Homeاراءحين تحولت الطفولة في سنجار إلى هدف للإبادة الجماعية على أساس الهوية...

حين تحولت الطفولة في سنجار إلى هدف للإبادة الجماعية على أساس الهوية الدينية : ب. د. خالد محمود خدر

 

لم يكن ما جرى في سنجار في الثالث من آب 2014 على يد داعش غزوا عابرا ارتكبت خلاله عصابات مسلحة جرائم ضد الإيزيديين ، بل كان حملة إبادة جماعية استهدفت مكونا بسبب هويته الدينية ، وتركت وراءها واحدة من أكثر المآسي الإنسانية قسوة في تاريخ العراق الحديث.

في ذلك اليوم  الاسود ، اجتاح داعش سنجار وقراها ، فقتل من وقع بيده من الرجال والشباب ، وفصل افراد الأسر عن بعضها بعد أن تقطعت الطرق بهم  ، واختطفت حينها النساء والفتيات والأطفال ، وإثر ذلك أجبر مئات الآلاف من أبناء المنطقة الايزيديين ، على النزوح واللجوء إلى جبل سنجار بحثا عن النجاة. ومن بين أكثر  صفحات تلك الجريمة قسوة ما ارتكب بحق الأطفال بمختلف اعمارهم.

فالطفلة التي كان يفترض أن تستيقظ في ذلك الصباح لتذهب إلى مدرستها ، أو تلعب مع قريناتها في المحلة ، أو تبقى إلى جانب أمها في البيت ، وجدت نفسها فجأة خارج العالم البسيط  الذي تعرفه.

لم يعد البيت هو ذلك  البيت ، ولا المدرسة تنتظرها تلك المدرسة  ، مثلما لم تعد الأم قريبة منها أو بين احضانها كما الفت ذلك كل يوم ، وغاب الأب الذي كان  يمنحها كل يوم ذلك الشعور البسيط بالأمان والحنان  الذي تحتاجه كل طفلة.

لقد وجدت نفسها في عالم صنعه الغزاة ، عالم من جحيم ملأت سمائه وأرضه  نيران الإرهاب  ودماء الضحايا ونحيب  الاطفال والنساء وانين الجرحى التي ملأت طرقات الحي في المجمعات السكنية والمدينة الرئيسة الخوف والفقد والاقتلاع. في هذا الجحيم وجدت الطفلة قد اقتيدت مع والدتها او مع أطفال آخرين بعيدا عن أهلها ، لتبدأ رحلة  الام لم تخترها ، ولم تكن تعرف إلى أين ستنتهي. وكل ما تعرفه أنها اختطفت لأنها إيزيدية ، ولأنها أنثى، ولا يهم الغزاة في هذا طفولتها ، ليفهم من هذا أن اختطاف الطفلة الإيزيدية لم يكن جريمة اختطاف ،فحسب ، بل كانت جريمة استهدفت الإنسان في هويته ، والطفولة في معناها ، والأسرة في وجودها. وهذا هو ما كان الغزاة يرمون إليه في الإبادة الجماعية.

هكذا ، كانت الطفلة ضحية لأنها طفلة ، وضحية لأنها إيزيدية ، وضحية لأنها أنثى ، وهنا تتضاعف المأساة. فالطفولة في أصلها مرحلة يفترض أن يعيش فيها الإنسان تحت حماية الأسرة ، يتعلم فيها الكلام واللعب والمحبة والثقة ، ويكتشف العالم من حوله بأمان ، ويبدأ في تكوين شخصيته وأحلامه. لكن داعش حاول أن ينتزع هذه المرحلة من حياة الطفلة. ولم يكتف باختطافها من بيتها ، بل حاول أن يقتلع منها كل ما يربطها بحياتها الأولى ، اسمها و لغتها ، أسرتها وذاكرتها ، موطنها وانتمائها له. ليكون هدف الدواعش بهذا  أبعد من السيطرة على جسد طفلة ، فقد كان محاولة لإعادة تشكيل هذه الطفلة من الداخل ، ومحو العالم الذي نشأت فيه ، وفرض عالم آخر عليها لم تختره. وهذا ما يجعل اختطاف الطفلة الإيزيدية جريمة تتجاوز الأسر الجسدي ، لتصبح محاولة لاختطاف الإنسان من ذاته ، واختطاف الطفولة من عناوينها.

كيف يمكن أن تكون الطفولة ملكا لأحد حتى يصادرها ، أو يعيد تشكيلها ، وكيف يمكن لأحد ، غير والدي الطفل ، أن  يقرر للطفل اسمه  ، اما الدين  واللغة فأمر متوارث عائليا ، واما المستقبل فيحدده ويقرره الطفل وحده عندما يبلغ  وباستشارة ومعونة والديه بداية.

الطفل أمانة الحياة ، وليس غنيمة غزو غادر ، والطفولة ليست مرحلة يمكن تعويضها بعد ضياعها ، لأنها زمن إذا مضى لا يعود. ولهذا فإن داعش لم يسرق من هؤلاء الاطفال الاناث  سنوات فقط ، بل سرق منهن أياما كان يجب أن تكون لهن ، ومدرسة كان يجب أن يدخلنها ، وأعيادا وافراحا كان يجب أن يعشنها مع أسرهن ، وأصدقاء كان يجب أن يلعبن معهم ، وأحلاما صغيرة كان يجب أن تكبرن معهن.

لتأخذ نماذج غير منتقاة ، لأطفال اختطفهن داعش ، ويمكن لمن يبحث عن المزيد من المعلومات مراجعة المصادر المعتمدة  في نهاية المقال  أو غيرها من المقالات والمؤلفات التي تناولت مآسيهن وغيرهم من المختطفات. 

الطفلة الأسيرة ملك ، كانت في الخامسة من عمرها عندما اختطفها داعش بعد اجتياح سنجار. وخرجت من الاختطاف والأسر  وهي في الحادية عشرة. كانت طفلة صغيرة في بداية اختطافها  ، لكنها وجدت نفسها فجأة  أسيرة مختطفة لم يرحم الدواعش طفولتها ، لتواصل طفولتها المجروحة وفق افكار داعش ونظرته للطفولة ، بعيدا عن أسرتها وأقاربها وعالمها الأول.

تنقلت ملك  او بالأحرى تنقل بها الدواعش ، خلال سنوات الأسر او السبي كما يطلقون عليه بطريقة الغزاة الاوائل ، بين مناطق عديدة في العراق وسوريا ، حتى وصلت إلى مخيم الهول في سوريا. ست سنوات كاملة مرت عليها وهي بعيدة عن بيتها وأهلها ، قبل أن تنجح جهود البحث عنها في الوصول إليها وتحريرها ، ثم إعادتها إلى أهلها في شباط 2020.

كانت رحلة الوصول إليها وتحريرها طويلة ومعقدة ، تخللتها أخبار متضاربة ومحاولات بحث في أماكن مختلفة ، إلى أن تأكد وجودها في مخيم الهول ، حيث أمكن تحريرها وتسليمها إلى الجهات التي تولت رعايتها ثم إعادتها إلى أسرتها.

لكن عودة ملك لم تكن نهاية القصة. فقد خرجت ، كما اشرت ، من بيت أهلها طفلة في الخامسة ، وعادت إليهم في الحادية عشرة. وبين العمرين ست سنوات من حياة لا يمكن استعادتها. خرجت طفلة صغيرة ، وعادت وهي تحمل سنوات لا تشبه سنوات الأطفال. ولهذا فإن تحرير الطفل من الأسر لا يعني أن آثار الأسر قد انتهت معه.

فالطفلة قد تغادر المكان او بالأحرى السجن الذي احتجزت فيه ، لكنها تحتاج بعد ذلك إلى أن تستعيد شعورها بالأمان من هول ما تعرضت له ، لتطمأن بعده  أن ما عاشته لن يتكرر ، والارهاب الذي مورس معها لم يعد له وجود. وهنا تبدأ مسؤولية أخرى ، مسؤولية إعادة بناء الثقة ، واستعادة الحياة ، ومساعدة الطفلة على أن تعود طفلة ما أمكن ، بعد أن سلبها الإرهاب سنوات من طفولتها. وتلك مسوؤلية  الدولة اولا وبعدها كل الموسسات والمنظمات الإنسانية ومعهم جهود كل الذين يحملون هم الإنسان والطفولة.

أفراح دخيل ، طفلة ثانية لم تستطع الكلام ، بعد أن تم تحريرها في عام 2017 من قبل القوات العسكرية العراقية  ، وكانت في الحادية عشرة من عمرها. اختطف داعش أفراح من قرية كوجو مع والدتها وأخواتها بعد أن استباح داعش قريتهم وأعطاهم ما سماه مهله حتى يوم  2014/8/15 ، لإعلان إسلامهم او قتلهم و استعبارهم وسبيهم، وكان ذلك مع أكثر من 500 رجل وشاب من القرية واضعافهن من الفتيات والاطفال، اما النساء الكبيرات في السن ، فقد تم اعدامهن جماعيا في منطقة قريبة لقريتهم.

عندما عثرت القوات العراقية على افراح ، بدت عليها علامات الخوف الشديد ، ولم تستطع أن تتحدث. كان صمت أفراح في تلك اللحظة أبلغ من كثير من الكلمات التي يمكن أن تقال في موقف مبكي بقدر ماهو مفرح. طفلة في الحادية عشرة من عمرها ، يفترض أن تتحدث عن مدرستها وأصدقائها وأحلامها الصغيرة ، وجدت نفسها عاجزة عن الكلام أمام رجال لا تعرفهم ، بعد سنوات قضتها بعيدة عن بيتها وأسرتها بين إرهابيين امتهنوا قتل الروح قبل الجسد.

لم يكن صمتها مجرد غياب للكلمات ، بل كان انعكاسا بليغا لصورة طفولة عاشت سنينا كلها مواقف مأساوية ، بما يفوق قدرتها على التعبير والابلاغ عن ما مرت به لرجال في أمن الدولة ، تراهم قبالتها لأول مرة بعد اوجاع سنين بين الرعاع. لقد كان في صمتها كلام كثير ، كلام عن بيت غاب ، وأم ابتعدت ، وطفولة انقطعت ، وعالم تغير فجأة حولها

إن الطفل لا يحتاج إلى كثير من الأشياء حتى يكون سعيدا. يحتاج إلى بيت آمن ، وأم وأب أو من يقوم مقامهما ، ومدرسة ، وأصدقاء ، ومساحة للعب ، وشعور بسيط بأنه محمي. و لكن داعش انتزع من أطفال سنجار حتى هذه الأشياء البسيطة ، وعمل  أن يحل محلها الارهاب والاقتلاع من الجذور والعزلة عن محيطها الطفولي ، ليميلي ذلك بسوداوية نظرته إلى الحياة. ومن هنا لا ينبغي أن تبقى صورة أفراح الصامتة مجرد صورة من صور تحرير المختطفين. إنها صورة لطفولة تعرضت لزلزال إنساني ، وتذكير بأن وراء كل اسم مختطف طفلا له ذاكرة وأسرة وحياة كان يجب أن يعيشها بطريقة مختلفة تماما.

أما ريهام حجي حمي ، فقد اختطفت وهي في التاسعة من عمرها خلال اجتياح سنجار ، وبعد نحو أحد عشر عاما ، تحررت من مخيم الهول في سوريا وهي في العشرين من عمرها ، وعادت شابة  إلى أسرتها او بقاياهم في سنجار.

بين التاسعة والعشرين لم تكن هناك سنوات عادية. كانت إحدى عشرة عاما  قضاها ريهام  بين اختطاف وفقدان أهل وانتظار تحرير. والأشد إيلاما أن ريهام لم تكن وحدها في تلك الرحلة ، فقد اختطف معها نحو ثلاثين شخصا من أقاربها ، ولا يزال مصير عدد منهم مجهولا ، ومن بينهم شقيقتها وخمسة من أشقائها.

ولنتخيل طفلة تدخل الأسر وهي في التاسعة ، ثم تخرج منه شابة في العشرين. لقد تغير وجه الزمن من حولها ، وتغيرت السنوات التي كان يفترض أن تعيشها في بيت أهلها ومدرستها وبين أقرانها.

كم من عيد مر على ريهام دون أهلها؟

كم من صباح كان يفترض أن تهل بوجهها فيه على والديها وتحييهم تحية الصباح ، قبل أن تتبرك بهم و تودعهم إلى مدرستها؟

كم من عيد ميلاد كان يفترض أن تحتفل به مع أسرتها؟

كم من صورة عائلية التقطت لعائلتها دون أن تكون هي جزءا منها؟

وكم من مرة انتظرت أمها أو إخوتها خبرا عنها ، دون جواب ؟

أما عن ريهام ، فإن السنوات التي سرقها داعش منها ، لا يمكن إعادتها ، لأنه ببساطة ، لا أحد  يستطيع أن يعيد الزمن الذي مضى أسراً واختطافاً. وهنا تكمن واحدة من أبشع صور الجريمة ، أن الإنسان قد يستعيد حريته ، لكنه لا يستطيع استعادة عمره الذي سرق منه. وهنا تكون جريمة داعش مضاعفة.

 

أما ليلى  ، فقد كانت طفلة لم تتجاوز العاشرة عندما اختطفها داعش من بيتها في سنجار مع شقيقتها. خرجت من بيت أهلها طفلة ، وعادت بعد إحدى عشر عاما شابة. وهذه الجملة وحدها تختصر مأساة كاملة. فالأطفال لا يكبرون بالسنوات وحدها. يكبرون بالمدرسة والأصدقاء والأسرة ، ويكبرون الأعياد  واللعب ، ويكبرون بأسئلة الطفولة الأولى  واستفساراتها ، مثلما يكبرون باحلام الطفولة الصغيرة التي تزويدهم جمالا ومحبة للحياة.                                                   لكن ليلى عاشت سنوات نموها في عالم آخر. بعد انهيار آخر معاقل داعش في الباغوز ، وصلت إلى مخيم الهول ، وبقيت هناك فترة وهي تخفي هويتها الإيزيدية عن بقية النساء خوفا على نفسها. ثم تمكنت ، بمساعدة إحدى الناجيات ، من الوصول إلى أهلها عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

كان صوت أهلها بالنسبة إليها أكثر من مجرد اتصال هاتفي.

كان صوت البيت الذي غاب عنها والماضي الذي اريد لها ان يموت بكل معانيه وإبعاده.

وحين التقت اخيرا بهم و بعد سنوات ، لم تكن الأسرة تستعيد طفلة فقدتها فحسب ، بل كانت تستعيد جزءا من ذاكرتها ، ونفس الشيء يقال عن ليلى.

لقد غير داعش اسم ليلى خلال سنوات الأسر ، وغير اللغة التي اعتادت عليها ، مثلما تغيرت وتبدلت البيئة والعادات التي نشأت فيها. حاول داعش أن يعيد تشكيل عالمها ، وأن يقطع الصلة بينها وبين حياتها الأولى.

لكن شيئا بقي معها ، بقي اسمها الأول وذاكرة أهلها وصورهم ،  والحنين الذي ظل يحملها إلى مسقط راسها الذي بدأت فيه حياتها.

وهنا تظهر إحدى أهم حقائق هذه الجريمة التي تتجلى في ان

الإرهاب يستطيع أن يحاصر الطفل ، وأن يغير المكان من حوله ، وأن يحاول فرض اسم جديد عليه ، لكنه لا يستطيع بسهولة أن يمحو كل ما تركته الأسرة في أعماقه.

وحين عادت ليلى إلى أهلها ، لم تعد السنوات التي ضاعت ، لكنها استعادت ما هو أثمن ، استعادت البيت والأسرة ، وإمكانية أن تبدأ حياة جديدة.

أربع فتيات باعمار الطفولة  ، بل أربعة وجوه لطفولة واحدة

ملك وأفراح وريهام وليلى ، فهو لسن أربع قصص منفصلة.

إنهن أربع نوافذ صغيرة تطل على مأساة أكبر بكثير تشكل جزءا من مشروع إبادة جماعية.

خلف كل واحدة منهن طفلة أخرى اختطفت ، وأم أخرى انتظرت ، وأب أو أخ أو أخت عاشوا سنوات على سؤال واحد: أين هي؟ 

اين هي ملك ؟   اين هي افراح؟  

اين هي ريهام؟    اين هي ليلى؟ 

وراء كل طفلة مختطفة بيت بقي ناقصا.

وراء كل اسم مفقود أم لا تزال تنتظر.

وراء كل فتاة عادت إلى أهلها سنوات لا يمكن استعادتها.

ولهذا فإن اعداد المختطفات  ، مهما كبر ، لا يستطيع أن يقول كل شيء.

فالعدد او الرقم  لا يخبرنا عن أم تنتظر ابنتها.

ولا يخبرنا عن طفلة دخلت الأسر وهي في الخامسة وخرجت منه في الحادية عشرة.

ولا يخبرنا عن طفلة اختفت في التاسعة ثم ظهرت شابة في العشرين.

ولا يخبرنا عن سنوات عاشتها طفلة دون أن تسمع صوت أمها.

وراء كل رقم إنسان.

وراء كل اسم بيت.

وراء كل مختطف طفولة كان يجب أن تكون مختلفة.

حين تكون الطفلة ضحية مرتين

ربما كان أكثر ما ينبغي أن يتوقف الإنسان عنده في مأساة الإيزيديات الصغيرات أنهن لم يكن مجرد أطفال وقعوا في الحرب. لقد كن اطفالا و فتيات استهدفت هويتهن ، واستهدفت أنوثتهن ، واستهدفت علاقتهن بأسرهن.

فالطفلة تحتاج إلى سنواتها الأولى حتى تعرف نفسها ، وتتعلم كيف تثق بالعالم ، وتبني شخصيتها وأحلامها.

أما حين تنتزع من بيتها وتوضع في بيئة غريبة عنها ، فإنها تفقد البيئة التي كان يفترض أن تساعدها على النمو الطبيعي.

لقد حاول داعش أن يصادر حقها في أن تكبر كما تريد الحياة لها أن تكبر.

حاول أن يقرر لها اسمها ، ولغتها ، وعالمها ، ومستقبلها.

وهذا هو المعنى الأعمق لعبارة سرقة الطفولة. فالطفولة ليست مجرد عمر بين عام وعام آخر. إنها زمن التكوين ، وإذا سرق الإرهاب هذا الزمن ، فإنه لا يسرق أياما فقط ، بل يتدخل في تكوين الإنسان نفسه ، ولهذا فإن حماية الأطفال ليست عملا من أعمال الرحمة فقط ، بل هي دفاع عن حق الإنسان في أن يصبح الإنسان الذي كان يمكن أن يكونه.

ويرى جان جاك روسو أن للطفولة عالمها الخاص في النظر والتفكير والشعور ، وأن الطفل ليس رجلا صغيرا ، بل إنسان له حاجاته وخصائصه وحقه في أن يعيش مرحلته كما هي.

أما ما فعله داعش فكان النقيض الكامل لذلك. لقد حاول أن ينتزع الطفل من طفولته ، والفتاة من أمانها ، والإنسان من أسرته ، ثم يعيد تشكيله وفق مشروعه.

لقد تحررت سنجار من سيطرة داعش ، وانتهى وجود التنظيم في المدن والمناطق التي احتلها. لكن تحرير الأرض لا يعني بالضرورة انه تم تحرير كل إنسان وخاصة المختطفين والمختطفات. وهنا تكمن مسؤولية الدولة والمجتمع.

القضية الايزيدية لا تنتهي بتحرير فتاة أو فتاة أخرى. ومن جانب آخر ، لا يجوز أن تتحول قضية المختطفات والمفقودين إلى خطاب يتكرر في ذكرى اختطافهم في الثالث من آب من كل عام ، أو عبر كلمات  تقال  في مواسم معينة ثم تختفي. فما زال من المختطفات اعدادا كبيرة مجهولي المصير ، وتحتاج إلى بحث حقيقي وجهد مستمر  لتحريرهن.

كما أن الناجية لا تحتاج فقط إلى أن يقال لها ، لقد تحررت.

بل تحتاج إلى أن تشعر أن الوطن الذي عادت إليه لم ينسها.

فاستعادة الإنسان لا تعني إخراجه من أسره  فقط ، إنها تعني مساعدته على استعادة الأمان والاطمئنان ، والتعليم والثقة بالحياة ، والقدرة على النظر إلى المستقبل دون أن يبقى الماضي سجنا آخر له يعود إليه في كوابيس لا تنتهي. وهذا يعني أن مسؤولية الدولة لا تنتهي عند استعادة الأرض ، بل تمتد إلى استعادة الإنسان واستعادة الطفولة.

في كل مرة يسمع فيها عن تحرير طفلة او  فتاة إيزيدية بعد سنوات من الاختطاف ، يجب ألا يقتصر السؤال فقط ، كيف تحررت؟. بل يجب أن يرافقه سوالا اخر: أين البقية؟

نعم ، كم طفلة ما زال اسمها في سجلات المفقودين؟ ، و كم أم ما زالت تنتظر خبرا؟.  وكم أسرة ما زالت تفتح بابها كل صباح على أمل أن تعود ابنتها؟. وكم طفولة ما زالت معلقة بين سجن معلوم  وذاكرة لا تريد أن تموت؟

إن مأساة المختطفات  من اطفال وفتيات ونساء ايزيديات ليست صفحة من الماضي. إنها جرح مفتوح في الضمير العراقي والإنساني.

وإذا كانت ملك قد عادت إلى أهلها ، وإذا استعادت أفراح حريتها ، وإذا عادت ريهام إلى أسرتها بعد أحد عشر عاما ، وإذا عادت ليلى بعد ست سنوات ، فإن هذه العودة لا ينبغي أنه يجب اغلاق الملف. بل يجب أن تجعل المعنيين يضاعف ا الجهد في البحث عن كل من لم يعد بعد إلى أهله وديارهم ، طفلا كان ام بالغا ، فتاة كانت أم امرأة بالغة.

العدالة تبدأ ، عندما يصبح البحث عن المفقودين عملا مستمرا ، لا خطابا موسميا.

والعدالة تكتمل ، عندما يعود آخر طفل أو طفلة إلى أهله.

عندها فقط يمكن أن القول إن سنجار لم تتحرر من داعش عسكريا فحسب ، بل بدأت تتحرر من آثار جريمة الإبادة الجماعية إنسانيا أيضا.

لقد حاول داعش أن يسرق من الإيزيديات أسماءهن وطفولتهن وذاكرتهن.

لكن ملك عادت.

وأفراح عادت.

وريهام عادت.

وليلى عادت.

وكل واحدة منهن تقول بطريقتها الخاصة ، إن الإرهاب قد يستطيع أن يخطف طفولة الإنسان ، لكنه لا يملك الحق في أن يقرر نهايتها.

ولهذا تبقى سنجار تنتظر أسماء أخرى.

وتبقى الأمهات ينتظرن أطفالهن وأبناءهن وبناتهن.

ويبقى الوطن مطالبا بأن يحول كلماته إلى أفعال ، ووعوده إلى عمليات بحث جادة.

أما سنجار ، فما زالت تنتظر عودة آلاف الأسماء الأخرى إلى بيوتها ، وما زالت قصص أطفالها ونسائها ورجالها تقول للعالم إن الجريمة لا تنتهي بانتهاء المعركة ، وإن استعادة الإنسان إلى أهله وذاكرته وكرامته هي جزء من العدالة نفسها.

فحين تعود آخر طفلة إلى بيتها ، وتسمع صوت أمها من جديد ، وتعرف أن الباب الذي انتظرها لم يغلق ، عندها فقط يمكن أن نقول إن الوطن قد أدى بعضا من دينه لطفولة سرقها الإرهاب ، بعدان  تقاعس الكل عن نجدتها وإنقاذها في الأيام الأولى للإبادة.

المصادر المعتمدة:

1-قناة العربية، نصير الجيلي، ابنة الـ11 عاماً حررت.. معاناة طفلة عراقية خطفها داعش، : 17 فبراير ,2020.

https://www.alarabiya.net/arab-and-world/iraq/2020/02/17/%D8%AA%D9%81%D8%A7%D8%B5%D9%8A%D9%84-%D9%85%D8%B1%D9%88%D8%B9%D8%A9-%D8%B9%D9%86-%D9%85%D8%B9%D8%A7%D9%86%D8%A7%D8%A9-%D8%B7%D9%81%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%8A%D8%B2%D9%8A%D8%AF%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D8%AE%D8%AA%D8%B7%D9%81%D9%87%D8%A7-%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%B4-

2-

https://www.dw.com/ar/%D8%A7%D9%84%D9%82%D9%88%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82%D9%8A%D8%A9-%D8%AA%D8%AD%D8%B1%D8%B1-%D8%B7%D9%81%D9%84%D8%A9-%D8%A5%D9%8A%D8%B2%D9%8A%D8%AF%D9%8A%D8%A9-%D8%AE%D8%B7%D9%81%D9%87%D8%A7-%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%B4-%D9%82%D8%A8%D9%84-%D8%AB%D9%84%D8%A7%D8%AB%D8%A9-%D8%A3%D8%B9%D9%88%D8%A7%D9%85/a-38537823

3- شقق نيوز ، 2025/7/24

https://shafaq.com/ar/%D8%A3%D9%85%D9%80%D9%86/%D8%AA%D8%AD%D8%B1%D9%8A%D8%B1-%D9%81%D8%AA%D8%A7%D8%A9-%D9%8A%D8%B2%D9%8A%D8%AF%D9%8A%D8%A9-%D8%A8%D8%B9%D8%AF-11-%D8%B9%D8%A7%D9%85%D8%A7-%D9%85%D9%86-%D8%A7%D8%AE%D8%AA%D8%B7%D8%A7%D9%81%D9%87%D8%A7-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D9%8A%D8%AF-%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%B4

4-

https://www.alarabiya.net/social-media/2020/05/11/%D8%AE%D8%B7%D9%81%D8%AA-%D8%B7%D9%81%D9%84%D8%A9-%D9%84%D9%8A%D9%84%D9%89-%D8%AA%D8%B9%D9%88%D8%AF-%D9%84%D8%A3%D9%87%D9%84%D9%87%D8%A7-%D8%A8%D8%B9%D8%AF-6-%D8%B3%D9%86%D9%88%D8%A7%D8%AA-%D9%81%D9%8A-%D9%83%D9%86%D9%81-%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%B4-

5-

https://www.youm7.com/story/2020/5/8/%D9%82%D8%B5%D8%A9-%D9%81%D8%AA%D8%A7%D8%A9-%D8%A3%D9%8A%D8%B2%D9%8A%D8%AF%D9%8A%D8%A9-%D8%AE%D8%B7%D9%81%D9%87%D8%A7-%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%B4-%D9%88%D8%B9%D9%85%D8%B1%D9%87%D8%A7-10-%D8%A3%D8%B9%D9%88%D8%A7%D9%85-%D9%88%D8%AD%D8%B1%D8%B1%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%85/4764947

 

الاشتراك
نبّهني عن
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

Most Popular