Homeاراءحين كان الخبز شحيحاً… كان الكرم وفيراً :ماجد حسن

حين كان الخبز شحيحاً… كان الكرم وفيراً :ماجد حسن

 

في الثالث من آب عام 2014، لم يكن جبل سنجار مجرد جبلٍ صخريٍّ احتمى به آلاف الفارين من الموت، بل أصبح ملاذاً أخيراً لأناسٍ تركوا خلفهم بيوتهم وأرزاقهم وذكرياتهم، وصعدوا إليه وهم لا يعرفون إن كانوا سيخرجون منه أحياء.

كان تنظيم داعش قد اجتاح سنجار، وبدأت واحدة من أبشع الجرائم التي عرفتها المنطقة بحق أهلنا الإيزيديين.
وفي تلك الساعات السوداء، لم يكن الموت وحده هو العدو.
كان هناك العطش، والجوع، والخوف، والحرارة اللاهبة نهاراً، والبرد القارس ليلاً، والجروح، والأمراض، والإرهاق الذي أنهك أجساد الآلاف من النساء والأطفال والشيوخ.
وسط كل ذلك، كان هناك أناس قرروا أن يكونوا في الجهة الأخرى من التاريخ…
جهة الحياة.
كان الدكتور آراز، الطبيب الكوردي المسلم من دهوك، واحداً من أولئك الذين لم يستطيعوا الوقوف بعيداً عن مأساة أهلهم.
يقول الدكتور آراز:
حين وصلتنا أخبار ما يجري في سنجار، قررنا نحن مجموعة من الأطباء والمضمدين أن نذهب إلى الجبل. أخذنا معنا كل ما استطعنا حمله من أدوية ومستلزمات طبية وأدوات إسعاف، وكل شيء كنا نعتقد أننا سنحتاج إليه لمعالجة المرضى والجرحى وإنقاذ من يمكن إنقاذه.
لم تكن الرحلة سهلة.
كان الصعود إلى الجبل شاقاً، وكانت الإمكانات التي نحملها متواضعة أمام حجم الكارثة. لكننا لم نكن نملك رفاهية التفكير في الصعوبة.
كان هناك بشر ينتظروننا.
وكان علينا أن نصل إليهم.
وصلنا إلى الجبل بعد جهد كبير، وبدأنا العمل بين الناس. كنا نعالج الجروح، ونحاول تخفيف آلام المرضى، ونساعد الأطفال والشيوخ، ونحاول أن نفعل أي شيء يمكن أن يخفف عنهم شيئاً من ذلك الجحيم.
كانت الشمس في النهار تحرق الوجوه والأجساد، وفي الليل ينقلب الجبل إلى مكان شديد البرودة.
كانت أجساد الناس المنهكة عاجزة عن مقاومة كل ذلك.
وفي إحدى الأمسيات، عندما اقترب المغرب، اجتمع الأطباء فيما بينهم.
كان عليهم أن يضعوا خطة جديدة.
كيف يمكن إنقاذ المزيد؟
كيف يمكن الوصول إلى المرضى الذين لم نصل إليهم؟
كيف يمكن تأمين الأدوية والماء والطعام؟
كان الجميع منشغلاً بالنقاش، حين جاء إلينا رجل من أهل الجبل.
كان اسمه، كما أتذكر، إبراهيم قاسو.
اقترب منا وطلب شيئاً.
كان يريد السكين الطويل الحاد الذي كان بحوزتنا، والذي كان يُستخدم كسلاح، ويُسمّى عند الناس بالقامة أو الحربة العسكرية.
قال إنه بحاجة ماسة إليه.
أعطيناه إياه.
ثم عاد كل واحد منا إلى ما كان يقوم به.
مضت فترة من الزمن، ونحن غارقون في الحديث عن المرضى والجرحى وخطط الإنقاذ، فإذا بإبراهيم يعود إلينا.
هذه المرة كان صوته أعلى، وكأنه يريد أن يسمعه الجميع:
أنتم الليلة ضيوفي… وعشاؤكم عندي!
نظرنا إليه باستغراب.
في تلك اللحظة لم نفهم كيف يمكن لرجل يعيش في تلك الظروف أن يفكر في دعوة الآخرين إلى العشاء.
قلت له:
— يا إبراهيم، أنتم لا تملكون حتى ماءً للشرب، فكيف تتحدث عن إعداد مائدة وطعام وضيافة؟
ابتسم الرجل، وكأنه لم يفهم لماذا نستغرب.
وقال ببساطة:
— كان عندي بعض النعاج… ذبحت لكم واحدة منها. الليلة تأكلون اللحم المشوي عندي.
ساد الصمت.
لم نعرف ماذا نقول.
كان الرجل يعيش معنا في الجبل، وسط الخوف والموت والجوع والحصار.
ومع ذلك، كان يرى في وجودنا عنده سبباً للضيافة، لا عبئاً إضافياً عليه.
لم يكن يسأل: ماذا بقي لي؟
بل كان يسأل نفسه: ماذا أستطيع أن أقدم لضيوفي؟
وهنا تكمن الحكاية.
لم يكن إبراهيم يملك الكثير.
لكنه كان يملك شيئاً أثمن من المال والطعام…
كان يملك الشهامة.
وكان يملك الكرم.
وكان يملك ذلك الشعور العميق بأن الضيف، مهما كانت الظروف، يبقى ضيفاً، وأن الإنسان لا يفقد إنسانيته حتى عندما تحاصره الكارثة.
ثم يروي الدكتور آراز موقفاً آخر لا يقل تأثيراً.
يقول:
أتذكر أننا جلسنا بعد ذلك، وحضروا لنا الشاي.
لكن كيف حضّروا الشاي؟
لقد غلوا الماء في علب الصفيح والقواطي، تلك العلب التي كانت متوفرة لديهم، ثم قدموا لنا الشاي.
ولا أعرف حتى اليوم من أين وجدوا الشاي اليابس الذي صنعوا منه الشاي السائل.
ولا أعرف كم علبة احتاجوا إليها حتى يشرب كل واحد منا كأساً من الشاي.
لم تكن هناك أقداح زجاجية شفافة كالتي اعتدنا أن نشرب بها الشاي في بيوتنا.
كانت هناك علب معدنية.
لكنني أؤكد لكم أنني لم أشرب في حياتي شاياً كان له ذلك الطعم.
لأن ذلك الشاي لم يكن مجرد شاي.
كان ممزوجاً بالخوف، والتعب، والجوع، والكرم، والوفاء.
كان طعمه طعم الإنسان عندما يعطيك آخر ما يملك.
ومنذ ذلك اليوم، بقي هذا الموقف في ذاكرة الدكتور آراز.
لم يكن الطبيب يتحدث عن معجزة طبية.
كان يتحدث عن معجزة إنسانية.
عن رجلٍ لم يكن يملك الماء الكافي لعائلته، لكنه ذبح نعجة ليطعم بها ضيوفه.
عن إنسانٍ كان يعيش على حافة الموت، لكنه أراد أن يمنح الآخرين لحظة حياة.
عن مجتمعٍ كانت الحرب تريد أن تحوّله إلى ضحايا، لكنه أصر على أن يبقى مجتمعاً يعرف معنى الكرامة والضيافة.
ولهذا يقول الدكتور آراز، بمعنى ما بقي في ذاكرته من تلك الأيام:
إن هؤلاء الناس يستحقون أن يُضحّى من أجلهم.
وأنا، بوصفي من يروي هذه الحكاية، أقول إن موقف إبراهيم قاسو لم يكن حادثة منفردة.
لقد رأينا خلال تلك المحنة مئات الآلاف من المواقف الإنسانية المشابهة.
حين وصل النازحون الإيزيديون إلى إقليم كوردستان، لم يسأل كثير من الناس عن دين الضيف أو عشيرته أو أصله.
فتحوا لهم أبواب بيوتهم.
وفتحت القاعات أبوابها.
واستُخدمت المساجد والجوامع والكنائس والأديرة والمدارس لإيواء النازحين.
وتبرع الناس بما استطاعوا من ملابس وطعام وماء ودواء وأغطية، كلٌّ بحسب قدرته.
كان بعضهم يملك الكثير فأعطى من ماله، وبعضهم لم يكن يملك إلا القليل فأعطى منه.
وهكذا، في واحدة من أكثر مراحل تاريخ المنطقة قسوة، ظهر وجه آخر لكوردستان.
وجه الإنسان.
وجه المسلم الذي يفتح بيته للإيزيدي.
ووجه الإيزيدي الذي يستقبل أخاه المسلم.
ووجه المسيحي الذي يفتح كنيسته للنازحين.
وجه الإنسان الذي يرى في مأساة أخيه مأساةً له، وفي نجاته نجاةً للإنسانية كلها.
لقد حاول الإرهاب أن يزرع الكراهية بين الناس، وأن يجعل الدين سبباً للقتل والانتقام.
لكن الناس، في كثير من المواقف، أجابوه بطريقة أخرى:
سنواجه الكراهية بالمحبة، والموت بالحياة، والوحشية بالرحمة.
قد تنسى كتب التاريخ أسماء كثير من الذين مروا على الجبل.
وقد لا يعرف أحد أسماء أولئك الذين قدموا كأس ماء أو رغيف خبز أو بطانية أو دواء.
لكن التاريخ الحقيقي لا يُكتب دائماً في قصور الحكام ومكاتب السياسيين.
أحياناً يُكتب في علبة صفيح غُلي فيها الشاي.
وأحياناً يُكتب في قطعة لحم ذُبحت من آخر ما يملكه رجل فقير.
وأحياناً يُكتب على وجه أمٍّ نازحة، أو في يد طفل عطشان، أو في قلب طبيب صعد إلى الجبل حاملاً حقيبته الصغيرة لأنه أراد أن يقول للناس هناك:
أنتم لستم وحدكم.
لقد كان إبراهيم قاسو، في تلك الليلة، يملك نعجة.
وكان يستطيع أن يحتفظ بها لنفسه ولعائلته.
لكنه اختار أن يذبحها لضيوفه.
وكان يملك القليل من الماء، لكنه قدم الشاي.
وكان يعيش وسط الخطر، لكنه مارس الضيافة.
وكان محاصراً بالموت، لكنه تصرف كأنه ينتظر ضيوفاً في بيت آمن.
وهنا يكمن المعنى الأكبر للحكاية:
قد يستطيع الإنسان أن يأخذ منك بيتك، ومالك، وأرضك، وحتى أن يحاصرك بالموت، لكنه لا يستطيع أن يأخذ منك إنسانيتك إلا إذا سمحت له بذلك.
في تلك الأيام العصيبة، أثبت أهل سنجار أنهم لم يكونوا مجرد ضحايا للإبادة.
كانوا أيضاً أصحاب كرامة، وأصحاب شهامة، وأصحاب تاريخ طويل من الضيافة والتعايش.
وأثبت أبناء كوردستان، بمختلف أديانهم وقومياتهم وعشائرهم، أن الإنسان عندما يقف إلى جانب أخيه في المحنة، يصبح أقوى من كل محاولات التفريق.
ولهذا يجب ألا تضيع هذه القصص.
يجب أن تُكتب.
أن تُحفظ.
أن تُروى للأبناء والأحفاد.
لأن الأجيال القادمة يجب أن تعرف أن الثالث من آب لم يكن تاريخاً للإبادة فقط.
كان أيضاً تاريخاً ظهرت فيه أجمل صور التضامن الإنساني.
وأنهم، وسط النار والخوف، وجدوا أناساً حملوا الدواء، وآخرين حملوا الخبز، وآخرين حملوا الماء، وآخرين فتحوا بيوتهم.
وكان هناك رجل اسمه إبراهيم قاسو…
لم يكن طبيباً، ولا مسؤولاً، ولا صاحب منصب.
كان رجلاً بسيطاً على جبلٍ محاصر.
لكنه في تلك الليلة امتلك شيئاً عظيماً:
امتلك قلباً كبيراً بما يكفي ليطعم الآخرين من آخر ما يملك.
وربما لهذا السبب، بعد مرور اثني عشر عاماً، ما زال الدكتور آراز يتذكر تلك الليلة.
القصة مستوحاة من مقطع فیدیو للقاء مع دكتور آراز اجرته احدی القنوات التلفزة ،وهذه هي صورة للفیدیو
فالإنسان قد ينسى أسماء الأدوية التي استخدمها، وعدد الجرحى الذين عالجهم، وتفاصيل الأيام الطويلة التي عاشها على الجبل…
لكنه لا ينسى أبداً طعم الشاي الذي قُدّم له في علبة صفيح، ولا ينسى الرجل الذي ذبح آخر نعجة لديه ليقول لضيوفه:
تفضلوا… أنتم الليلة ضيوفي.
وهكذا، حين يعجز الكلام عن وصف معنى الأخوة، تكفي أحياناً نعجة مذبوحة، وعلبة شاي، وقلب إنسان…
لتروي القصة كلها.
إن التلاحم هو قوتنا، والإنسانية هي لغتنا، والتعايش هو طريقنا، والتسامح هو الجسر الذي يجب أن نعبر عليه جميعاً نحو المستقبل.

 

الاشتراك
نبّهني عن
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

Most Popular