Homeاراءالإيزيديون… شعبٌ نجا من الإبادة ولم ينجُ من التهميش : كمال شمو...

الإيزيديون… شعبٌ نجا من الإبادة ولم ينجُ من التهميش : كمال شمو خديدا

على امتداد قرون طويلة، عاش الإيزيديون فوق أرض آبائهم، متمسكين بديانتهم وهويتهم وعاداتهم، رغم ما تعرضوا له من حملات اضطهاد، وقتل، وتهجير، ومحاولات متكررة لإجبارهم على ترك دينهم. ولم تكن معاناتهم حادثة عابرة في التاريخ، بل سلسلة طويلة من المآسي تناقلتها الأجيال تحت اسم «الفرمانات».
لقد شُنّت على الإيزيديين حملات عديدة عبر عهود مختلفة، قُتل في بعضها الآلاف، ودُمّرت قراهم ومزاراتهم، وسُبيت نساؤهم وأطفالهم، وصودرت ممتلكاتهم. وكان الهدف في كل مرة واحدًا: اقتلاع هذا الشعب من أرضه، وكسر إرادته، وإجباره على التخلي عن هويته الدينية والقومية. ومع ذلك، ظل الإيزيديون متمسكين بجذورهم، يعيدون بناء قراهم بعد كل خراب، ويورثون أبناءهم الإيمان، والصبر، ومحبة الحياة.
وعلى الرغم من نجاتهم من حملات الإبادة المتكررة، فإن معاناتهم لم تتوقف عند صفحات التاريخ، بل استمرت في صور أخرى تمثلت في التهميش، وضعف الحماية، وحرمان مناطقهم من التنمية والاستقرار. ولهذا، فإن قصة الإيزيديين ليست قصة إبادة فحسب، بل هي أيضًا قصة شعب ما زال يناضل من أجل أن يعيش بكرامة على أرضه.
لقد عاش الإيزيديون عقودًا طويلة بين الخوف والصمت. وكثيرًا ما كُتبت حكاياتهم بدمائهم، بينما بقيت معاناتهم بعيدة عن اهتمام العالم. ولم يحصلوا على الحماية التي تتناسب مع حجم الأخطار التي أحاطت بهم، كما حُرموا في مراحل كثيرة من حقوقهم السياسية والإدارية والثقافية، وبقيت مناطقهم تعاني الإهمال، وضعف الخدمات، وقلة فرص العمل.
وبعد قرون من الاضطهاد، ظن كثيرون أن تلك الصفحات المظلمة أصبحت جزءًا من الماضي، إلا أن الثالث من آب/أغسطس 2014 أثبت أن الخطر لم ينتهِ، بل عاد بصورة أكثر وحشية.
عندما هاجم تنظيم داعش قضاء سنجار والقرى الإيزيدية المحيطة به، وجد عشرات الآلاف من المدنيين أنفسهم بلا حماية حقيقية. قُتل الرجال والشباب، ودُفن كثير منهم في مقابر جماعية، وخُطفت النساء والفتيات والأطفال، وتعرضت المختطفات لأبشع أشكال العنف والاستعباد والاتجار، في جريمة هدفت إلى تحطيم الإنسان الإيزيدي وإبادة وجوده الديني والاجتماعي.
هرب عشرات الآلاف من الإيزيديين نحو جبل سنجار، حيث قضوا أيامًا تحت شمس آب اللاهبة، من دون ماء أو طعام أو دواء. وهناك، واجه الأطفال والنساء وكبار السن خطر الموت عطشًا وجوعًا، بينما كان العالم يشاهد واحدة من أبشع الكوارث الإنسانية في العصر الحديث.
ولم تكن جريمة داعش مجرد اعتداء على منطقة أو جماعة صغيرة، بل كانت جريمة إبادة جماعية استهدفت شعبًا بأكمله بسبب دينه وهويته. وحتى اليوم، ما تزال آثار تلك الجريمة حاضرة؛ فما زال مصير عدد من المختطفين والمختطفات مجهولًا، وما تزال المقابر الجماعية شاهدة على حجم المأساة، فيما لا تزال عائلات كثيرة تنتظر خبرًا عن أبنائها وأحبائها.
ولم تنتهِ معاناة الإيزيديين بانتهاء سيطرة تنظيم داعش، بل امتدت آثار الإبادة إلى حاضرهم ومستقبلهم. فما زال الناجون والناجيات يحملون جراحًا نفسية واجتماعية عميقة، ويحتاجون إلى أكثر من كلمات التعاطف؛ إنهم بحاجة إلى رعاية حقيقية، وعدالة منصفة، وضمانات تكفل لهم حياة آمنة وكريمة. فهم ليسوا مجرد ضحايا، بل شهود أحياء على واحدة من أبشع الجرائم التي شهدها القرن الحادي والعشرون.
وبعد مرور سنوات على الإبادة، ما يزال مستقبل الإيزيديين يكتنفه كثير من القلق والغموض. فما تزال مناطق واسعة في سنجار مدمرة، والخدمات الأساسية محدودة، والاستقرار الأمني والسياسي لم يكتمل بعد. كما لا يزال عدد كبير من الإيزيديين يعيشون في المخيمات أو في بلدان اللجوء والاغتراب، ممزقين بين الحنين إلى وطنهم والخوف من العودة إلى مكان لم تتوافر فيه حتى الآن ضمانات حقيقية للحماية.
ولم يكن هذا الواقع نتيجة الإبادة وحدها، بل جاء أيضًا نتيجة استمرار التحديات التي أعقبتها، الأمر الذي جعل آثارها تتجاوز حدود المأساة الإنسانية لتتحول إلى أزمة طويلة الأمد تمس حاضر المجتمع الإيزيدي ومستقبله
لقد أدى استمرار التهميش، إلى جانب الصراعات السياسية، وغياب الإدارة المستقرة، وتأخر إعادة الإعمار، إلى إضعاف ثقة كثير من الإيزيديين بالمستقبل. غير أن هذا التهميش لم يكن نتيجة عامل واحد، بل جاء حصيلة تداخل عوامل سياسية، وإدارية، واقتصادية، واجتماعية تراكمت عبر سنوات، وما تزال آثارها مستمرة حتى اليوم.
وقد أسهم استمرار النزوح، وضعف الخدمات، وتأخر الإعمار، وغياب الاستقرار، في دفع أعداد كبيرة من الشباب إلى الهجرة بحثًا عن الأمان والكرامة وفرص الحياة. إلا أن هذه الهجرة، على الرغم من أنها تمثل بالنسبة إلى كثيرين وسيلة للنجاة، تهدد في الوقت ذاته بإفراغ الأرض التاريخية للإيزيديين من سكانها، وفقدان أحد أهم مقومات بقائهم واستمرارهم.
إن مستقبل الإيزيديين لا ينبغي أن يبقى رهينة للمجهول أو للمصالح السياسية المتصارعة. فبقاء هذا المكون الأصيل يتطلب اعترافًا حقيقيًا بحقوقه، ومشاركةً فعلية في إدارة مناطقه، وتمكين أبنائه من الإسهام في صنع القرارات المتعلقة بمستقبلهم.
كما يتطلب الأمر إعادة إعمار سنجار وقراها، وتوفير الخدمات الأساسية، وتأهيل المدارس والمستشفيات، وخلق فرص عمل حقيقية تشجع النازحين على العودة إلى مناطقهم بكرامة وأمان، بدل أن يبقى خيار الهجرة هو الملاذ الوحيد أمام الأجيال الشابة.
ولا تقل العدالة أهمية عن إعادة الإعمار؛ إذ ينبغي مواصلة البحث عن المختطفين والمختطفات، وفتح المقابر الجماعية، وتوثيق الجرائم، ومحاسبة جميع المتورطين في الإبادة، وعدم السماح بإفلاتهم من العقاب. فالعدالة ليست انتقامًا، وإنما هي الأساس الذي يحفظ حقوق الضحايا، ويمنع تكرار المأساة، ويعيد شيئًا من الثقة بالمستقبل.
كذلك، فإن حماية الديانة الإيزيدية، وصون تراثها، ولغتها، ومزاراتها، وتعريف الأجيال والعالم بتاريخ هذا الشعب بعيدًا عن التشويه والصور النمطية، تمثل مسؤولية لا تقل أهمية عن إعادة بناء الحجر؛ لأن الحفاظ على الهوية والثقافة هو في جوهره حفاظ على بقاء الإنسان نفسه
ورغم كل ما مرّ به الإيزيديون من مآسٍ، فإنهم لم ينتهوا، ولم تنكسر إرادتهم.
لقد حاولت الحملات المتعاقبة إبادتهم، لكنهم بقوا. وحاول الإرهاب أن يسلبهم أرضهم وهويتهم، لكنهم نهضوا من تحت الركام. وحاول الخوف أن يصادر أصواتهم، فإذا بأصوات الناجيات والناجين تتحول إلى شهادات حية تهز ضمير العالم، وتُذكّر بأن الجرائم لا تُمحى بالصمت، وأن الذاكرة ليست عبئًا، بل مسؤولية.
إن الإيزيديين لا يطلبون الشفقة، بل يطالبون بالعدالة. ولا يريدون أن يبقوا مجرد أرقام في تقارير المنظمات، بل أن يعيشوا مواطنين أحرارًا على أرضهم، آمنين في بيوتهم ومزاراتهم، وأن يكبر أطفالهم بعيدًا عن الخوف الذي ورثه آباؤهم، وفي وطنٍ يحمي حقوقهم ويصون كرامتهم.
وسيكون مستقبلهم أكثر أمنًا عندما تتحول الوعود إلى أفعال، والاعتراف بالإبادة إلى خطوات عملية تحقق العدالة، والخيام إلى بيوت، والإعمار إلى واقع، والمقابر الجماعية إلى ذاكرة وطنية تحفظ الحقيقة، وتمنع تكرار المأساة.
فالقضية اليوم لا تتعلق ببقاء الإيزيديين فحسب، بل بحقهم في أن يعيشوا بكرامة، وأن يكون لهم مستقبل آمن في أرضهم التاريخية، وأن يشاركوا في بناء مجتمع يقوم على المواطنة، والعدالة، واحترام التنوع الديني والثقافي.
إن الشعوب التي تتمسك بهويتها، رغم ما مرت به من مآسٍ، لا يمكن أن تختفي. والإيزيديون، مهما اشتدت عليهم المحن، سيبقون شعبًا حيًا، يحمل في ذاكرته وجع الماضي، وفي قلبه إرادة البقاء، وفي عيون أطفاله أملًا بوطن يعترف بهم، ويحميهم، ويصون كرامتهم

الاشتراك
نبّهني عن
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

Most Popular