Homeاراءحين تحولت الطفولة في سنجار إلى هدف للإبادة الجماعية على أساس الهوية...

حين تحولت الطفولة في سنجار إلى هدف للإبادة الجماعية على أساس الهوية الدينية ج 5: ب. د. خالد محمود خدر

 

بداية أشير إلى أن هذا الجزء يتناول ولادة طفل على سفح جبل سنجار في اليوم الأول من الإبادة في الثالث من آب عام 2026 ، ولادة جسدت  انتصار الحياة على مشروع الابادة.

 

ليست كل الولادات أحداثا او مناسبات عائلية  فقط ، فبعضها يتحول إلى شهادة على زمن بأكمله ، وإلى رمز يبقى حيا في ذاكرة الشعوب. وهناك أطفال يولدون في ظروف استثنائية ، فيصبح وجودهم منذ اللحظة الأولى بمثابة رسالة ، تتجاوز حياتهم الشخصية مع الزمن ، لتروي للأجيال كيف استطاعت الحياة متجسدة بهم  أن تشق طريقها وسط أكثر المشاهد قسوة وإرهاب.

 

في الثالث من آب   2014، وكما أشرنا في الأجزاء السابقة إلى قيام داعش بتنفيذ إبادته الجماعية  بهدف اقتلاع المكون الايزيدي من جذوره عبر القتل الجماعي والسبي والاختطاف واحتلال الارض. في ذلك اليوم ، تحولت الطرق والدرابين  المؤدية إلى جبل سنجار إلى منافذ هروب جماعية ، وسط ملاحقة الدواعش لهم بمختلف أنواع الأسلحة ، حمل فيها الناس أطفالهم وكبار السن منهم ، وتركوا وراءهم بيوتهم وذكرياتهم ، وهم لا يعلمون إن كانوا سيعودون إليها يوما ام لا.

 

كان الجبل، رغم كونه ملاذا منقذا ، يتحول شيئا فشيئا إلى ساحة معاناة مفتوحة. عدا الدواعش ، فقد حوصر ، على سفوح الجبل وقممه بالعطش والجوع  تحت وطأة الحر الشديد ، مئات الآلاف من الرجال والنساء والأطفال ممن تمكنوا من الخلاص من داعش بصعوبة بالغة  ، وأصبح البقاء على قيد الحياة  بدون ماء وغذاء ، في تلك الأيام الحارة التي قاربت الاسبوعين ، معركة يخوضها الجميع في كل لحظة، معركة توفى بسببها عشرات الاطفال والنساء. 

 

وفي خضم هذه المأساة ، جاء المخاض امرأة إيزيدية حامل أنهكها الهرب وارهقها الخوف والصعود إلى الجبل مشيا على الاقدام ، مثلما أضعفها الجوع والعطش. وبين الصخور وتحت السماء المفتوحة ، وضعت مولودها الذكر الذي سمي لاحقا ريبين.

كانت تلك الولادة حدثا يحمل مفارقة إنسانية نادرة. ففي الوقت الذي كان فيه الإرهاب يسعى إلى نشر الموت ، كانت الحياة تعلن حضورها بميلاد طفل جديد. وكأن القدر أراد أن يقول إن مشاريع الإبادة ، مهما بلغت وحشيتها، لا تستطيع أن توقف نبض الحياة أو أن تمنع الأمل من أن يولد.

لم تكن بداية ريبين كبدايات الأطفال الآخرين. لم يستقبل بالبشائر والاحتفال ، بل استقبلته صخور الجبل و حرارة الشمس ولفحها لوجهه الغض  وقلق أم أنهكها النزوح ، وخشية أب أن يفقد ابنه قبل أن يمنحه فرصة للحياة. كانت أيامه الأولى امتدادا لمحنة آلاف الأطفال الذين وجدوا أنفسهم في سفر اللجوء إلى الجبل مع والديهم واحيانا بدونهم بعد أن  اغتالتهم ايادي الدواعش  ، حيث أصبح الماء حلما والغذاء أمنية والنجاة معجزة تتكرر كل يوم.

ومع ذلك ، بقيت إرادة الحياة أقوى ، بعد أن تمسك والداه بالأمل ، وتقاسم معهم من كانوا  قريبين منهما  ما توفر لديهم من ماء وغذاء ، وتعاونوا كما يتعاون أفراد الأسرة الواحدة في مواجهة المصير المشترك. لقد كانت تلك اللحظات دليلا على أن الإنسان ، حتى عندما يفقد كل شيء ، يبقى قادرا على أن يمنح غيره شيئا من الحياة ، وما ولادة هذا الطفل الا دليلا على ذلك حين منحته والدته ما تمكنت عليه كي يخرج إلى الدنيا سالما ويحيى في تلك الظروف التي انعدم  فيها كل  شيء من مقومات الحياة واولها الرعاية الطبية.

 

مرت السنوات… وكبر ريبين ، ولم يعد ذلك الرضيع الذي ولد في قلب المأساة ، بل أصبح شاهدا حيا على صفحة من أكثر صفحات التاريخ ظلما و ألما. إن وجوده اليوم ليس مجرد قصة نجاة فردية ، بل شهادة على أن الإرهاب أخفق في تحقيق غايته النهائية ، وإذا  كان قد تمكن من قتل الآلاف من الرجال  وسبي واختطاف آلاف الفتيات والاطفال وخلف جراحا لا تندمل ، لكنه لم يستطع أن ينتصر على إرادة الحياة والبقاء.

 

إن قصة ريبين ليست قصة طفل فقط ، بل قصة شعب تمسك بالحياة وهو محاصر بالارهاب والموت . وهي تذكرنا كما ورد في الأجزاء السابقة  بأن الإبادة لا تستهدف الأجساد وحدها ، بل تستهدف المستقبل أيضا ، لأن قتل الأطفال أو منعهم من أن يولدوا هو محاولة لقطع امتداد شعب بأكمله بالحياة. لكن ولادة ريبين في ذلك اليوم جاءت ، على نحو رمزي ، لتعلن أن المستقبل لا يزال ممكنا ، وأن الحياة قادرة على أن تبدأ من جديد  حتى فوق الصخور التي شهدت انواع الألم.

 

لقد اعتاد المؤرخون  أن يخلدوا  أسماء القادة والجيوش والمعارك ، لكن كثيرا ما ينسون طفلا ولد في اللحظة التي كانت الإنسانية تتعرض فيها لاختبار قاس. غير أن بعض الأطفال لا يحتاجون إلى بطولات خارقة ليخلدهم التاريخ ، فمجرد ولادتهم في الزمن الخطأ يجعلهم رموزا لزمن كامل.

سيبقى ريبين واحدا من تلك الرموز. فكلما عاد الثالث من آب، سيذكر التاريخ بأن ذلك اليوم لم يكن يوم إبادة فقط ، بل كان أيضا يوما أعلنت فيه الحياة أنها أقوى من الكراهية  وأبقى من الإرهاب ومشاريع الإبادة ، وأن الشعوب قد تنزف كثيرا وتدفع ضحايا كثيرة من  أرواح افرادها  في صمودها ومقاومتها  لكنها لا تتخلى عن حقها الطبيعي في الحياة.

 

سيظل ذلك الطفل الذي أبصر النور على سفوح جبل سنجار شاهدا على حقيقة لا تتغير: قد ينجح الإرهاب في نشر الموت، لكنه يعجز عن إخماد الحياة ، لأنها  في نهاية المطاف تمتلك قدرة مدهشة على النهوض والتجدد ، حتى من بين الركام  و فوق الصخور التي ظن القتلة أنها ستكون نهاية حكاية شعب أرادوا له الفناء.

 

في هذه الأيام  من العام الحالي 2026 ، التي تذكر بيوم الإبادة الجماعية  ، لم يعد ريبين  ذلك الرضيع الذي ولد بين صخور جبل سنجار، بل كبر وبلغ  اثني عشر عاما وأصبح يعيش كشاب يافع في مقتبل حياته ، رغم كل التحديات التي واجهت وتواجه اهله. 

في الصورة المرفقة  له في اعلاه الملحق أدناه ، ترتسم ابتسامة على محياه ، تختبئ  تحتها حكاية لا تختصر بكلمات ، حكاية طفل ولد في اليوم الذي أراد فيه الإرهاب أن يحول سنجار إلى مقبرة مفتوحة ، فإذا به يكبر شاهدا على فشل مشروع الإبادة.

إن صورة ريبين اليوم  ليست مجرد صورة لطفل بالغ او شاب يافع نجا من مأساة ، بل هي وثيقة إنسانية تقول إن الحياة انتصرت ، وإن الطفل الذي أبصر النور في أحلك ساعات الإبادة أصبح وجها للمستقبل الذي حاول القتلة أن يمنعوا ولادته.

قد يقتل الإرهاب آلاف الأبرياء ، وقد يحرق القرى ويهدم البيوت ويشتت العائلات ، لكنه يعجز عن قتل إرادة الحياة. فالحياة لا تقاوم السلاح بالسلاح، بل تقاومه بالاستمرار والعطاء بمختلف صوره رغم كل الصعوبات. 

هكذا ، فإن  ريبين  ام يعد  مجرد طفل ولد في يوم الإبادة ، بل اصبح أحد رموزها. ولد في يوم أراده  اعداء الحياة يوما للموت ، فصار وجوده  وبلوغه وابتسامته رسالة فيها حكمة مفادها إن الحياة ، مهما أثقلتها الجراح ، تبقى أقوى من الكراهية وأبقى من كل مشاريع الإبادة.

الملحق:

صور الطفل ريبين في مختلف مراحل عمره ، مأخوذة عن  صفحة الاديب صالح مادو  في منصة الفيسبوك يوم 2026/8/3 ، في منشور له عن ولادة الطفل ريبين.

Screenshot_٢٠٢٦-٠٨-٠٥-٠١-٤٤-١٦-٣٦٩_com.facebook.katana2HQxwyZV

الاشتراك
نبّهني عن
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

Most Popular