للإيزيديين مثلٌ قاسٍ، لا يبدو أنه وُلد من الحكمة بقدر ما وُلد من كثرة النجاة:
« يقول إن عاشرتَ كوردياً ووجدته من ذهب، فأحببت الاحتفاظ به، فاثقب جيبك وضعه فيه كي يقع منك، لأنه مهما كان ذهــــــــــباً ……. سيأتي يوم ويغدر بك .»
مثلٌ ظالم ؟
ربـــــــــــــــــــــــــما.
لكن المشكلة أن التاريخ لم يتقدم حتى الآن بشكوى ضده.
كنا نودّ أن نقول إن الخوف بالغ، وإن الذاكرة الجمعية للإيزيديين أساءت الظن، وإن الفرمانات القديمة جعلت الإيزيدي يرى الأشباح في وجوه الأحياء.
ثم جاء الإنترنت والعولمة.
وكان يُفترض أن يقتلا الخرافة.
فإذا بهما يحييان الذاكرة.
لم تعد ذاكرة الإيزيدي بحاجة إلى جدٍّ يروي، ولا إلى مؤرخٍ يوثّق، ولا إلى مقبرةٍ تشهد.
يكفي أن يفتح هاتفه.
هناك في مكان ما سيجد من يفتح الكاميرا بنفسه، يرتب عمامته، يستدعي الله والدين والمذهب والقومية، ثم يقدم للتاريخ دليلاً جديداً، وهو يظن أنه يقدم موعظة.
شكراً للعولمة.
لقد جعلت التحريض أكثر شفافية.
وحين يقول أحدهم للإيزيديين:
سننفيكم أو نبيدكم.
فهو لا يهددهم بالمستقبل فقط.
إنه يعتذر من المثل الإيزيـــــدي عن كل مرة شككنا فيها بصحته.
ننظر عندها إلى جيب التاريخ المثقوب ونــــــــــفهم:
الجدة أو الجد لم يكونا خياطين سيئين.
كانا مؤرخـــــــــــــــين.
كلما حاولنا إقناع الإيزيدي بأن ذلك المثل قاسٍ، خرج متطرف من مكان ما ليقول:
اتركــــــــــوه …… سأثبت لكم أنه ما زال صالحاً.
مرةً يحمل الله على لسانه.
ومرةً يحمل المذهب على كتفه.
ومرةً يلف القومية حول الجريمة كالعَلَم.
ثم يُقتل الإنســــــــــان ……
ويبقى الجميع أبرياء لأن كل واحد منهم كان مشغولاً بالدفاع عن شيء « مقــــــــــدس ».
الله محمي.
الدين محمي.
المذهب محمي.
القومية محمية.
وحده الإنســــــــــــــــــــان بلا حماية.
لهذا لم تكن الحكمة الإيزيدية ترفاً فلسفياً.
كانت جرحاً تعلّم الكلام.
كل فرمان علّمها كلمة.
كل خيانة صححت عبارتها.
كل مقبرة وضعت نقطة.
ثم جاء الإنترنت …….!
ووضع الكاميرا أمام الشاهد.
نقول للإيزيـــــدي:
لا تجعل الماضي يحكم على الحاضر……!
فيخرج بعض الحاضر مسرعاً ليشهد لصالح الماضي.
نقـــــول:
الزمن تغيــــــــــر …….!
فيجيب المنبر:
أما الخطاب، فلا داعي للمبالغة في تحديثه.
وهنا تكمن أقسى سخرية:
لسنا نحن من يثبت المثل.
خصومه يفعلون ذلك بأنفسهم.
كنت أتمنى أن يخسر هذا المثل.
أن يأتي جيل إيزيـــــدي يضحك منه، ويقول إن أجداده كانوا شديدي الحذر، وإن الزمن أثبت أنهم أخطأوا.
لكن الأمثـــــال التي صنعتها المعاناة لا تموت بالندوات ولا بخطب التعايش.
تموت حين يتوقف الواقع عن تغذيتها.
وحتى يحدث ذلك، سيبقى المثل جالساً في زاوية الذاكـــــرة.
سنقول له: هذه المرة وجدنا ذهباً.
سينظر إلى التاريخ.
ثم إلى المنبر.
ثم إلى المقابر.
ثم يبتسم تلك الابتسامة التي لا نحبها ويقول:
احتفظوا بالذهب إن شئتم …….!
لكن، من فضلكم، لا تُصلحوا ثقب الجيب بعد.
فالحكمة قد تخطئ.
والذاكرة قد تظلم.
والمثل قد يقســـــو.
لكن حين تعود التجربة لتشرح نفسها بالصوت والصورة.
تصمت الفلســـــفة.
ويفــــــــــوز المثل.
11.Aug.2026

