Homeاراءمركز لالش: من التأسيس إلى التسيّس...! : جهور سليمان خدر

مركز لالش: من التأسيس إلى التسيّس…! : جهور سليمان خدر

 

لم تكن ولادة “مركز لالش الثقافي والاجتماعي” وليدة المصادفة، بل جاءت تتويجاً لمحاولات ومخاضات تاريخية شاقة؛ إذ شهدت بداية السبعينيات، وتلاها مطلع التسعينيات في العراق، تحركات جادة من بعض النخبة الإيزيدية لتأسيس كيان ومركز ثقافي مستقل. غير أن تلك المساعي اصطدمت دائماً بجدار الرفض الأمني والتضييق من أجهزة السلطة الحاكمة آنذاك، والتي كانت ترى في أي تكتل ثقافي إيزيدي خطراً يجب كبح جماحه. وأمام هذا الانسداد السياسي والأمني، انطلقت التكتلات والتجمعات عبر السفرات والرحلات الجامعية للطلبة الإيزيديين، والتي كانت تُنظّم تحت ستار “التنزه” للتمويه والهرب من أعين الأجهزة الأمنية، ومن قلب تلك التجمعات الطلابية ولد حلم النخبة الإيزيدية.
كان الهدف بسيطاً ونبيلاً: إيجاد متنفس ثقافي يروي عطش سنوات الملاحقة والتهميش. وهكذا، وبعد انتفاضة عام 1991 وتحديداً في عام 1993، أبحر مشروع المركز رسمياً تحت شعاره الشهير بكونه نبعاً يصب في نهر الثقافة الكردية، ليصدر مجلته الرصينة ويعيد ترميم الهوية والتراث الإيزيدي المحروم.
وفي هذا الفضاء المتجدد، سطع نجم مجلة “لالش” الدورية لتكون الرئة الفكرية والسفير الثقافي للمكون الإيزيدي؛ إذ لم تكن مجرد صفحات تطبع، بل كانت منصة بحثية رصينة واستثنائية رفدت المكتبة الكردية والعراقية بكنوز من البحوث التاريخية والتراثية، ولا سيما ما يخص الشأن الإيزيدي والكردي. لقد نجحت المجلة في توثيق الفولكلور الشفاهي، وفك شفرات الطقوس الدينية العريقة، وإبراز الموروث الإيزيدي بأسلوب علمي رصين جمع بين الحفاظ على الأصالة ومواكبة الحداثة، ليغدو هذا النتاج الدوري مرجعاً لا غنى عنه للباحثين والمؤرخين، وشاهداً حياً على ثراء هذه الثقافة وعمق جذورها الضاربة في التاريخ.
لكن، وكما هي العادة في دراما السياسة الإقليمية، لم يدم صفاء الفكرة؛ فسرعان ما تحول النبع الصافي إلى جدولٍ معكّرٍ تسبح فيه الصراعات الحزبية. ومع تمدد النفوذ السياسي الحزبي وتصاعد الصراعات على السلطة، جرى “تأميم” المركز بالكامل. وبقدرة قادر، تحول مركز لالش من منظمة مجتمع مدني ناعمة ومستقلة إلى ما يشبه “وزارة سيادية” أو بوابة للصناعة التنفيذية، فلا ترفيع، ولا منصب إداري، ولا ترشيح حكومي لأي شخصية إيزيدية إلا عبر “فلتر” هذا المركز ورضاه السياسي. لقد تحول التراث والثقافة إلى أوراق اقتراع وميزانيات لشراء الذمم وتدجين المؤسسات الدينية وتوزيع المكرمات، حتى لم يعد ثمة فرق يُذكر بين إدارة صرح ثقافي ومكتب تنظيم حزبي متقدم!
ولأن عقدة “عدم الثقة” أصل أصيل في فلسفة السلطة المهيمنة، وصل الشطط التنظيمي بصناع القرار إلى حد الإصرار على فرض الإدارات والقيادات الإدارية عبر التعيين الإسقاطي والفوقي، وتهميش الإرادة الانتخابية الديمقراطية لأبناء المكون. وحين تتصاعد أصوات الاستهجان وسريان موجات الغضب الشعبي من هذا الاستخفاف بالشرعية المؤسسية، تُقدم الجهات النافذة عادةً على معالجات ترقيعية عبر تدوير الأسماء وتبديل الوجوه، متناسيةً أن المشكلة تكمن في آلية النهج والتعيين لا في هوية الشخص المختار. إن استبدال الواجهات مع الإصرار على المصادرة الديمقراطية وتغييب صندوق الاقتراع هو مجرد ذر للرماد في العيون لا يمنح أي شرعية تمثيلية حقيقية.
يبدو أن القيادات الحزبية لم تستوعب بعد دروس التاريخ القريب؛ فقد كان النظام السابق يستنسخ القيادات (الكرتونية) ويُفصّل التمثيل الشعبي على مقاسه، وكانت النتيجة النبذ والقطيعة. إن الإصرار على تحويل المؤسسات الثقافية إلى واجهات حزبية وهندسة التمثيل الإيزيدي بالأوامر الفوقية لن يزيد الشارع إلا نفوراً واشمئزازاً، ليس فقط من الممارسات الحزبية، بل حتى من فكرة الولاء القومي ذاتها التي بُني المركز على أساسها.
وفي ظل هذا الواقع المعقد، يبقى أملنا الوحيد مكمناً في تصحيح الحزب الديمقراطي الكوردستاني – الذي يحكم مناطقنا – لمساره ونهجه؛ وإلا فإن مصير الأقليات الدينية، وتحديداً الإيزيدية، سيكون في مهب ريح الهجرة لا محالة. فهل تستفيق القيادة السياسية وتُعيد للمؤسسة استقلاليتها قبل أن يجف النبع الزلال بالكامل…؟

الاشتراك
نبّهني عن
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

Most Popular