يتناول هذا الجزء فوزية الطفلة المختطفة ثم الناجية. الطفلة التي أرادها داعش أن تنسى نفسها قبل ماضيها ، فعادت لتعلم العالم معنى الحياةي
تحمل قصة الناجية فوزية أمين حسن وجعا كبيرا بدأ بطفولتها وانتهى ببصيص نور توسع ليشعر على الجميع. إنها حكاية الطفلة الايزيدية التي اختطفها داعش وهي في التاسعة من عمرها ، وقضت أكثر من عشر سنوات في الأختطاف او السبي قبل أن تعود إلى اهلها لتثبت أن الحياة مهما طالت ليالي المعانات ، قادرة في النهاية على الانتصار على مشروع الارهاب.
قد ينجح الإرهاب في هدم بيت أو تشريد أسرة او هدم مدين او مدن كاملة لكنه يعجز ، مهما امتلك من سلاح وقسوة ، عن إطفاء نور الحياة إذا بقي الإنسان متمسكا بقيمه وأمله. ومن بين آلاف الأطفال الذين اختطفهم تنظيم داعش تبرز قصة الطفلة الإيزيدية فوزية أمين حسن بوصفها واحدة من أكثر القصص تعبيرا عن انتصار الإرادة الإنسانية على مشروع الموت الذي نفذه داعش.
كانت فوزية في التاسعة من عمرها حين اجتاح تنظيم داعش قضاء سنجار في الثالث من آب عام 2014. لم تكن تعرف من الدنيا سوى دفء بيتها وحنان والديها وأصوات زميلاتها في المدرسة وأحلام طفلة كانت تتعلم كتابة الحروف الأولى في مدرستها القريبة ، دون أن تعلم أن القدر سيكتب لها فصولا من الألم والمعاناة تعجز الكلمات عن وصفه بعد أن اختطفت من أحضان أهلها في ذلك اليوم.
هكذا في ساعات قليلة تبدل عالم الطفلة فوزية بعد ان انتزعت من بين أحضان أسرتها ، لتبدأ رحلة طويلة من الاختطاف والسبي امتدت أكثر من عشر سنوات ، حرمت خلالها من طفولتها واهلها ، ومن أبسط حقوقها في أن تكبر بينهم.
لم يكن اختطاف فوزية حالة فردية ، بل كان جزءا من سياسة ممنهجة انتهجها الدواعش ، هدفت إلى اقتلاع الأطفال من جذورهم ، وإعادة تشكيل هويتهم بالقوة من حيث الدين واللغة وغير ذلك ، لقطع كل صلة بينهم وبين عوائلهم ومجتمعهم ومعتقدهم. فالطفل ، في نظر الفكر المتطرف ليس إنسانا له حق في الحياة بل مادة يسهل تشكيلها إذا فصلت عن ذاكرتها.
تزداد هذه القصة إيلاما حين نعلم أن الشخص الذي سباها كان فلسطينيا التحق بتنظيم داعش ، وهو الذي كان يفترض فيه كفلسطيني أنه نشأ وهو يعرف معنى الاحتلال والحرمان ، ولكنه ترك فلسطين واختار ان يلتحق بداعش ويشارك من ضمن ما شاركه في اختطاف طفله وحرمانها من والديها وطفولتها وموطنها. وهنا تتجلى الحقيقة المرة ، تتجلى في ان التطرف حين يستولي على العقل ، يمحو الإحساس بآلام الآخرين ويجعل الإنسان يتخلى عن القيم التي كان يفترض أن يدافع عنها.
وبعد مقتل ذلك الإرهابي اثناء غزوات داعش ، اقتادت والدته فوزية لتعيش مع عائلتها في غزة بفلسطين ، وظلت سنوات طويلة أسيرة واقع لم تختره ، حتى شاءت الظروف ان يتم إنقاذها خلال المعارك التي شهدها قطاع غزة في السنة الماضية ، لتبدأ بعدها سلسلة من الجهود والتنسيقات الدبلوماسية بين عدة دول ، انتهت بعودتها إلى اهلها بالعراق.
عن فترة اختطافها ، كتبت الآنسة فوزية قبل ايام في صفحتها على منصة التواصل الاجتماعي(الفيسبوك) منشورا تشير فيه بألم الى تلك الايام الصعبة وطريقة معاملتهم لها :
أن تنطق بأعز ما تؤمن به كرجاء أخير لتنجو بنفسك فيقابل إيمانك بالتكفير والاستهزاء والاعتداء ، فتلك هي الذروة القاسية للظلم. كانوا يرون عبادتنا كفراً فيستغلون استغاثتنا بالمقدس ليمارسوا تجبرهم ، غافلين عن أن كل ضربة وكل إهانة كانت تسجل شهادة أبدية على تجردهم الكامل من أي معنى للإنسانية.
كانت عودة فوزية إلى احضان اهلها أشبه بولادة جديدة. لم تكن عودة جسد إلى موطنه فقط ، بل عودة ذاكرة حاول الإرهاب أن يمحوها وعودة اسم كاد يضيع ، وعودة طفلة أثبتت أن الهوية الحقيقية لا تموت مهما طال زمن الأسر.
عن هذا كتبت الانسة فوزية ثانية و قبل ايام في موقعها على منصة الفيسبوك ، تقول:
لم يستطيعوا أن ينتزعوا مني هويتي الإيزيدية. قد يضيع الإنسان أحيانًا في ظلمة الطريق لكنه لا يفقد نفسه ما دام يحمل في داخله نور جذوره وكرامته وحقيقته
فالنور لا يحتاج إلى طريق سهل كي يصل ، النور يجد طريقه دائمًا حتى من بين أشد العتمات.
ثم كتبت بعده في منشور ثالث تقول:
بين أمس خنقه القهر والظلم وحاضرٍ يعانق الدفء والحرية ما زلتُ أستيقظ على أطياف الكوابيس ليعود قلبي ويتنفس حين أرى عائلتي حولي …
لم يكن أصعب ما واجهته فوزية سنوات الأسر وحدها يس، بل محاولة استعادة الحياة بعدها. فالإنسان الذي عاش طفولته في ظل الخوف ، يحتاج إلى شجاعة مضاعفة كي يؤمن من جديد بأن العالم يمكن أن يكون مكانا آمنا ، وأن المستقبل لا يشبه الماضي دائما.
غير أن فوزية اختارت الطريق الأصعب والأجمل في آن واحد. اذ لم تجعل من جراحها سجنا تعيش داخله ، بل حولتها إلى رسالة للدفاع عن النساء والأطفال الذين تعرضوا للاضطهاد ، وأصبحت بصوتها وشهادتها شاهدة على الجريمة ، ورسولا للأمل في الوقت نفسه. لقد فهمت أن أعظم انتصار على جلادها هو ألا تسمح له بأن يسرق منها حقها في الحياة.
وجاءت بعدها خطوبتها من أحد أبناء سنجار الشاب صلاح حسن ، لتكون أكثر من مناسبة اجتماعية. لقد كانت هذه الخطوبة في معناها الرمزي بمثابة إعلان انتصار للحياة على الموت ، وللمحبة على الكراهية ، وللمستقبل على الماضي.
اثبت فوزية أن الإنسان يستطيع رغم كل ما تعرض له ، أن ينهض من تحت ركام الألم ، وأن يبني مستقبله من جديد. إنها هنا ، لا تمثل نفسها وحدها بل تمثل آلاف النساء والأطفال الإيزيديين الذين ما زال الكثير منهم يحاولون استعادة حياتهم بعد سنوات من السبي والنزوح والفقدان.
لقد أراد داعش أن يجعل من الأطفال وقودا للكراهية ، وأن يحول الأمهات إلى ذكريات موجعة ، وأن يمحو هوية شعب بأكمله. لكنه فشل في تحقيق غايته ، لأن الحياة كانت أقوى من الموت ، ولأن الإنسان مهما انكسر يظل قادرا على النهوض إذا وجد من يمد إليه يد العدالة والمحبة.
لم تعد مأساة سنجار بما تركته حملة الإبادة تخص الإيزيديين وحدهم ، بل اصبحت امتحان دائم لضمير الإنسانية. فالشعوب التي تنسى ضحايا الإبادة ، تفتح الباب أمام تكرارها ، أما الشعوب التي تحفظ الذاكرة وتكرم الضحايا وتحاسب الجناة ، فإنها تبني مستقبلا أكثر أمنا وعدلا لأبنائها.
إن الواجب الأخلاقي والقانوني لا يقف عند حدود الاعتراف بما جرى بوصفه إبادة جماعية ، بل يبدأ من الالتزام بالكشف الكامل عن مصير المفقودين والمختطفات، وملاحقة كل من شارك في التخطيط والتنفيذ والتحريض على هذه الجريمة، وإنصاف الضحايا وتعويضهم ، وإعادة إعمار سنجار، وتوفير الرعاية النفسية والاجتماعية الشاملة للناجيات اللاتي تم تحريرهم من قبضة الإرهاب الداعشي.
ولا يقل عن ذلك أهمية صيانة الذاكرة الوطنية ، إذ ينبغي أن تتحول المآسي التي تعرض لها الإيزيديون في سنجار إلى جزء من الوعي الوطني العراقي ، من خلال تضمينها في المناهج الدراسية بصورة علمية وموضوعية ، لتكون درسا للأجيال في مخاطر الكراهية والتطرف والإبادة الجماعية وضمانا لعدم تكرارها ، كي لا تبقى هذه الصفحة المؤلمة من تاريخ العراق عرضة للنسيان أو التجاهل.
المصادر المعتمدة:
1- صفحة السيد خدر ديرو الخانصوري في منصة الفيسبوك.
منشور عن خطوبة الناجية فوزية امين حسن:
https://www.facebook.com/100002296564691/posts/27797808729878973/?app=fbl
2- موقع بحزاني نت ، يوليو 19, 2026 ، خالد محمود خدر ، مقال عن خطوبة الناجية فوزية امين حسن:
3- صفحة فوزية امين سيدو على منصة الفيسبوك، منشور يوم 2026/7/28 يتناول انطباعاتها عن فترة الاختطاف:
https://www.facebook.com/share/r/1JTuQ7c4vX/
4- صفحة فوزية امين حسن ، منصة الفيسبوك، منشور يوم 2026/8/2 :
https://www.facebook.com/share/r/14hyqHyYjnH/
5- صفحة فوزية امين حسن علي ، منصة الفيسبوك ، منشور يوم 2026/8/2 :
https://www.facebook.com/share/r/14hyqHyYjnH/

