Homeاراءعندما يتحول المنبر إلى منصة للكراهية… من يحمي التعايش في كوردستان؟ماجد حسن

عندما يتحول المنبر إلى منصة للكراهية… من يحمي التعايش في كوردستان؟ماجد حسن

عندما يتحول المنبر إلى منصة للكراهية… من يحمي التعايش في كوردستان؟
تداولت صفحات التواصل الاجتماعي مؤخراً مقطع فيديو لرجل دين مسلم كردي يتحدث فيه، بحسب ما يظهر في المقطع المتداول، بلغة تحمل تحريضاً واضحاً ضد أتباع الديانة الإيزيدية، ويعبّر عن استعداد للهجوم عليهم إذا توفرت له الفرصة.
لقد كان وقع هذه الكلمات صادماً، ليس لأنها صدرت عن شخص عادي، بل لأنها صدرت عن رجل دين يفترض أن يكون المنبر الذي يقف عليه مساحة للتهدئة والإصلاح والتسامح، وأن يكون خطابه جسراً بين أبناء المجتمع، لا خندقاً يفصل بينهم.
نحن لا نريد أن نحاكم ديناً بسبب كلام شخص، ولا أن نحمّل المسلمين جميعاً مسؤولية خطاب يصدر عن فرد. فالإسلام شيء، وسلوك بعض المتطرفين الذين يتحدثون باسمه شيء آخر. كما أن المجتمع الكردستاني، بمختلف مكوناته الدينية والقومية، عاش قروناً من التداخل والتجاور، وكان التعايش بين المسلمين والإيزيديين والمسيحيين وغيرهم جزءاً من نسيج هذه المنطقة لان العالم المتحضر یری هكذا انتهاكات لحریة الرٲي والاعتقاد وانها سوف یضر بكم اكثر من غیره.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الاختلاف الديني إلى مبرر لإلغاء الآخر، وعندما يصبح وصف جماعة كاملة بالكفر مقدمة لتبرير الاعتداء عليها.
وهنا ينبغي أن نتوقف طويلاً.
فالتاريخ القريب ليس بعيداً عنا. لقد رأينا إلى أين يمكن أن يقود خطاب الكراهية والتحريض عندما يبدأ من المنبر وينتهي في الشوارع والبيوت والمقابر. لقد شاهد العالم الجرائم التي ارتكبها تنظيم داعش بحق الإيزيديين في سنجار، من قتل وسبي وتهجير واستعباد للنساء والأطفال. ولم تبدأ الكارثة يوم سقطت المدن بيد المسلحين؛ بل سبقتها سنوات من خطاب يصنف البشر، ويقسمهم إلى «مؤمنين» و«كفار»، ثم يمنح نفسه الحق في تقرير من يستحق الحياة ومن يستحق الموت.
ولهذا فإن أي خطاب يعيد إنتاج المنطق نفسه، مهما كان صاحبه أو موقعه، يجب أن يؤخذ على محمل الجد.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع هو أن يعتاد أفراده سماع التحريض ثم يتعاملوا معه باعتباره مجرد «رأي». فالكراهية لا تولد جريمة كبيرة في يوم واحد؛ تبدأ بكلمة، ثم بخطبة، ثم بتبرير، ثم بتحريض، ثم يتحول التحريض إلى فعل عندما تتوفر الظروف المناسبة.
ومن هنا فإن مسؤولية حكومة إقليم كوردستان والمؤسسات الأمنية والقضائية والدينية ليست في الدفاع عن الإيزيديين وحدهم، وإنما في حماية المجتمع بأسره من خطاب التطرف.
نحن نطالب الجهات المختصة بالتحقق من صحة المقطع المتداول، والتحقيق في مضمونه وفي هوية المتحدث، واتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة إذا ثبت أنه يتضمن تحريضاً على العنف أو الكراهية أو تهديداً لفئة دينية على أساس معتقدها.
فحرية التعبير لا تعني حرية التحريض على قتل الآخرين، وحرية المعتقد لا تعني منح أحد الحق في تهديد معتقدات الآخرين أو التحريض ضدهم.
إن كوردستان التي نريدها ليست كوردستان المسلم وحده، ولا الإيزيدي وحده، ولا المسيحي وحده، ولا أي مكون بمفرده. كوردستان التي تستحق أن نبنيها هي التي يشعر فيها الجميع أن القانون يحميهم، وأن اختلاف الدين لا يجعل من الإنسان عدواً للإنسان.
والمنبر الديني، قبل أي شيء، أمانة.
ومن يعتلي المنبر لا يملك حق تحويله إلى منصة لصناعة الأعداء، أو زرع الخوف في نفوس الناس، أو إعطاء الشرعية الأخلاقية للعنف.
لقد دفع الإيزيديون ثمناً باهظاً نتيجة خطاب الكراهية والتكفير، وما زالت آلاف العائلات تحمل جراح الإبادة والتهجير والفقدان. ولذلك فإن السكوت عن أي خطاب يعيد إنتاج تلك العقلية ليس تسامحاً، بل تقصير في حماية المستقبل.
إن محاربة التطرف لا تكون فقط عندما يحمل المتطرف السلاح؛ بل تبدأ قبل ذلك بكثير، عندما يبدأ بالكلمات.
ولهذا نقول بوضوح:
لا نريد الانتقام من أحد، ولا نريد معاقبة إنسان بسبب دينه أو قوميته. نريد فقط دولة تحاسب من يحرض على العنف، أياً كان دينه أو قوميته أو موقعه.
فإذا كان هناك من يعتقد أن الاختلاف الديني يمنحه الحق في قتل الآخر، فليعلم أن القانون والدولة والمجتمع يجب أن يقفوا جميعاً في وجه هذه العقلية.
الإيزيدي ليس عدواً للمسلم، والمسلم ليس عدواً للإيزيدي، والكوردي المسلم والكوردي الإيزيدي أبناء أرض واحدة، ومستقبلهم لا يمكن أن يُبنى إلا على الاحترام المتبادل.
أما الذين يحاولون زرع بذور الكراهية بين أبناء كوردستان، فعليهم أن يدركوا أن المجتمع تعلم من مآسي الماضي، وأنه لن يسمح بتحويل الاختلافات الدينية إلى وقود لحرب جديدة.
اليوم تبدأ المسؤولية بكلمة قانونية حازمة: لا للتكفير، لا للتحريض، لا لخطاب الكراهية، ولا لمن يحاول تحويل المنبر إلى مصنع للكراهية.
فكوردستان بحاجة إلى رجال دين يبنون الجسور، لا إلى دعاة يهدمونها.
وبحاجة إلى خطباء يدعون إلى الرحمة، لا إلى من يفتحون أبواب الجحيم أمام أتباع الديانات الأخرى.
وبحاجة إلى قانون يحمي الجميع، لأن حماية الإيزيدي اليوم من خطاب الكراهية هي في النهاية حماية للمسلم والمسيحي والكوردي وكل مواطن غداً.
فالتعايش ليس شعاراً نعلقه على الجدران، بل مسؤولية يومية، وأول شروطه أن يكون الإنسان آمناً من الكلمة التي قد تسبق الرصاصة.

 

الاشتراك
نبّهني عن
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

Most Popular