ليست كل الملاحم يكتبها الفرسان ، فثمة ملاحم يكتبها أطفال لم يتعلموا بعد نطق الحروف. ومن بين أكثرها وجعا ، ملحمة طفل أيزيدي لم يتجاوز الرابعة من عمره ، خطها بخطواته المرتجفة وهو يصعد جبل سنجار باحثا عن النجاة من جحيم الغزاة.
هكذا ، في الثالث من آب عام 2014 ، وبينما كانت حملة الإبادة الجماعية تستهدف الإيزيديين في سنجار، كتب طفل في الرابعة من عمره واحدة من أعظم ملاحم الصبر التي عرفها التاريخ الحديث. لم يكتبها بقلم ، ولم توثقها عدسات الصحفيين ، بل كتبتها خطوات صغيرة لطفل في الدرايين المؤدية إلى جبل سنجار وفوق سفوحه ، خطوات كانت سطورها الجوع والعطش والخوف وخاتمتها الموت.
مات شهيدا للطفولة وغدا رمزا آخر لمأساتها في سنجار. رحل عن هذه الدنيا دون أن يعرف أحد اسمه أو اسم والديه أو عشيرته أو قريته. كأن الإبادة لم تكتف بأن تسلبه حياته ، بل سلبته حتى هويته. كل ما بقي من حكايته أنه رأى بعينيه عناصر داعش يقتلون والده ثم والدته ، وهما يشقان طريقهما نحو جبل سنجار سعيا لإنقاذ طفلهما قبل انقسهما. وحيناستشهدا ، وجد ذلك الطفل نفسه وحيدا في مواجهة الموت ، بين إرهاب يطارده وشمس تحرق جسده في طرقات ودرابين متشعبة سلكها مع انها لا تمنحه سوى مزيد من الألم ، وهو يصارع الجوع والعطش والخوف من المجهول.
هكذا ، بعد استشهاد والديه ، تسلق الطفل جبل سنجار أو لعل الأصح احتمى به كما يحتمي الطفل بقلب أمه ، وبفطرة ولد عليها كل ابناء سنجار وتوجيه من والدته قبل ان تلفظ أنفاسها الاخيرة. بعدها وبصعوبة بالغة وصل إلى سفحه ، مع آلاف المتزاحمين النازحين في تلك الظروف الصعبة على الرجال فكيف بالاطفال. لكن الجبل ، على عظمته ، لم يكن قادرا على أن يمنحه الماء ولا أن يطرد عنه الجوع او أن يمسح دموعه.
ثلاثة أيام كاملة قاوم وحده وهو يقاتل العطش والجوع والخوف والإرهاب الذي سلبه كل شيء دفعة واحدة. ظل يبكي حتى انقطع صوته و فقد القدرة على الكلام ، ثم أخذ بصره يخبو كما تخبو شمعة في مهب الريح حتى أسلم روحه في اليوم الرابع بين الصخور.
دفنه نازحون كانوا يفرون من الموت ، فلم يكن لديهم إلا دقائق يوارونه فيها التراب ثم يمضون لينجون بمن بقي معهم من ارهاب يلاحقها.
رحل الطفل.
ورحل اسمه معه.
وبقي قبر بلا شاهد او كلمة تدل على صاحبه. لكن بعض القبور لا تحتاج إلى شاهد ، لأنها تصبح هي الشاهد. لقد أصبح ذلك القبر المجهول شهادة قائمة على واحدة من أبشع جرائم القرن الحادي والعشرين.
يا للمفارقة في هذا الزمن….
لقد استطاع الإنسان بتطورات حضارته الحديثة أن يسمع همسات اطراف الكون ويشاهد بتلسكوباته الإلكترونية المجرات البعيدة و يلتقط صورا لنجوم تبعد ملايين السنين الضوئية ، لكنه لم يستطع سماع بكاء طفل ظل ثلاثة أيام يصارع الموت فوق جبل سنجار.
أي حضارة هذه التي تصل إلى الفضاء وتعجز عن إنقاذ طفل على سطح الارض؟
وأي عالم هذا الذي يتحدث كل يوم عن حقوق الطفل ، ثم يترك طفلا في الرابعة من عمره يواجه الجوع والعطش والإرهاب وحده؟.
لقد قتل داعش والديه ، لكنه حين تركه يموت وحيدا ، كان يقتل الطفولة نفسها. فالقتل لم يكن موجها إلى أفراد فحسب ، بل إلى معنى الإنسان.
كان الطفل يتمسك بأنفاسه الأخيرة ، وكأنه يريد القول إن الإنسان يولد وفي داخله غريزة نبيلة اسمها الأمل ، ذلك ان الطفل ، مهما كان صغيرا ، يعرف أن الحياة تستحق أن يقاوم من أجلها حتى آخر لحظة.
لهذا، فإن بطولته لا تقاس بعدد السنوات التي عاشها ، بل بعدد الساعات التي رفض فيها أن يستسلم للموت. فقد عاش أربع سنوات فقط، لكنه منح الإنسانية درسا قد لا تتعلمه خلال قرون. استشهد مجهولا ، لكن مجهوليته ليست نقصا في سيرته ، بل إدانة للعالم كله.
فحين يصبح اسم الضحية مجهولا ، بينما يعرف القتلة بالأسماء ، فإن العيب لا يكون في الضحية، بل في ضمير البشرية.
سيظل قبره المجهول ، المعروف المكان على سفوح جبل سنجار، يروي للأجيال قصة طفل لم يمت لأنه كان ضعيفا بل لأن البشرية تركته وحيدا.
وسيظل كل حجر في ذلك الجبل يردد حكايته. وستشهد كل نسمة تمر فوق سفوحه بأنه كان هنا طفل أحب الحياة ، لكنها لم تمهله.
لقد انتهت حياة ذلك الطفل، لكن قصته لن تنتهي وستبقى سؤالا أخلاقيا يلاحق العالم كله:
كيف استطاع طفل في الرابعة من عمره أن يصبر ثلاثة أيام من أجل الحياة ، بينما عجزت الإنسانية بكل ما تملكه من قوة وحضارة وقوانين عن أن تمد إليه يد العون للنجاة؟
سلام على الطفل الذي لم يصلنا اسمه…
سلام على والديه…
سلام على كل شهداء الطفولة في سنجار.
والمجد لكل طفل قاوم الموت وهو لا يعرف إلا أن الحياة تستحق أن تعاش.
أما العار، فسيبقى يلاحق القتلة وكل من علم او شهد هذه المأساة ثم اختار الصمت حين كان بإمكانه أن يفعل شيئا ، فالصمت أمام الإبادة وايامها ليس حيادا.
المصادر المعتمدة:
1- خدر ديرو الخانصوري ، منشور على صفحته في الفيسبوك ، 2022/8/22:
https://www.facebook.com/share/v/1EtXbFGxFU/
2- مقال ل خدر ديرو الخانصوري وتعليق للدكتور المهندس خالد خدر ، موقع بحزاني.نت ،أغسطس 8, 2022.
https://bahzani.net/%d8%a7%d8%b1%d8%a7%d8%a1/103499/

