لم يكن ما ارتكبه تنظيم داعش في سنجار سلسلة من الانتهاكات المنفصلة ، بل كان مشروعا ارهابيا منظما للإبادة الجماعية ، استهدف الإنسان الايزيدي في ماضيه وحاضره ومستقبله. وإذا كان قتل الرجال يهدف إلى كسر إرادة المجتمع ، فإن اختطاف الأطفال مع امهاتهم كان يرمي إلى اقتلاع جذور هذا المجتمع ومحو ذاكرته وتفكيك بنيته الأسرية وإلغاء هويته الدينية والثقافية.
تعتبر الأسرة الحصن الأول الذي تتشكل فيه شخصية الإنسان ، ومنها يتعلم الطفل لغته وقيمه وانتمائه وحبه للحياة. ولذلك أدركت الجماعات المتطرفة أن تدمير المجتمع يبدأ من تدمير الأسرة ، وأن القضاء على شعب لا يتحقق بالسلاح وحده ، بل أيضا بتفكيك الاسرة عبر حرمان وإبعاد الأطفال من آبائهم بقتلهم امام اعينهم ، وانتزاعهم من ايادي أمهاتهم باختطاف الأم وتحويلها إلى سبية بعرفهم تساق وفقه إلى اسواق النخاسة والعبودية ، ليقاد الطفل بعدهم إلى مصير اسود وعيون بعيد عن والديه وتاريخه وموطنه بل عن اسمه الاصلي وما تربى عليه في معتقده عبر عمليات غسل لدماغه يمحون كل اثر لذلك عنده ويعدونه وفق مخططاتهم إلى كائن مبرمج للبيع والعبودية وموهل للقيام بعمليات انتحارية موجهة عن بعد ومخطط لها للنيل من حياة آخرين معه والرياء مثله.
كان اختيار الأطفال وامهاتهم ، لأنهما يمثلان استمرارية الحياة. فالأم هي المدرسة الأولى التي تمنح أبناءها الحنان والهوية ، والطفل هو الامتداد الطبيعي لذاكرة المجتمع ومستقبله. وحين تستهدف الأم في كرامتها ويستهدف الطفل في براءته ، فإن الجريمة تتجاوز حدود القتل ، لتصبح محاولة لاغتيال المستقبل نفسه.
لقد حول تنظيم داعش النساء الإيزيديات إلى سلع تباع وتشترى في أسواق النخاسة ، في مشهد أعاد إلى الأذهان صفحات سوداء ظن العالم أنها طويت إلى الأبد منذ ان اعلن الرئيس الاميركي ابراهيم لنكولن إلغاء الرق والعبودية عند إصداره إعلان تحرير العبيد في الاول من كانون الثاني من عام 1863، خلال الحرب الأهلية الأمريكية. ولم يكن الهدف من سبي النساء الايزيديات واطفالهن هو فقط لإشباع نزعات إجرامية فحسب ، بل كان كما اشرت جزءا من سياسة ممنهجة لإذلال الضحايا وتحطيم الروابط الأسرية وإشعار المجتمع كله بالعجز والانكسار لتسهيل تطويعه لإرادتهم ومخططاتهم.
لقد كان الاطفال الضحية الأكثر هشاشة ، بعضهم عاش رعب مقتل والديه أمام عينيه ، وبعضهم انتزع من حضن والدته بالقوة وآخرون وجدوا أنفسهم فجأة مختطفين إلى عالم غريب لا يعرف الضمير والرحمة ، بعد أن فقدوا البيت ومسقط الراس والمدرسة والأصدقاء وكل ما يمنح الطفولة معناها. وأجبر كل منهم بعد اختطافه على تغيير اسمه ودينه ، وتعرض كما اشرت لبرامج تلقين متطرفة وتدريبات عسكرية صارمة على طفولته ، في محاولة لتحويله إلى أداة في خدمة فكرهم المتطرف.
إن أخطر ما في هذه الجريمة ، يكمن في انها لم تكن تستهدف الجسد وحده ، بل كانت تستهدف الوعي والذاكرة. فالطفل الذي يكبر بعيدا عن أسرته و يحرم من لغته وثقافته ومعتقد اسرته ، يعيش صراعا داخليا ورعبا متواصل قد يرافقه سنوات طويلة او طوال عمره ، حتى بعد نجاته وعودته إلى مجتمعه. لذلك فإن آثار الإبادة الجماعية لا تنتهي بتحرير المختطفين ، بل تستمر طويلا في نفوسهم وتحتاج إلى سنوات من الرعاية النفسية والاجتماعية والتعليمية حتى يستعيدوا إحساسهم بالأمان والانتماء.
ولم تكن الأم الإيزيدية تواجه فقدان حريتها فقط ، بل كانت تواجه أشد أنواع الألم قسوة، حين تنتزع منها فلذات أكبادها. وما من وجع يفوق أن تسمع الأم بكاء طفلها وهي عاجزة عن احتضانه ، أو أن يعيش الطفل وهو لا يعرف أين أمه ، أو إن كانت ما تزال على قيد الحياة ام لا. لقد كان الفراق القسري واحدا من أكثر الأسلحة وحشية التي استخدمها نظيم داعش ، لأنه يترك جراحا لا ترى بالعين ، لكنها تبقى نازفة في أعماق الروح.
ولذلك فإن مأساة سنجار ليست قصة منطقة جغرافية احتلت، ولا مجتمع نزح من أرضه فحسب ، بل هي قصة آلاف الأطفال الذين سرقت منهم طفولتهم قبل أن يتعلموا معنى الحياة ، وقصة آلاف الأمهات اللواتي حملن في قلوبهن جراحا لا يندمل أثرها بمرور الزمن. إنها قصة إنسان حرم من أبسط حقوقه وهو أن يعيش بين أهله آمنا على نفسه وأسرته وهويته.
وفق علم النفس ، فإن الطفل الذي يتعرض للحروب والتهجير وفقدان أحد والديه أو كليهما ومعهم بقية افراد اسرته سيحمل آثار تلك الصدمات وما رافقها من رعب سنوات طويلة ، وقد تظهر في صورة قلق مزمن أو اكتئاب أو اضطرابات في النوم أو صعوبة في بناء الثقة بالآخرين. أما إذا اقترنت تلك الصدمات بالاختطاف والتعذيب ومحاولات محو الهوية ، فإن آثارها تصبح أكثر عمقا ، وتحتاج إلى برامج طويلة للتأهيل والدعم النفسي والاجتماعي.
ومن هنا فإن مسؤولية الحكومة و المجتمع المحلي والدولي لا تنتهي بتحرير المختطفين ، بل تبدأ بعد ذلك ، ولكن لا يزال ذلك بعيدا عن ارض الواقع ، في وقت لا يزال اكثر من 1615 مفقودا و 270000 نازحا في إقليم كردستان وان عدد الضحايا الكلي 7259 وفق آخر إحصائية نشرها الباحث داؤد مراد ختاري مؤخرا في 30 تموز 2026 على الرابط:
https://www.facebook.com/share/p/1BYLeE1CPh/
إن إعادة بناء الإنسان أصعب من إعادة بناء الحجر، وترميم ذاكرة الطفل يحتاج إلى سنوات من الرعاية ، كما أن إعادة الأمل إلى قلب أم فقدت ولا تعرف مصيرهم و معالجة الحالة النفسية لناحية تحررت باعجوبة بعد سنوات عاشتها بكل يوم بعذاب وقسوة وانتهاك وكرامتها ، لا تتحقق بقرار سياسي أو بتعويض مالي ، بل تحتاج إلى عدالة حقيقية ومعالجة جدية وإلى اعتراف صادق ، وإلى جهد إنساني طويل يعيد للضحايا شعورهم بأن العالم وقبله دولتهم لم يتخل عنهم.
إن الأمم تقاس أيضا بقدرتها على حماية أطفالها ، لأن الطفولة ليست مرحلة عمرية فحسب ، بل هي الضمانة الأخلاقية لاستمرار الحضارة. وحين تتحول الطفولة إلى هدف للحرب او الغزو والاختطاف ، فإن الإنسانية كلها تكون هي الضحية، مهما اختلفت الأديان أو القوميات أو الحدود.
ولهذا فإن ما جرى في سنجار ينبغي ألا يقرأ بوصفه مأساة إيزيدية فقط ، بل باعتباره إنذارا موجها إلى البشرية كلها. فحين يسمح للارهاب والكراهية بأن تنتصر، و للإفلات من العقاب بأن يستمر، تصبح كل طفولة في العالم معرضة للخطر، ويصبح السلام العالمي نفسه مهددا.
ومن بين آلاف القصص التي حملتها تلك المأساة، تبقى بعض الشهادات عصية على النسيان ، لأنها لا تنقل إلينا أرقاما وإحصاءات ، بل تنقل إلينا صوت الإنسان وهو يستغيث ودمعة الأم وهي تحتضر، ونظرة الطفل وهو يبحث عن حضن أمه بين ركام الحرب. وفي الاجزاء التالية من المقال سنقف أمام قصص مأساوية لم يتم اختيارها كحالات استثناء من مآسي الإبادة ، يوم الثالث من آب 2014 ، بل هي نماذج تختصر وجع آلاف الضحايا الايزيديون الذين ما زالوا ينتظرون أن تتحول ذكرى هذه المآسي إلى عدالة ، وأن يصبح الاعتراف بالابادة وإنصاف الضحايا ومحاسبة كل المسؤولين عن ذلك واقعا بالفعل لا بالوعود والكلمات.

