بداية يمكن القول ، ان جريمة كوجو التي ارتكبها داعش الإرهابي في الخامس عشر من آب عام 2014 لا تمثل فصل آخر من فصول الإبادة الجماعية الاولى التي تعرض لها الإيزيديون في سنجار يوم 2014/8/3، بل شكللت بما حملته من وقائع وظروف ونتائج مأساوية ، إبادة جماعية اخرى بكل ابعادها القانونية وظروفها ، حيث وقعت بعد اثني عشر يوما من بدء الغزو الداعشي الواسع على سنجار في الثالث من آب ، وبعد أن أصبحت نوايا الدواعش نحو الايزيديين معلنة أمام العالم بأسره بما نُشر من اخبار مرعبة ومشاهد مصورة عن جرائم القتل والذبح بالجملة واختطاف او سبي النساء والاطفال على الهوية الدينية في بقية مناطق سنجار. و إثر ذلك لجأ مئات الالاف من الايزيديين من المجمعات السكنية والقرى والمدن التي غزاها الاشرار قبل كوجو الى الجبل جبل سنجار طلبا للامان لايام طوال ناشدوا فيها ، هم ايضا ، الدول الكبرى من اجل انقاذهم دون سميع. الأمر الذي يجعل التقاعس عن ابادة كوجو و منعها موضع تساؤل أخلاقي وقانوني لا يزال قائماً حتى اليوم.
لقد بقي أهالي كوجو اثني عشر يوماً من الحصار او الاسر القاسي محاطين خلالها بطوق مسلح شرير من عناصر داعش (واكثرهم من ابناء القرى والعشائر المجاورة) من كل الجهات لعزلهم عن العالم ومنعهم من الهروب.
و رغم ذلك كان قسما منهم يتصل سرا ، بعيدا عن اعين عناصر داعش ، عبر هواتفهم النقالة مع مختلف المسؤولين من ايزيديين وغيرهم ، كمناشدات استغاثة ، لتنقل إلى الجهات الدولية والإقليمية في سبيل خلاصهم.
كانت تلك الأيام كافية لأن تتحرك القوى الدولية ، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، التي كانت تمتلك وجوداً عسكريا كبيرا واسطولا جوياً واسعاً في العراق ، وتملك الوسائل الاستخبارية والقدرات العسكرية اللازمة لردع المهاجمين أو على الأقل منعهم من تنفيذ خطتهم الإجرامية ، وكان يكفي سربا صغيرا من الطائرات لتغير على مواقع عناصر داعش المكشوفة وقتها لتتيح على الاقل للنساء والاطفال فرصة للهروب من اياديهم. وكم من ناجية من كوجو افادت بعد تحريرها ، ان عناصر داعش كان يطلبون منهن في الايام الاولى ،رغم ان ذلك كان وسيلة لخداعهن وهن لازلن في كوجو ، الاتصال بالمسؤولين او المعنيين ، والقول انه في امان ، كي يوقفوا عمليات الاستطلاع الجوي التي نفذتها في الأيام الأولى و لفترات محدودة طائرات امريكية ، توقعا من الدواعش انهم سيبدئون في اقرب وقت لاحق هجمات جوية كبيرة عليهم ، ولكن ذلك لم يحصل.
خلال تلك الفترة كما اشرت لم تتوقف النداءات التي وجهها مسؤولون وناشطون وشخصيات معنية بالشأن الإيزيدي إلى الجهات الأمريكية، ولا سيما القنصلية الأمريكية في أربيل، مطالبين بتدخل عاجل لإنقاذ المدنيين المحاصرين. في وقت كانت وسائل الإعلام العالمية تنقل بصورة يومية المأساة الإنسانية على جبل سنجار بعدما لجأ عشرات الآلاف من الإيزيديين اليه هربا من الارهاب و الموت ، وسط ظروف كانت فيها درجات حرارة تلك الايام من شهر اب مرتفعة جدا ، مع انعدام الحاجات الانسانية من ماء وغذاء و دواء، فيما كان داعش يطوق الجبل وعموم مناطق سنجار التي غزاها وينفذ جرائمه بحق من يقع في قبضته.
في كل هذه الفترة ، لم تكن المعلومات غائبة عن القوى الكبرى، ولم يكن ما يجري سراً يحتاج إلى كشف أو تحقيق. كانت صور الضحايا وصرخات الأطفال والنساء تصل إلى دول العالم لحظة بلحظة، وكانت أجهزة المراقبة والاستطلاع ترصد تحركات الدواعش ، ومع ذلك بقيت كوجو محاصرة وحيدة تنتظر مواجهة مصيرها ، حتى جاء اليوم الخامس عشر من ذلك الشهر ، اقدم الإرهابيون فيه على تنفيذ جرائم جديدة ، تعد بحد ذاتها من أبشع المجازر في التاريخ ، حيث أعدم الرجال والفتيان جماعياً، واختطف النساء والأطفال واقتيدوا الى مصير مجهول ، وتحولت القرية خلال ساعات الى خليط من دم و رماد ، اصبح شاهد حي على جريمة إبادة جماعية جديدة مكتملة الأركان.
إن هذا التقاعس الدولي يطرح أسئلة مشروعة حول المسؤولية الأخلاقية والسياسية للدول القادرة على التدخل. فحين تمتلك قوة عظمى القدرة على منع جريمة إبادة جماعية، وتدرك مسبقاً أن وقوعها بات وشيكا ، ثم تمتنع عن اتخاذ إجراءات كفيلة بحماية المدنيين ، فإن التفرج لا يعد موقفاً محايداً، بل يقترب من التخلي عن المسؤولية الإنسانية. فالحياد أمام الإبادة ليس فضيلة، وإنما يصبح ، في نظر الضحايا ، صورة من صور الفشل الأخلاقي وخيانة الواجب الإنساني.
إن كوجو ليست مجرد قرية دمرت، بل رمز ودليل على أن الإبادة لا تُرتكب فقط بأيدي القتلة، بل قد تسهم في وقوعها أيضاً لحظات الصمت والتردد والتقاعس عن نجدة الأبرياء.
كانت نتيجة الابادة للقرية وحدها اكثر من ٥٠٠ شهيد واكثر من ٥٠٠ شابة وامراة مختطفة او سبية وضعفهمعددا من الاطفال المختطفين الذين اصبح لكل منهن لاحقا قصة في سفر الام السبي ، لا يتحملها الصخر فكيف بالبشر وتحديدا اطفال ونساء عزل.
ولهذا ستبقى جريمة كوجو شاهداً مؤلماً على جريمة ابادة جماعية نفذها الدواعش اعداء الحياة والقيم الانسانية والسماوية.
وستبقى كوجو ايصا شاهدا على مسؤولية المجتمع الدولي في حماية الشعوب المهددة ، وتذكيراً دائماً بأن العدالة لا تكتمل بمعاقبة الجناة وحدهم، بل بمساءلة كل من امتلك القدرة على إنقاذ الضحايا ولم يفعل.
الرحمة لشهداء كوجو
والعار للقتلة الاشرار.
وكان الله في عون الشعوب المهددة ابدا بمستقبلها وحياة افرادها من رجال ونساء واطفال.

