح الضيقة. وسيظل هذا الدرس صالحا لكل زمان، لأن المجتمعات التي تحسن قراءة تاريخها وتتعلم من آلامها هي الأقدر على صناعة مستقبل أكثر أمنا وعدلا وكرامة.
إن سنجار لا تحتاج اليوم إلى مزيد من الخطابات بقدر ما تحتاج إلى مشروع وطني ومجتمعي جامع ، يعيد بناء الإنسان قبل الحجر، ويجعل من وحدة الإرادة أساسا لكل خطوة نحو المستقبل. فحين تتوحد الإرادة يقوى المجتمع وتصان حقوقه ويغدو الماضي ، مهما كان مؤلما ، منارة تهدي الطريق إلى غد أكثر أمنا واستقرارا.

