
مطرقة من حديد… وقلوب لا تعرف الخذلان
حين تندلع الحروب، لا يعود الوطن مسؤولية الجيوش وحدها، ولا يصبح الدفاع عنه مهمةً محصورةً بمن يحمل السلاح. في ساعات المحن الكبرى، يتقدم الوطن إلى الصف الأول، ويصبح كل مواطن، مهما كان انتماؤه أو دينه أو قوميته، جزءًا من معركة البقاء.
وفي العراق، الذي عرف الحروب والحصار والمآسي أكثر مما عرف سنوات الهدوء، برزت صفحات مشرقة من تاريخٍ لم يكتبها الجنود وحدهم، بل كتبها رجال آمنوا بأن الوطن لا يتجزأ، وأن دماء العراقيين حين تُراق دفاعًا عن أرضهم تصبح واحدة، مهما اختلفت أسماؤهم وأصولهم.
ومن بين تلك الصفحات، تقف قصة رجالٍ إيزيديين من سنجار، وقفوا في جبهات العراق، كما تقف إلى جانبها قصة رجلٍ من البصرة، جاء من أقصى الجنوب ليحاول إنقاذ أناسٍ لم يلتقِ بهم من قبل، لكن الوطن والإنسانية جمعته بهم قبل أن تجمعهم الجغرافيا.
في الحرب العراقية الإيرانية، بين عامي 1980 و1988، كان الجنوب العراقي واحدًا من أكثر ميادين الحرب اشتعالًا. وفي معركة استعادة الفاو عام 1988، التي كانت من أبرز المعارك في الأيام الأخيرة للحرب، شارك العميد باشا السنجاري، الإيزيدي القادم من سنجار، في الدفاع عن الأرض العراقية واستعادة ما احتلته القوات الإيرانية.
لم يكن باشا السنجاري يقاتل دفاعًا عن سنجار وحدها، ولا عن الإيزيديين وحدهم. كان يقاتل عن العراق، وعن أرض الجنوب، وعن مدينة الفاو، وعن البصرة التي ربما لم تكن يومًا موطنه الأول، لكنها كانت جزءًا من وطنه.
وفي ساحات القتال، لا تسأل الأرضُ المقاتل عن مذهبه أو قوميته. الأرض تعرف فقط من وقف عليها حين كان الآخرون يتراجعون. وهناك، في الفاو، امتزج دم رجلٍ إيزيدي من سنجار بتراب الجنوب.
استشهد العميد باشا السنجاري، وترك خلفه حكايةً لا تنتهي بموته؛ لأن بعض الرجال لا يغادرون الحياة تمامًا، بل يتحولون إلى ذاكرة وطن، وإلى أمانة في أعناق الذين بقوا.
مرت السنوات.
تغيرت الأنظمة، وتبدلت الوجوه، وانتهت حرب وبدأت أخرى، وظل العراق يحمل ندوبه القديمة، إلى أن جاء الثالث من أغسطس/آب عام 2014، اليوم الذي انفتحت فيه واحدة من أكثر صفحات المأساة قسوةً في تاريخ الإيزيديين.
اجتاح تنظيم داعش الإرهابي سنجار، وفرّ الناس نحو الجبل، بينما كان الموت يلاحقهم من كل اتجاه.
كان هناك أطفال يحملون الخوف بدل الألعاب، ونساء يبحثن عن مأوى، وشيوخ أنهكتهم المسافات، وعائلات تركت بيوتها وأموالها وكل ما تملك، ولم تحمل معها سوى ما استطاعت أيديها أن تحمله.
وفوق جبل سنجار، كان آلاف المدنيين المحاصرين ينتظرون معجزة.
وفي تلك اللحظات، لم يكن السؤال: من هؤلاء؟ كان السؤال: كيف ننقذهم؟ ومن سماء العراق، ظهر رجل من البصرة.
اللواء الطيار ماجد التميمي. كان يعرف أن المهمة محفوفة بالمخاطر، وأن الوصول إلى المحاصرين فوق الجبل ليس أمرًا سهلًا. لكنه عرف أيضًا أن هناك بشرًا ينتظرون الموت، وأن الطيار الذي يستطيع أن يحاول لا يملك حق أن يختبئ خلف الخوف.
حاول. ثم حاول مرة أخرى. كان يقترب من الجبل، يبحث عن طريقٍ إلى أولئك الذين حاصرتهم الجريمة من كل جانب.
لم يكن يعرف أسماء الجميع. لم يكن يعرف من أي قرية جاء هذا الطفل، ولا من أي عائلة جاءت تلك المرأة، ولا إلى أي بيت ينتمي ذلك الشيخ.
لكنه كان يعرف شيئًا واحدًا:
إنهم عراقيون… وإنقاذهم واجب. وفي إحدى محاولاته، سقطت طائرته. وسقط معها رجلٌ كان قد ترك أهله في البصرة، وصعد إلى سماء سنجار بحثًا عن أناسٍ لا تربطه بهم قرابة الدم، لكن تربطه بهم قرابة الوطن والإنسانية.
وهكذا، أصبح جبل سنجار شاهدًا على قصة رجلٍ من الجنوب جاء لينقذ أهل الشمال، كما شهدت الفاو من قبل قصة رجلٍ من سنجار جاء ليدافع عن الجنوب. ما أعجب العراق حين يكتب أبناءه أجمل صفحات وحدته بالدم! باشا السنجاري ذهب إلى الفاو، فدفع حياته دفاعًا عن أرض الجنوب. وماجد التميمي جاء إلى سنجار، فدفع حياته محاولًا إنقاذ أهلها.
بين الرجلين سنوات طويلة ومسافات بعيدة، لكن بينهما طريقًا واحدًا اسمه الوطن. أحدهما ترك سنجار متجهًا إلى الجنوب، والآخر ترك البصرة متجهًا إلى سنجار. وكأن التاريخ أراد أن يقول للعراقيين:
إذا كان الوطن واحدًا، فإن دماء أبنائه لا تعرف الحدود بين الشمال والجنوب. واليوم، وبعد اثني عشر عامًا على استشهاد الطيار ماجد التميمي، أعاد أهل سنجار إحياء ذكرى هذا الرجل الشجاع، وأوقدوا الشموع فوق الجبل، لا لإحياء الحزن وحده، بل لإحياء الوفاء.
فالشمعة التي أُضيئت فوق سنجار لم تكن مجرد شعلة صغيرة في ليلٍ طويل. كانت رسالة. رسالة إلى البصرة تقول:
ما زلنا نتذكر ابنكم. ورسالة إلى العراق تقول: لا تنسوا من ماتوا من أجل بعضهم. ورسالة إلى الأجيال القادمة تقول:
هناك رجالٌ يجب ألا تسمحوا للنسيان أن يقتلهم مرةً ثانية. لقد كان ماجد التميمي ابن البصرة، لكنه في لحظة المحنة أصبح ابن سنجار أيضًا. وكان باشا السنجاري ابن سنجار، لكنه حين وقف في الفاو أصبح ابن البصرة والجنوب أيضًا. وهذه هي قيمة الوطن حين يكون الوطن فوق الانتماءات الضيقة.
إن العراقيين، في لحظاتهم النبيلة، أثبتوا أنهم قادرون على أن يكونوا عائلةً واحدة؛ فحين يهدد الخطر بيتًا عراقيًا، ينبغي أن يشعر كل العراقيين أن بيتهم مهدد.
قد تستطيع التنظيمات الإرهابية أن تقتل، وأن تهدم، وأن تهجر، وأن تزرع الخوف، لكنها لن تستطيع أن تمحو تلك الحقيقة:
أن بين العراقيين من دفع حياته دفاعًا عن عراقيين آخرين لم يسألهم يومًا عن دينهم أو قوميتهم. ومن هنا، فإن إحياء أهل سنجار لهذه الذكرى ليس مجرد استذكار لشهيد، بل هو استعادة لقيمة إنسانية ووطنية نحن بأمسّ الحاجة إليها.
فماجد التميمي لم يكن يبحث عن مقابل. وباشا السنجاري لم يكن ينتظر ثمنًا لدمه. كلاهما أدرك أن الوطن لا يُقاس بما يعطيك، بل بما أنت مستعد أن تعطيه له حين يحتاج إليك. ولهذا ستبقى الفاو شاهدةً على دم باشا السنجاري، وسيبقى جبل سنجار شاهدًا على دم ماجد التميمي. وستبقى المسافة بين البصرة وسنجار أقصر مما يتخيلها البعض؛ لأن الطريق الذي يربط العراقيين ليس طريقًا من إسفلت، بل طريقٌ من الدم والتضحيات والوفاء.
رحم الله العميد الشهيد باشا السنجاري. ورحم الله اللواء الطيار الشهيد ماجد التميمي. ورحم الله جميع شهداء العراق، من كل قومياته وأديانه ومكوناته. لقد رحل الرجال، لكن مواقفهم بقيت. وبقيت رسالتهم واضحة: الدين لله، والوطن للجميع، والإنسانية لا تعرف لونًا ولا قومية ولا حدودًا. فحين تتوحد القلوب، يصبح العراقيون مطرقةً من حديد في وجه كل من يحاول كسرهم، وكل من يزرع بينهم الكراهية والفرقة. وسيظل أبناء سنجار، بإحياء هذه الذكريات، يقولون للعراق كله:
من وقف معنا في محنتنا لن ننساه، ومن دفع دمه من أجلنا سيبقى حيًا في ذاكرتنا، لأن الوفاء ليس مناسبةً عابرة… بل عهدٌ لا يموت

