Homeاراءكوجو... حين خان الجوارُ ميثاقَ الخبز والملح:ماجد حسن

كوجو… حين خان الجوارُ ميثاقَ الخبز والملح:ماجد حسن

في مثل هذا اليوم، وقبل اثنتي عشرة سنة، كانت قرية كوجو تعيش واحدة من أكثر صفحات المأساة الإيزيدية وجعًا ودموية. اثنا عشر يومًا كاملة مرّت على أهل القرية وهم تحت حصار تنظيم داعش الإرهابي، ينتظرون بصبرٍ موجوع أن تتحرك جهة ما، وأن تمتد يد لإنقاذهم، وأن يأتي الفرج قبل أن تصل إليهم يد الغدر.

لكن الفرج لم يأتِ.
وفي ذلك اليوم، جاء أحد أمراء التنظيم إلى عناصره ليبلغهم بما سمّاه زورًا «تطبيق الشريعة الإسلامية» على أهالي كوجو؛ وهي شريعة داعش الدموية التي لم تكن سوى غطاء لجرائم القتل والسبي والاختطاف والإبادة. كان القرار واضحًا: قتل الرجال، وسبي النساء، والتخلص من العجزة والمرضى والمعوقين، وكأن أهل كوجو لم يكونوا بشرًا لهم حق الحياة، بل أهدافًا لمشروع إبادة قائم على الكراهية والتطرف.
وكان بين أولئك الذين وقفوا في وجه هذا المصير شيخ القرية، المرحوم أحمد جاسو السنجاري.
لم يكن أحمد جاسو رجلًا يحتاج إلى لقب كبير كي يفرض احترامه؛ كان اسمه وحده كافيًا ليفتح القلوب قبل الأبواب. لم يكن غنيًا بما يملك، وإنما كان غنيًا بما يمنحه للآخرين. ولهذا كان أهل سنجار يذكرونه كلما ذُكر الكرم، ويستحضرون سيرته كلما تحدّثوا عن الشهامة والنخوة وحسن الجوار.
كان بيته في كوجو أشبه بمضافة لا تعرف الإغلاق. يدخلها الغريب قبل القريب، ويجلس فيها الضيف كما يجلس صاحب الدار. كانت القهوة حاضرة، والخبز يُقسم، والطعام يُقدَّم قبل أن يُسأل الزائر عن حاجته. كان أحمد يؤمن بأن الضيف هدية من الله، وأن قيمة الإنسان لا تُقاس بما يكدّسه لنفسه، بل بما يمنحه للآخرين.
ولم يكن يفرّق بين قريب وبعيد، ولا بين إيزيدي وعربي، ولا بين صديق قديم وعابر سبيل. كانت إنسانيته أوسع من حدود القرية، وكانت يده تمتد بالعون قبل أن تمتد بالمصافحة.
وعلى مدى سنوات طويلة، نسج أحمد جاسو علاقات واسعة مع أبناء القرى العربية والإيزيدية المجاورة. شاركهم أفراحهم، ووقف إلى جانبهم في أتراحهم، واستقبلهم في بيته، وتقاسم معهم الخبز والملح. كان يرى في الجيرة عهدًا، وفي الطعام المشترك ميثاقًا، وفي احترام الإنسان واجبًا لا علاقة له بالدين أو القومية أو العشيرة.
وكان يقول لأبنائه إن الإنسان قد يختلف مع جاره في الدين أو الرأي أو الانتماء، لكنه لا ينبغي أن يختلف معه في الإنسانية.
هكذا كان أحمد جاسو، وهكذا كان كثير من أبناء كوجو؛ أناسًا عاشوا حياتهم ببساطة وكرامة، وفتحوا بيوتهم للجميع، ولم يتعاملوا مع الجار المختلف على أنه عدو، بل على أنه جار له حرمة الجيرة وحق الاحترام.
وفي الثاني من آب/أغسطس 2014، كانت دار أحمد عامرة بالضيوف كما كانت دائمًا. جلس رجال عرفهم منذ سنوات على سجادته، وتقاسموا معه الطعام والحديث والذكريات. لم يكن أحد يتصور أن الساعات القادمة ستكشف معدن البشر، وأن علاقات الجيرة التي بُنيت على مدى عقود ستوضع أمام اختبار أخلاقي لم تعرف له سنجار مثيلًا.
كان أحمد ينظر إلى وجوه ضيوفه ويرى فيها وجوه الجيران الذين عرفهم طويلًا، ولم يخطر بباله أن بعض الذين جلسوا على مائدته سيصبحون، بعد ساعات، جزءًا من مأساة كوجو.
ثم جاء الثالث من آب.
وانهار كل شيء.
تحول الجار إلى دليل، وتحولت المعرفة بالبيوت والطرق والعائلات إلى سلاح في يد الجريمة، وتحول الخبز والملح الذي جمع الناس يومًا إلى خيانة لا يمكن أن تمحوها السنوات.
وهنا لا بد من التوقف عند واحدة من أكثر الصفحات إيلامًا في هذه المأساة: خيانة بعض العشائر العربية السنية التي كانت تربطها بالإيزيديين علاقات جوار ومعرفة ومصالح اجتماعية امتدت لسنوات طويلة.
إن الحديث عن هذه الخيانة لا يعني تحميل جميع العرب السنة مسؤولية جرائم داعش، فهذا ظلم لا يخدم الحقيقة، كما أن بين العرب السنة أنفسهم من رفضوا داعش ووقفوا إلى جانب ضحاياها ودفعوا ثمنًا بسبب ذلك. لكن الخيانة التي ارتكبها بعض الأفراد والعشائر ممن انخرطوا مع التنظيم، وشاركوا في الهجوم أو قدموا له المساعدة والمعلومات، تبقى جرحًا أخلاقيًا عميقًا في ذاكرة الإيزيديين.
فالمقاتل الأجنبي القادم من الشيشان أو أفغانستان أو طاجيكستان لم يكن يعرف كوجو، ولا يعرف أهلها، ولا يعرف بيوتها وعائلاتها وطرقها. كثير منهم لم يعرفوا الإيزيديين إلا من خلال الصورة المشوهة التي زرعها الفكر الداعشي في عقولهم.
أما الذين كانوا يعرفون كوجو وأهلها، ويعرفون بيوت الإيزيديين وأسماء عائلاتهم، ويعرفون من هو المريض ومن هو المسن ومن هو الطفل، ويعرفون طرق القرية ومداخلها ومخارجها، فكان بعضهم من أبناء المنطقة نفسها أو ممن عاشوا إلى جانب أهلها سنوات طويلة.
وهنا تصبح الخيانة أشد قسوة؛ لأن العدو البعيد قد يقتل بدافع الكراهية، أما الخيانة فغالبًا ما تأتي من شخص يعرفك، ويعرف بيتك، ويعرف مائدتك، وربما جلس يومًا إلى جانبك على الطعام.
لقد كان أحمد جاسو واحدًا من أولئك الذين لم يصدقوا أن ميثاق الجيرة يمكن أن يُباع بهذه السهولة، وأن اليد التي صافحته يومًا يمكن أن تحمل السلاح في وجهه.
ومع ذلك، عندما جاء الامتحان الأكبر، لم يتخلَّ أحمد عن دينه ولا عن عقيدته ولا عن كرامته.
وهنا تبرز مكانته في الذاكرة الإيزيدية بصورة خاصة.
ففي الوجدان الإيزيدي، هناك رجال ونساء يختارون الموت على أن يتخلوا عن دينهم وعقيدتهم وكرامتهم. ويُنظر إلى أمثال هؤلاء بوصفهم «جانكورين»؛ أي الفدائيين الذين نذروا أرواحهم دفاعًا عن عقيدتهم وكرامتهم، ورفضوا أن تكون حياتهم ثمنًا للتنازل عن هويتهم.
ومن هذا المنظور، فإن أحمد جاسو لم يكن مجرد شيخ قرية قُتل في مأساة كوجو، بل أصبح رمزًا من رموز الثبات والتضحية.
لقد كان بإمكان الإنسان أن يخاف، وأن يبحث عن مخرج، وأن يتشبث بالحياة بأي ثمن. لكن هناك لحظات في التاريخ يصبح فيها التمسك بالكرامة موقفًا يتجاوز غريزة البقاء.
وهكذا وقف أحمد.
وقف شيخًا لقرية، ورجلًا مؤمنًا بعقيدته، وأبًا، وجارًا، وإنسانًا عاش حياته وهو يفتح بابه للآخرين، ثم وجد نفسه في النهاية أمام من أرادوا انتزاع كل شيء منه: حياته، ودينه، وكرامته.
لكنهم لم يستطيعوا انتزاع موقفه.
لقد استطاعوا أن يقتلوا جسده، لكنهم لم يستطيعوا قتل اسمه.
واستطاعوا أن يحرقوا البيوت، لكنهم لم يستطيعوا إحراق الذاكرة.
واستطاعوا أن يقتلوا رجالًا ونساءً وأطفالًا، لكنهم لم يستطيعوا قتل الحقيقة التي تقول إن كوجو كانت قرية عاشت بسلام، وأن أهلها لم يذهبوا إلى أحد ليقتلوا أو يسلبوا أو يهجروا، وإنما جاءهم الموت من الخارج، ومن يد التطرف، ومن يد الخيانة.
إن مأساة كوجو ليست مجرد قصة قرية أُبيد أهلها، بل هي أيضًا درس قاسٍ في معنى الجيرة، ومعنى الوفاء، ومعنى الخيانة.
لقد أثبت أحمد جاسو وأبناء كوجو أن الإنسان قد يُحاصر في أرضه، وقد تُحاصر القرية بالسلاح، وقد تُغلق أبواب النجاة، لكن تبقى هناك مساحة أخيرة لا يستطيع الجلاد احتلالها: كرامة الإنسان وإيمانه بما يؤمن به.
وفي ذكرى هذا اليوم، نستذكر أحمد جاسو لا بوصفه ضحية فحسب، بل بوصفه رجلًا عاش كريمًا ومات كريمًا.
نستذكره شيخًا فتح بيته للجميع، ثم أُغلقت في وجهه أبواب النجاة.
نستذكره رجلًا احترم جيرانه، ثم خانه بعض من كان يفترض بهم أن يحفظوا حرمة الجيرة.
نستذكره إنسانًا أعطى من خبزه وماله ووقته للآخرين، ثم وجد نفسه أمام من لم يحفظوا لا خبزًا ولا ملحًا ولا عهدًا.
ونستذكر معه جميع رجال ونساء وأطفال كوجو الذين دفعوا الثمن الأكبر في واحدة من أبشع جرائم الإبادة التي ارتُكبت بحق الإيزيديين.
رحم الله أحمد جاسو، ورحم جميع شهداء كوجو، ورحم كل من سقط دفاعًا عن دينه وكرامته وأرضه.
وفي الذاكرة الإيزيدية، سيبقى اسم أحمد جاسو من الأسماء التي لا تحتاج إلى كثير من الكلام.
فبعض الرجال يرحلون عن الدنيا، لكنهم يتركون وراءهم سيرةً تقول للأجيال القادمة:
هنا عاش رجلٌ لم يخن دينه، ولم يبع كرامته، ولم ينسَ إنسانيته حتى في اللحظة التي أراد فيها الآخرون أن ينزعوا عنه كل شيء.
وهؤلاء هم الجانكورين؛ الذين نذروا أرواحهم، فصار موتهم شاهدًا على تمسكهم بالحياة والكرامة والعقيدة.
أما كوجو، فستبقى شاهدًا على أن الخيانة قد تفتح أبواب المذبحة، لكن الحقيقة لا تموت، والذاكرة لا تُباد.

 

الاشتراك
نبّهني عن
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

Most Popular