Homeاراءحين تحولت الطفولة في سنجار إلى هدف للإبادة الجماعية على أساس الهوية...

حين تحولت الطفولة في سنجار إلى هدف للإبادة الجماعية على أساس الهوية الدينية ج2 : ب. د. خالد محمود خدر

ب. د. خالد محمود خدر

يأتي هذا الجزء بمثابة شهادة على اغتيال الأمومة… حين ماتت أم عطشا على سفوح جبل سنجار ، وبقي رضيعها يبحث عن الحياة. 

ليست كل المآسي تقاس بعدد ضحاياها فقط ، فهناك مشاهد منها تختصر مأساة شعب بأكمله ، وتصبح مع مرور الزمن وثيقة أخلاقية تدين الجريمة أكثر مما تدينها  التحقيقات والاعترافات والمحاكم والتقارير الرسمية. ومن بين آلاف القصص التي خرجت من سنجار في سفر اللجوء إلى الجبل هربا من جحيم داعش ، قصة تلك الأم الإيزيدية التي فارقت الحياة عطشا ، بينما ظل رضيعها متشبثا بصدرها ، في مشهد يعد من أكثر المشاهد الماساوية  إيلاما في ذاكرة الإبادة الجماعية للايزيديين التي وقعت في الثالث  من آب  عام 2014.

إنها ليست مجرد قصة مأساة واقعية تروى فحسب ، بل شهادة إنسانية موثقة ، يتناقلها أبناء سنجار الذين عاشوا تلك الأيام السوداء ، وظلت محفورة في ذاكرتهم وضمائرهم ، لأنها جسدت لحظة انهزمت فيها الإنسانية أمام العطش ، ووقف الإنسان عاجزا أمام مأساة  ما كانت لتقع لو حضرت المسؤولية الإنسانية والعالمية وانتصرت القيم الإنسانية وتحركت قواها الكبرى التي تمثل الإرادة والضمير العالمي  لتمنع واقعا قوى الإرهاب الداعشي وتكبح جماحها ، قبل أن تتمكن  من الامتداد و الانقضاض على مكون ديني صغير ، وتجعل من معاناة الأبرياء وصمة عار في جبين الإنسانية.

في مقطع مصور نشره مؤخرا  السيد مراد خلف الخالتي على صفحته في موقع التواصل الاجتماعي (الفيسبوك) ، يروي أحد الناجين من أبناء المكون الإيزيدي تفاصيل مشهد يطارده  حتى  اليوم  رغم مرور سنوات طويلة  على حملة داعش لإبادة الايزيديين. كان الرجل واحدا من مئات الآلاف الذين لجؤوا إلى جبل سنجار هربا من بطش وإرهاب الدواعش ، بعد أن اجتاح قراهم ومدنهم ومجمعاتهم ، منفذا لمشروع إبادة جماعية على الهوية الدينية ، لم يفرق بين طفل وشيخ ولا بين امرأة ورجل.

في ذلك اليوم الأسود الثالث من آب ، وبينما كان جميع  الفارين من بطش الدواعش إلى جبل سنجار يصارعون الإرهاب و العطش والجوع والإرهاق ، سمع ذلك الرجل  صوت طفل صغير يشق سكون الجبل ، يركض نحوه مسرعا وهو يبكي ويصرخ بكل ما بقي في صدره من قوة ومن لسانه من قدرة على الكلام  مستغيثا :

أمي تموت من العطش… أرجوك أنقذها.

لم يكن ذلك النداء مجرد كلمات يستنجد بها اقرب رجل إليه ، بل كان استغاثة طفولة تستنجد بالإنسانية كلها.

يقول الرجل إنه حمل وعاء ماء مسرعا ، واندفع بكل ما أوتي من قوة نحو المكان الذي أشار إليه الطفل. كان يمني نفسه بأن يصل قبل فوات الأوان ، وأن تكون قطرة ماء واحدة كافية لإنقاذ أم أنهكها العطش وهي تتسلق الجبل في ذلك اليوم من شهر آب اللهاب.

لكن الموت كان أسرع. وصل إليها ، فإذا بها قد أسلمت الروح ، بعدما استنفدت ما بقي في جسدها من قوة وهي تحاول أن تبقي طفلها الثاني الرضيع على قيد الحياة.

أما الرضيع ، فلم يكن يدرك أن الموت قد سبقه إلى أمه. ظل ملتصقا بصدرها ، يبحث بفطرته البريئة عن الحليب ، غير مدرك أن الثدي الذي كان يمنحه الحياة قد توقف قلب صاحبته عن النبض بسبب العطش.

أي مشهد يمكن أن يكون أكثر قسوة من منظر طفل يحاول أن يرتشف الحياة من جسد أم فارقت الحياة بسبب العطش والارهاب  الذي عاشته وهي تهرب من جحيم داعش.

وأي غزو هذا الذي  يجعل الرضاعة ، وهي أقدس صور الرحمة بين الأم وولدها ، تتحول إلى شهادة دامغة ومروعة على هول الجريمة؟

لقد خرجت تلك الأم من بيتها متسلقة الجبل بسبب مطاردة داعش لها على هويتها الدينية مثل آلاف الأمهات ، تبحث عن طريق يقود إلى نجاة اطفالها من الدواعش ، وكان ذلك الطريق بحساباتها الفطرية جبل سنجار صديق اهلها الوحيد ، لكن الطريق تحول إلى امتحان يفوق قدرة البشر على الاحتمال. فلا ماء ولا غذاء  ولا دواء ولا ممر آمن  و لا مأوى ، ليفترشوا الأرض نهارا ويلتحفوا السماء ليلا  ، بينما كانت درجة حرارة  تلك الايام تحرق الأجساد المنهكة والقلوب الضامئة على سفوح الجبل وقممه ، في وقت يلاحقهمى ويتربص لهم الدواعش في الطرق المؤدية إليه  بعد ان أدلهم إليها وشاركهم العدوان  الكثير من ابناء العشائر المجاورة.

لم تفارق تلك الأم  الحياة لأنها عجزت عن مقاومة العطش وحده ، بل لأنها وجدت نفسها وأسرتها في قلب كارثة إنسانية صنعتها الكراهية والتطرف ، في وقت ترك بلدها بل والعالم بدوله العظمى  هذه الكارثة تتفاقم في تلك الظروف الميدانية والمناخية الصعبة ، قبل أن تصل المساعدات الإنسانية متاخرة بحدود اسبوعين وتنقذ من بقي على قيد الحياة.

ويتابع الرجل شهادته في المشهد المصور ، لكن الكلمات كانت تخونه من هول الموقف ، فيتوقف أكثر من مرة بعد ان تغلبته دموعه وهو يستعيد تفاصيل ذلك الحدث. لم يكن يبكي على امرأة واحدة ، بل كان يبكي آلاف الأمهات اللواتي وجدن أنفسهن أمام الاختيار المستحيل: كيف تحمين أبناءك حين يصبح الموت يحيط بك من كل جانب؟

لقد وقف رجال كثيرون يومها عاجزين أمام معاناة أمهاتهم وزوجاتهم وأطفالهم ، لا لأنهم تخلوا عن مسؤولياتهم ، بل لأن الجميع كانوا أسرى الكارثة نفسها. فحين يجتمع العطش والإرهاب في مكان واحد ، يصبح الإنسان عاجزا حتى عن إنقاذ أقرب الناس إليه بل عن إنقاذ نفسه.

ولم تكن تلك الأم استثناء من بين ضحايا سنجار، بل كانت واحدة من بين آلاف النساء اللواتي دفعن ثمن تمسكهن بالحياة و أطفالهن. وبعضهن استشهدن أثناء اقتحام داعش قراهم ومجمعاتهم السكنيه ، وبعضهن الآخر في توقيت رعبا و عطشا وهن في طريقهم في سفر النزوح  ، وأخريات كثيرات بلغن اكثر من سبعة آلاف اختطفن  وهن في دورهن  او في الطريق الى الجبل ليتم اختطافهن . اما من تمكن من الخلاص بالوصول إلى مخيمات النزوح ،  فلا زلت منذ سنوات طويلة يبحثن عن أطفالهن واولادهم  الذين انتزعوا من بين أيديهن بالقوة او عن جثث رجالهن الذين اعتقلوا امام اعينهن عندما رفضوا تغيير معتقدهم ليقتلوا على الهوية.

ولعل أكثر ما يجعل هذه القصة موجعة اكثر ، أنها لا تروي تفاصيل لحظات  موت أم فحسب ، بل تروي انتصار غريزة الأمومة حتى اللحظة الأخيرة. فهذه المرأة لم تتخل عن طفلها الرضيع ، ولم تفكر في النجاة بنفسها ، بل بقيت تحتضنه حتى آخر نفس ، وكأنها كانت تحاول أن تمنحه ما بقي لديها من حياة قبل أن تغادر الدنيا.

إن الأمومة في سنجار لم تهزم ، وإن سقطت آلاف الأمهات تحت قسوة العطش والارهاب والاختطاف  ، بل بقيت الامومة حية في ذلك الحضن الأخير، وفي تلك الذراعين اللتين ظلتا تطوقان الطفل حتى بعد أن توقف القلب عن النبض. أما الذي هزم حقا فهو كل فكر ارهابي حوًل يحوٍل المرأة إلى هدف ، والطفل إلى ضحية ، والأم إلى رقم في قوائم الموت.

لقد كانت داعش تعلن ، من خلال جرائم الإبادة هذه ، حربها على الحياة نفسها. فهي لم تكتف بقتل الإنسان ، بل حاولت قتل المعاني التي يقوم عليها الوجود الإنساني: الرحمة والأمومة والطفولة والأسرة. ولذلك فإن ضحايا سنجار لم يكونوا ضحايا رصاص فحسب ، بل ضحايا مشروع ارهابي  أراد أن يقتلع الإنسان من إنسانيته.

إن هذه القصة المتساوية الواقعية ، لا ينبغي أن تروى لإحياء الحزن وتجديده ولا لإثارة الشفقة ، وإنما لتبقى شاهدا على أن الإبادة الجماعية ليست مفهوما قانونيا مجردا، بل هي وجوه وأسماء رجال وأمهات وفتيات وأطفال ، لكل واحد منهم حياة طبيعية كانت بانتظاره  ، وكان يستحق أن يعيشها.

ولعل ذلك الطفل ، الذي كان يصرخ مستنجدا لإنقاذ أمه ، لم يكن يعلم أن صوته لن يبقى حبيس سفوح جبل سنجار، بل سيظل يتردد في ضمير كل إنسان يؤمن بأن حماية الأطفال والأمهات ليست واجبا إنسانيا فحسب، بل هي المعيار الحقيقي الذي تقاس به حضارة الأمم والشعوب ، وأن العدالة لا تكتمل إلا حين ينال كل من ارتكب هذه الجرائم جزاءه ، ويشعر الضحايا بأن العالم لم ينس آلامهم ، ولم يسمح بأن تتحول مأساتهم إلى صفحة تطويها السنين.  

الملحق:

رابط الفيديو الذي نشره السيد مراد الخالتي عن الطفل الذي استنجد بأحد الرجال على جبل سنجار لإنقاذ والدته التي كانت تصارع الموت عطشا أثناء الهروب من جحيم داعش.

https://www.facebook.com/share/p/1DFVsnmnmn/

 

الاشتراك
نبّهني عن
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

Most Popular