Homeاراءالمجلس الروحاني الإيزيدي، عندما تُفسد السياسةُ والمالُ القداسة : جهور سليمان خدر

المجلس الروحاني الإيزيدي، عندما تُفسد السياسةُ والمالُ القداسة : جهور سليمان خدر

 

تتمثل إشكالية المؤسسة الدينية الإيزيدية اليوم في الفجوة القائمة بين الدور الطبيعي والمفترض لها، وبين بعض الممارسات التي تخرج عن حدود رسالتها الروحية. فالمجلس الروحاني الإيزيدي، ورئاسته، ورجال الدين بصورة عامة، تقع مسؤوليتهم الأساسية في رعاية الشؤون الدينية والاجتماعية، والحفاظ على الموروث الديني، وأداء الطقوس والمراسيم الدينية والتأبينية، وتمثيل القيم الروحية والأخلاقية للمجتمع.
إن هذه المسؤولية، على أهميتها وقدسيتها، لا تعني أن يتحول المجلس الروحاني إلى مؤسسة سياسية، أو أن يكون طرفًا في التنافس الحزبي، أو أداةً لخدمة أجندات سياسية معينة. فطبيعة الدور الروحاني تفرض الاستقلال عن الصراعات السياسية، لأن المرجعية الدينية تفقد جزءًا من مكانتها عندما تدخل في حسابات السلطة والنفوذ والمصالح.
وتزداد الإشكالية عندما تتحول بعض المناصب الدينية إلى مواقع وراثية مغلقة، بعيدًا عن معايير الكفاءة والمعرفة والتأهيل. فالمنصب الديني ليس امتيازًا عائليًا أو وجاهةً اجتماعية، بل هو مسؤولية أخلاقية تتطلب العلم والحكمة والقدرة على صيانة قدسية الموقع الذي يشغله صاحبه.
كما أن تدخل الأحزاب السياسية في اختيار أو توجيه بعض الشخصيات الدينية يمثل خطرًا على استقلال المؤسسة الدينية. فعندما يصبح معيار القرب من السلطة أو درجة الولاء السياسي عاملًا مؤثرًا في هذه المواقع، فإن الضرر لا يقع على الأشخاص فقط، بل يمتد إلى صورة المؤسسة الدينية ومكانتها في وجدان المجتمع.
إن صفة “الروحاني” ليست مجرد لقب، بل هي التزام وحدود واضحة. فالروحاني الحقيقي هو من يحافظ على المسافة بين الدين والسياسة، ويضع قدسية رسالته فوق المصالح الشخصية والحزبية. أما تحويل المجالس الدينية إلى ساحات للمجاملة السياسية، أو جعلها مناسبة للظهور الإعلامي والتقاط الصور مع المسؤولين، فإنه يضعف من هيبتها ويُفقدها معناها الروحي.
فالقداسة لا تُقاس بالقرب من أصحاب النفوذ، ولا بعدد اللقاءات الرسمية، بل بمدى الاستقلال والنزاهة والالتزام برسالة الدين. وكما يفقد المغناطيس خاصيته عندما يتعرض لعوامل تؤثر في بنيته، تفقد المؤسسة الروحية جاذبيتها المعنوية عندما تختلط رسالتها بحسابات السياسة والمال.
ومن هنا، فإن مسؤولية الأحزاب السياسية تتمثل في احترام خصوصية المؤسسة الدينية وعدم استخدامها كوسيلة لتعزيز النفوذ أو تحقيق المكاسب. فالمجتمع الإيزيدي يحتاج إلى مرجعية دينية مستقلة تحافظ على قدسية دورها، لا إلى مؤسسة تُستنزف في الصراعات السياسية.
أما لالش، فهو ليس مكانًا للوجاهة السياسية أو الاستعراض الإعلامي، بل هو أقدس رمز ديني وروحي لدى الإيزيديين. ولذلك يجب أن يبقى فضاءً للعبادة والسكينة والوحدة، بعيدًا عن الحسابات الحزبية والشخصية.
إن الدعوة إلى إصلاح المؤسسة الدينية لا تعني الانتقاص من مكانتها، بل تعني الدفاع عن قدسيتها وحمايتها من أي تدخل أو استغلال. فالمطلوب هو مؤسسة دينية تحظى بالاحترام لأنها مستقلة، وتحافظ على مكانتها لأنها تلتزم بحدود رسالتها.
إن المجتمع الإيزيدي اليوم يدرك جيدًا أهمية الحفاظ على الفصل بين الدور الروحي والدور السياسي؛ فالدين يحتاج إلى من يحمي قدسيته، والسياسة تحتاج إلى ساحاتها الخاصة. وعندما تختلط الأوراق، يكون الخاسر الأول هو احترام المؤسسة نفسها وثقة الناس بها.

الاشتراك
نبّهني عن
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

Most Popular