Homeاراءحين تحولت الطفولة في سنجار إلى هدف للإبادة الجماعية على أساس الهوية...

حين تحولت الطفولة في سنجار إلى هدف للإبادة الجماعية على أساس الهوية الدينية ج 3: ب. د. خالد محمود خدر

في هذا الجزء سيتم تناول أثر مائتان و خمسون جلدة داعشية لطفل سنجاري مختطف أصر أن يحتفظ بهاتف نقال بسيط  (موبايل) ليضمن سماع صوت أمه المختطفة السبية التي ابعدت عنه بصفقات النخاسين.

إذا كانت الابادة الجماعية تعني القضاء على الإنسان ، فإن داعش لم يرد قتل الانسان الايزيدي وحده ، بل أراد قتل ذاكرته وطمس هويته وتفكيك أسرته ، ليولد جيلا مقطوع الجذور لا يعرف إلا الفكر الذي فرض عليه بالقوة. ومن هنا لم يكن استهداف العلاقة بين الطفل وأمه عملا عارضا ، بل جزءا من مشروع الإبادة ذاته. 

من بين آلاف الأطفال الذين اختطفهم تنظيم داعش ، تبرز شهادات يصعب على العقل استيعابها ، لأنها تكشف أن الجريمة لم تكن موجهة إلى أجساد الأطفال وحدها ، بل إلى مشاعرهم وذاكرتهم وأملهم بالحياة. ومن تلك الشهادات، تبقى قصة ذلك الطفل الايزيدي الذي تحمّل مائتين وخمسين جلدة داعشية ، وهو يرفض أن يكشف مكان هاتف نقال صغير احتفظ به. 

انها واحدة من أكثر القصص دلالة على أن الحب قد يكون أقوى من التعذيب ، وأن الطفل قد يصبح رغم صغر سنه أكثر صلابة من جلاده.

ولكن قبلها اشير إلى انه ، اذا كان الهاتف النقال بالنسبة لعناصر داعش مجرد جهاز اتصال بسيط من نوع قديم  يبحثون عنه. أما بالنسبة لذلك الطفل ، فلم يكن هكذا مجرد جهاز او وسيلة للاتصال ، بل كان آخر ما بقي له من عالمه الذي سلب منه ، بعد ان اختطفوه من احضان اسرته واهله   و مسقط رأسه ، ثم ابعدوه بعد الأسر عن امه المختطفة التي اقتادها الدواعش إلى مكان آخر فيه بالتأكيد مصير اسود قرره من يحسبون على البشر. 

نعم ، كان الهاتف النقال لذلك الطفل نافذته الوحيدة إلى أمه والجسر الأخير الذي يربطه بصوتها بكل معانيه ، وبالبيت الذي هدم بكل ما فيه من ملامح ذكريات طفولته على صغره ، وغيرها من ما يتعلق بكل معاني الحياة التي اختطفت منه.

بعد اجتياح سنجار، وقع الطفل ووالدته في قبضة الإرهابيين الدواعش. ولم تمض فترة طويلة حتى فرقوا  بينهما، كما فرقوا بين آلاف الأمهات وأطفالهن. لم يكن الطفل يفهم لماذا أخذوا أمه بعيدا عنه ولا إلى أين اقتيدت عنوة ، لكنه كان يدرك أن هناك شيئا واحدا فقط ما زال يمنحه الأمل ، يتمثل  بأن يسمع صوتها مرة أخرى.

كان يحتفظ بالهاتف النقال كما يحتفظ الإنسان بقلبه. وكلما اشتدت عليه وحشة الأسر والاختطاف ، كان ينظر إليه وكأنه ينظر إلى باب قد يفتح يوما ليعيد إليه أمه. لذلك ، حين طالبه خاطفوه الداعشيين بأن يخبرهم أين أخفاه ، لم ير في الأمر مجرد سؤال عن هاتف عرفوا بوجوده عنده بطريقة ما ، بل رأى على طفولته في ذلك السؤال محاولة لانتزاع آخر ما تبقى له من أمل.

اما الطفل ، فبعد ان رفض أن يدلهم على مكان الهاتف ، انهال الدواعش عليه بالضرب والجلد. لم يكتفوا بجلدة أو عشر جلدات ، بل عاقبوه بمائتين وخمسين جلدة (وهو عدد لا يتحمله رجلا بالغا من جلاد احترف التعذيب بعد ان ابتعد تماما عن إنسانيته) ظنا منهم أن الألم سيكسر إرادته  وأن جسده الصغير لن يحتمل او يتحمل  هذا العذاب. لكن ما لم يدركه الدواعش أن الطفل لم يكن يدافع عن هاتف ولا عن نفسه ، بل كان يدافع عن أمه.

كان يعرف أن كلمة واحدة منه  قد تضع حدا لعذابه ، لكنه كان يعرف أيضا أن تلك الكلمة قد تحرمه إلى الأبد من سماع الصوت الذي كان يطمئن قلبه كلما اشتد عليه الخوف واليأس ويزداد امله بان تعود له ويعودا سوية الى دارهم وديارهم.

في ليالي الأسر والاختطاف الطويلة ، لم يكن الطفل  يحلم بالألعاب التي حرم منها  ولا بثياب جديدة ولا حتى بطعام يليق بطفولة انسان. كان يحلم فقط بأن يسمع تلك العبارة التي كانت أمه ترددها على مسامعه كل مساء قبل أن ينام: 

نم يا روحي… أنا معك.

أي قوة يملكها صوت الأم حتى يصبح بالنسبة لطفل معذب أثمن من سلامة جسده؟. 

وأي وحشية تلك التي تجعل جلادا يجلد طفلا لأنه يتمسك بآخر خيط يربطه بأمه؟

إن هذه القصة تكشف وجها آخر من وجوه الإبادة الجماعية. فالإبادة لا تبدأ بإطلاق الرصاص ، ولا تنتهي عند المقابر الجماعية بل تمتد إلى محاولة تحطيم الروابط العاطفية التي تمنح الإنسان قدرته على الصمود. 

لقد أدرك داعش أن الأم ليست مجرد فرد في الأسرة ، بل هي ذاكرة الطفل ومصدر شعوره بالأمان ، ولذلك عمل على تمزيق تلك العلاقة ، لأنه كان يريد صناعة جيل مقطوع الجذور، فاقد الهوية لا يعرف إلا الفكر الذي يريد فرضه عليه بعد ان يغسلوا ودماغه ويملئوه بافكارهم واوهامهم القاتله للطفوله وكل معاني الحياة.

وفق دراسات علم النفس ، يعد فصل الطفل قسرا عن والدته ولا سيما في ظروف الغزوات و الحروب والعنف ، من أشد الصدمات التي يمكن أن يتعرض لها الإنسان في طفولته. فالطفل لا يفقد شخصا يحبه فحسب ، بل يفقد الإحساس بالأمان الذي تتأسس عليه شخصيته كلها. ولهذا فإن كثيرا من الأطفال الناجين من الإبادة ظلوا حتى بعد تحريرهم يعانون من القلق المزمن والكوابيس والخوف من الفراق وصعوبة الثقة بالآخرين.

لم يكن ذلك الطفل حالة منفردة ، فمئات الأطفال الإيزيديين أجبروا على تغيير أسمائهم ومعتقدهم  ، وعاشوا التجربة نفسها وإن اختلفت تفاصيلها: منهم من حرم من والديه إلى الابد ، ومنهم من استشهد وهو في منامه او مهده يوم ان اقتحم الدواعش دار اسرته واطلقوا الرصاص على الكل  ، ومنهم من جند على طفولتهم  بعد اسره ، في معسكرات داعش للتدريب على السلاح  بغية إعدادهم للغزوات والعمليات الانتحارية ، ومنهم من فقد القدرة على الكلام من شدة الصدمة ، وآخرون عادوا لاهلهم بعد  سنين  ، دفع من اجل ذلك  من تبقى من اهلهم ومعونة الخيرين مبالغ كبيرة  لتحريرهم  من قبضة داعش ،  عادوا و هم يحملون في أعماقهم جراحا لا ترى ، لكنها لا تقل ألما عن الجراح التي تركتها قيود الاذلال  وسياط ذلك الجلاد وطريقة معاملته  للطفل موضوع المقال.

ومع ذلك ، فإن أكثر ما يبعث على التأمل ، يتجسد في أن هؤلاء الأطفال ورغم كل ما تعرضوا له  ، لم يفقدوا توقهم إلى الحياة ومحبتهم لها ،  فقد ظلوا يبحثون عن أمهاتهم ويتمسكون بأسمائهم الأولى  ويحنون إلى قراهم ومدارسهم وأصدقائهم ، وكأن الفطرة الإنسانية التي ولدوا او جبلوا عليها كانت تقاوم كل محاولات اقتلاعهم من جذورهم بكل معانيها في الارض والانتماء.

لقد أثبت ذلك الطفل، من حيث لا يدري حقيقة إنسانية عميقة ، وهي أن الأم ليست مجرد شخص في حياة طفلها ، بل هي وطنه الأول ،  وحين ينتزع الوطن من الإنسان ، يبقى الحنين إليه أقوى من الخوف وأقوى من التعذيب وأقوى من الجراح.

هكذا، لم ينتصر الجلاد الداعشي  رغم ما امتلكه من سلاح وسياط ، لأن الطفل الذي تحمل الألم حفاظا على ذكرى أمه ووسيلة الاتصال بها ، يكون قد انتصر على جلاده  في المعركة الأهم ، معركة الحفاظ على إنسانيته. لقد أرادوا أن ينتزعوا منه ذاكرته ، فتمسك بها. وأرادوا أن يطفئوا في قلبه نور الأمل ، فظل ينتظر اللحظة التي يسمع فيها صوت أمه من جديد.

 

هكذا كان الهاتف النقال (الموبايل) رمزا للأم وللبيت وللأمان وللهوية عند طفل اسير ابعدت امه المختطفة عنه.

وإذا كانت قصة الأم في الجزء السابق التي ماتت عطشا  قد جسدت عظمة الأمومة وهي تحتضن طفلها حتى آخر أنفاسها ، فإن هذه القصة تجسد الوجه الآخر للمشهد ، طفلا يحمل أمه في قلبه ويقاوم من أجل ألا يفقد آخر أثر يربطه بها. وبين المشهدين تتجلى الحقيقة الكبرى: أن العلاقة بين الأم وطفلها أقوى من سلاح الإرهاب وأبقى من الاختطاف او الاستعباد بلغة الدواعش ، وأعمق من كل محاولاتهم لاقتلاع الإنسان من جذوره.

 

الملحق:

المشهد المصور للطفل الذي جلده الدواعش 250 جلده كي يدلهم على مكان إخفائه لهاتف نقال رأى فيه اخر ما تبقى لديه مما يربطه بوالدته المختطفة:

https://www.facebook.com/share/v/1EdQ4iRJEb/

 

الاشتراك
نبّهني عن
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

Most Popular