Homeاراءحين يفقد الإنسان عائلته ووطنه في يومٍ واحد : ماجد حسن سلو

حين يفقد الإنسان عائلته ووطنه في يومٍ واحد : ماجد حسن سلو

 

في الثالث من آب/أغسطس 2014، لم يكن سمير فارس يعرف أن ذلك اليوم سيقسم حياته إلى نصفين: حياةٍ كانت فيها عائلته، وبيته، وأرضه، وذكرياته… وحياةٍ أخرى لم يبقَ فيها سوى الغياب.
سمير شاب إيزيدي من أهالي ناحية القحطانية في سنجار، عاش طفولته وشبابه بين أهله، في بيتٍ كان يحمل دفء العائلة وأصواتها وتفاصيلها الصغيرة. كان وطنه بالنسبة إليه شيئاً بديهياً؛ أرضاً ينتمي إليها، وبيتاً يعود إليه، وأشخاصاً يعرف أنهم سيكونون هناك عندما يعود.
لكن في ذلك الصباح الأسود، وصل تنظيم داعش الإرهابي إلى سنجار، وحوّل الحياة إلى جحيم.
لم يخسر سمير منزله فقط، ولم يُهجّر من أرضه فحسب، بل فقد عائلته بأكملها.
ولهذا كتب على صفحته الشخصية جملة قصيرة:
«فقدان العائلة بأكملها في 2014/8/3»
ثلاث كلمات تقريباً، لكنها كانت أثقل من أن تحملها الصفحات.
لم يكتب أسماءهم واحداً واحداً، ربما لأن أسماءهم كانت تسكن قلبه، وربما لأن الألم كان أكبر من أن يتحول إلى كلمات. كتب فقط: فقدان العائلة بأكملها.
وكأن اللغة نفسها عجزت عن وصف حجم الكارثة.
بعد ذلك اليوم، لم تعد سنجار هي سنجار التي عرفها سمير. تحولت البيوت إلى أماكن للخوف، والطرقات إلى مسارات للنزوح، والأبواب التي كانت تُفتح للأهل والأصدقاء أصبحت شاهدة على الغياب.
خرج سمير من وطنه مرغماً.
لم يكن يبحث عن حياة أفضل، ولم يكن يحمل حقيبة أحلامه كما يفعل المهاجرون عادةً. كان يحمل ما تبقى من حياته في ذاكرته، ويحمل في قلبه صوراً لأشخاص لم يعد يستطيع رؤيتهم، وأصواتاً لم يعد يستطيع سماعها، وبيتاً لم يعد يعرف إن كان سيعود إليه يوماً.
ومرت السنوات.
ثم جاء اليوم الذي عاد فيه سمير إلى سنجار بعد تحريرها.
ربما تخيل في الطريق أن البيت ما زال يحتفظ بشيء من ملامحه القديمة. ربما تخيل أن الباب سيذكره، وأن الجدران ستعيد إليه أصوات عائلته، وأنه حين يدخل سيشعر للحظة بأنه عاد إلى الماضي.
لكن البيت كان صامتاً.
كان الخراب في كل مكان.
وقف سمير وسط أنقاض منزله، وأخذ يقلب بيديه ما تبقى من أغراضه. لم يكن يبحث عن شيء ثمين، ولم يكن يبحث عن مال أو ممتلكات.
كان يبحث عن أثر.
صورة.
قطعة من ملابس.
غرضاً صغيراً لمسته يد أحد أفراد عائلته.
أي شيء يقول له إنهم كانوا هنا ذات يوم.
كان يقلب الركام بيديه، وكأنه يبحث عن عائلته بين الحجارة.
لكنه كان يعرف في داخله أن عائلته لن تخرج من تحت ذلك الركام.
كان يبحث عنهم في الأشياء، بعدما أصبح الوصول إليهم مستحيلاً.
بعض البيوت تهدمها القنابل، وبعضها تهدمها الحرب، لكن بيت سمير لم يهدمه الخراب وحده.
بيت سمير هدمه غياب أهله.
فحتى لو أعيد بناء الجدران، لن تعود العائلة إلى ذلك البيت.
وحتى لو عادت النوافذ إلى أماكنها، لن تعود الوجوه التي كانت تطل منها.
وحتى لو أُصلح الباب، فلن يكون هناك من ينتظر خلفه.
غادر سمير سنجار، لكن سنجار لم تغادره.
ظل يحملها معه أينما ذهب؛ في ذاكرته، في صمته، وفي تلك الصور التي لا تفارق قلبه. حمل شوارعها، وبيته، وأهله، وأيامه القديمة، وكأن الوطن أصبح حقيبةً لا يستطيع وضعها على الأرض.
بعض الناس يهاجرون لأنهم يريدون مستقبلاً أفضل.
أما سمير، فقد هاجر لأن الماضي نفسه طُرد منه.
لم يغادر وطنه لأنه كرهه، بل غادره لأن الموت والإبادة والخوف لم تترك له خياراً آخر.
وحين يصل الإنسان إلى مكان آمن بعد رحلة طويلة، قد يظن الآخرون أنه بدأ حياة جديدة.
لكنهم لا يعرفون أن بعض الناجين لا يبدأون حياة جديدة؛ إنهم فقط يتعلمون كيف يعيشون ببقايا الحياة القديمة.
سمير واحد من أولئك الذين نجوا جسداً، لكن جزءاً كبيراً من أرواحهم بقي هناك، في سنجار، بين البيوت التي تهدمت، والطرقات التي حملت خطى الهاربين، والأماكن التي شهدت اختفاء أحبائهم.
لقد فقد سمير عائلته في يوم واحد، وفقد وطنه في اليوم نفسه.
ومنذ ذلك اليوم، صار يعيش بين وطنٍ تركه جسده، ووطنٍ حمله قلبه معه.
هذه ليست قصة هجرة فقط.
إنها قصة إنسان انتُزع من جذوره، وفقد عائلته، ثم اضطر إلى أن يحمل ذاكرته وحيداً في بلاد الغربة.
إنها قصة سمير فارس.
الشاب الذي عاد يوماً إلى بيته، فلم يجد عائلته، فجلس أمام الركام يبحث عن شيء صغير يستطيع أن يأخذه معه.
ربما صورة.
ربما ذكرى.
ربما قطعة من بيتٍ لم يعد بيتاً.
لكن الحقيقة أن ما كان يبحث عنه لم يكن بين الحجارة.
كان يبحث عن عائلته.
وكان يعرف أن الشيء الوحيد الذي بقي منهم هو ذلك المكان في قلبه الذي لا يستطيع أحد أن يهدمه.
الرحمة والخلود لأرواحهم البريئة.
لن ننساك يا سمير فارس…
ولن ننسى أولئك الذين اختفوا في ذلك اليوم، ولا البيوت التي أُغلقت أبوابها إلى الأبد، ولا العائلات التي خرج منها الناجون بأجسادهم، بينما بقيت أرواحهم معلقة في سنجار.
فبعض المآسي لا تنتهي عندما تنتهي الحرب…
إنها تبدأ من جديد كلما عاد الناجي إلى ذاكرته.

هذه القصة بمناسبة الذكری الاليمة السابعة عشر لتفجیرات تلعزیر وسیبا شیخ خدري في ۱٤-۸-۲۰۰۷

الاشتراك
نبّهني عن
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

Most Popular