ليس كل الموت موتا للجسد فحسب في ظروفه غير الطبيعية ، فثمة موت آخر أكثر خفاء ، حين يحاول الإنسان أن يقتل قبل الروح في ضحيته معنى صوت الأم وطفولة الطفل وثقة الإنسان بالإنسان. وهكذا كان بعض ما فعله تنظيم داعش بالإيزيديين في سنجار. فلم يكن السلاح وحده أداته ، بل استخدم الجوع والعطش والخوف والإذلال والخطف ، والفصل القسري بين الأطفال وأمهاتهم وآبائهم ، وحول الإنسان إلى أسير في جسده وذاكرته وخوفه ، محاولا تفكيك الأسرة والمجتمع من الداخل. وكان الطفل الإيزيدي في قلب هذه المأساة ، لأنه لم يكن ضحية القتل وحده ، بل كان ضحية محاولة اقتلاع طفولته من جذورها.
ولم يكن ما فعله داعش بأطفال سنجار اعتداء على أفراد صغار فحسب ، بل كان اعتداء على الإنسان ومستقبله كمجتمع بشري ، لأن الطفل هو الصورة الأولى لما سيكون عليه المجتمع غدا. أما الأم ، فكانت بالنسبة إلى هؤلاء الأطفال آخر حصون الأمان ، وهي كما يقول الاديب الروسي تولستوي في تعبير له عن عمق الأمومة : كل ما أنا عليه ، أو ما أطمح أن أكونه، أدين به لأمي. ولذلك ، حين ينتزع الطفل من أمه ، لا ينتزع منها شخصا تحبه فحسب، وإنما ينتزع منها جزءا من ذاتها، أو كبدها كما تعبر الأمهات عن ذلك ، فهو حلم عمرها وذاكرتها الأجمل وصورة المستقبل الذي تريد أن تراه في عينيه.
من بين القصص التي تروى عن تلك المأساة، قصة أم إيزيدية وقعت في أسر تنظيم داعش مع طفلها الرضيع.
في أحد أيام اختطافها، انتزع منها الدواعش طفلها الصغير، الذي لم يتجاوز عمره عاما واحدا، لمجرد أنه كان يبكي بشدة من الجوع. إن بكاء الطفل يفترض أن يثير الشفقة ، لم يثر في خاطفيه الدواعش سوى موجة من الغضب ، اوقظت فيهم وحشيتهم ، في مشهد يكشف إلى أي حد يمكن أن يصل تجرد الإنسان من إنسانيته حين يتحول العنف والحقد إلى عقيدة والقسوة إلى سلوك.
اما الام ، وبعد ابعاد وليدها من أحضانها، حُرمت ثلاثة أيام من الطعام عمدا على قلة ذلك الطعام اليومي فتاته وسوء نوعيته ، وهي طوال هذا الوقت كانت تبكي وتصرخ وتستند السماء بحثا عن وليدها، حتى بلغ بها الجوع والإنهاك حدا فقدت قدرتها حتى على البكاء. في مساء اليوم الثالث هذا ، بلغ مشهد الوحشية المعد لها ذروته ، إذ قدم لها أحد عناصر داعش طبقا من الأرز واللحم، وهي وجبة لم تذق مثلها منذ أن كانت بين أفراد عائلتها قبل أن يشن أولئك الغزاة حملتهم لإبادة عموم أهلها في سنجار.
كانت جائعة إلى الحد الذي لم يعد معه للجسد قدرة على مقاومة الطعام ، فأكلت. أكلت لأنها إنسانة جائعة ، ولأن الجسد، مهما بلغ به الخوف والإنهاك ، يبحث عن أسباب البقاء.
ومن المؤكد انها ، في تلك اللحظات ، كانت تستعيد في داخلها صورة طفلها، وتتساءل: أين هو ، وهل ما يزال حيا ، وهل ستحتضنه من جديد؟. كانت قد رأت بعينيها أطفالا بأعمار اخرى لأمهات أخريات ينتزعون عنوة من أحضان أمهاتهم ، دون أن تعرف تلك الأمهات إلى أين اقتيد أطفالهن ، وما الذي حل بمصائرهم. ولكنها كأي أم بقيت تأمل ان يعودون به إلى احضانها بعد ان عجز جسده مثلها حتى عن البكاء الذي ازعجهم.
لكن الصدمة الكبرى جاءت إلى تلك الأم بعد انتهاء الوجبة مباشرة ، فقد أخبرها أحد عناصر داعش ، متشفيا ، أن اللحم الذي تناولته كان لحم طفلها الذي انتزعوه منها وذبح لآن بكائه المستمر ازعجهم. هنا ثارت ثائرة الام ، وجن جنونها وفقدت اثر ذلك اتزانها النفسي، لتتحول منذ ذلك الوقت إلى أم شاردة الذهن، هائمة على وجهها تبحث عن وليدها بين الأطفال الذين تراهم في أحضان أمهاتهم.
هنا لم تعد الجريمة جريمة فحسب قتل ، ولا مجرد حرمان أم من طفلها ، بل محاولة لتحطيم أقدس رابطة عرفتها البشرية وهي رابطة الأم بطفلها.
لقد أرادوا أن يجعلوا من الطعام، الذي هو سبب للحياة ، وسيلة لإيصال الموت إلى روح أم لم تكن تبحث سوى عن لقمة تبقيها على قيد الحياة.
هكذا كانت وجبة الموت عند داعش حين أراد أن يحول أمومة الضحية إلى أداة لعذاب النفس.
وهنا تكمن فظاعة المشهد.
فالقاتل لم يكتف بإيذاء الجسد، وإنما أراد أن يلوث حتى معنى الطعام، وأن يحول غريزة البقاء إلى مصدر للرعب. إنها ليست جريمة ضد أم فقط، بل محاولة لإفساد المعنى الإنساني للأمومة ، وتحويل أكثر روابط الحياة قداسة إلى مساحة للخوف والوجع. فالأم التي أُخذ طفلها من بين ذراعيها لم تفقد طفلا فحسب ، لقد سُلب منها كل ما يربطها بالماضي وتأمله بالمستقبل.
هكذا حاول داعش أن يجعل من الأمومة نفسها ساحة للعذاب، ومن الطعام أداة للرعب ، ومن الحاجة إلى البقاء مدخلا إلى تحطيم الإنسان من الداخل.
لكن ما لا يستطيع القاتل أن يقتله هو الحقيقة. تبقى الأمومة أسمى من الجريمة ، وتبقى طفولة سنجار شاهدة على وحشية من أرادوا اقتلاعها من الحياة ، وتبقى ذاكرة الضحايا أقوى من كل محاولات طمسها.
تبقى الأمهات اللواتي انتزعت منهن أطفالهن مع ما حملنه من وجع وصبر وما مروا به من اهوال تندى لها جبين البشرية ، شاهدات على أن الإنسان حين يفقد إنسانيته ويتحول إلى وحش قاتل يمكن أن يرتكب أبشع الجرائم ، وأن المجتمع حين يحفظ ذاكرة ضحاياه يستطيع أن يحول الألم من جرح صامت إلى شهادة لا تموت.
الملحق :
داعش يطبخ طفلا ويطعمه لامه:
https://arabic.euronews.com/2017/06/29/iraq-daech-yazidi-cooked-baby-raped

