Homeاراءحين تحولت الطفولة في سنجار إلى هدف للإبادة الجماعية على أساس الهوية...

حين تحولت الطفولة في سنجار إلى هدف للإبادة الجماعية على أساس الهوية الدينية ج10 : ب. د. خالد محمود خدر

في الجزء الاخير هذا  من المقال ، لا بد من التوقف أمام الحقيقة التي تختصر مأساة سنجار كلها ، وهي أن جريمة الإبادة التي ارتكبتها جماعة إرهابية لم تكن مجرد جريمة قتل جماعي ، بل كانت اعتداء مستهدفا للإنسان الايزيدي  وغير الايزيدي في هويته وكرامته وحقه في الحياة ، واستهدافا للطفولة والأسرة والذاكرة والموطن التاريخي.

لم تعد سنجار بعد الإبادة الجماعية في 2014/8/3  فقط منطقة من مناطق العراق ، بل أصبحت عنوانا يختصر معاناة الإنسان حين يواجه التطرف الأعمى.

كان داعش ينطلق من وهم أنه بالإرهاب والقتل والذبح والسبي بإمكانه اقتلاع الإنسان من جذوره ومحو هويته وتغيير دينه واسمه ولغته وذاكرته. لكن ضحايا سنجار أثبتوا أن الحياة رغم كل جراحها ، هي التي تنتصر في النهاية ، وأن الإنسان يستطيع أن يستعيد اسمه وأرضه وكرامته مهما مر به من ظروف ومواقف قاسية ، ومهما حاول الارهاب أن يفصل بينه وبينها.

في الأجزاء السابقة من المقال ، لم تكن القصص الماساوية التي عرضت ، عن سفر الام  اللاجئين إلى الجبل او الذين تم اختطافهم وسبيهم من الفتيات والاطفال ، سوى نماذج قليلة من آلاف القصص المأساوية التي عاشها أطفال سنجار أثناء الإبادة الجماعية وبعدها. فلكل طفل حكاية ، ولكل أسرة وجع ، ولكل سبية حكاية لم تصل بعد ، ولكل فتاة او امراة  ناجية قصة موجعة حملتها معها من ظلمات الأسر إلى فضاء الحياة.

لقد وثقت أعمال الباحث داود مراد ختاري في موسوعته عن الإبادة الجماعية الإيزيدية الرابعة والسبعين في الجزء الخاص بالواجبات ، جانبا كبيرا ومهما من هذه المآسي ، إلى جانب عشرات الكتب والدراسات والمقالات والشهادات التي وثقت ونشرت خلال السنوات الاثنتي عشرة الماضية من قبل الكثير من الباحثين والمهتمين بالشأن الإيزيدي إبان الإبادة الجماعية الأخيرة. ومع ذلك ، فما زالت هناك قصص ومآس لم ترو ، ومفقودون ما زالت عائلاتهم تنتظر خبرا عن مصيرهم.

ولكن معها ، وكما تم بيانه في الأجزاء السابقة ، سيظل الطفل الذي نادى لإنقاذ أمه على جبل سنجار ، والطفل الذي تحمل العذاب حفاظا على حياة والدته ، والطفلة  التي أصبحت شابة وعادت من ظلمات الأسر لتفتح نافذة للأمل ، والطفل الذي عاد إلى أحضان أمه بعد أن عاش بعيدا عنها في كنف من أرادت أن تتبناه  تعويضا عن عدم قدرتها على الإنجاب ، وغيرهم من الأطفال الذين تم تناول سفر مآسيهم أو لم يتم ، شهودا على أن الإنسان قد يجرح ، لكنه لا يهزم ما دام متمسكا بكرامته وأهله وأرضه ووطنه.

وتبقى قصة الطفلة نوفا ، التي لم يتم تناولها ، من أكثر المشاهد مأساوية ، وتختصر بشاعة تلك الأيام  عندما سقطت من السيارة التي كان يقودها والدها وهو يفر من مطاردة داعش ، حين لم يكن قادرا على العودة إليها ، لأن التوقف كان يعني تعريض بقية أفراد أسرته وأفراد الجيران الذين كانوا معه للموت  المؤكد. لم يكن ذلك يعني أنه كان  أبا بلا قلب ، بل أبا وجد نفسه أمام لحظة يستحيل فيها الاختيار بين ألمين ، فواصل الهرب بالبقية وقلبه ينزف ،  مضحيا بابنته الصغيرة قربانا لإنقاذ البقية بعدما وجد  أنوسيارات تقل الدواعش  كانوا يلاحقون سيارته للقضاء عليهم جميعا.

أي غزو هذا الذي يجعل أبا يضطر إلى ترك طفلته خلفه لكي ينقذ بقية أفراد أسرته ومن معهم من الجيرة؟ 

وأي غزو هذا الذي يحول لحظة قاسية إلى امتحان للأبوة ، بما يفوق قدرة الإنسان على الاحتمال؟

وهنا يبقى السؤال الذي ينبغي أن يوجه إلى كبار مسؤولي دول  العالم كله:

إذا كانت الإنسانية قد اتفقت على أن ما جرى للإيزيديين في سنجار جريمة إبادة جماعية ، فهل يكفي الاعتراف بهذه الإبادة وحده ، وهل يمكن أن يكون الاعتراف نهاية المسؤولية ، أم أنه يجب أن يكون بدايتها؟

لقد اعترفت رسميا الأمم المتحدة وعدد من الدول ، بينها الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وألمانيا وفرنسا ، ثبأن الجرائم التي ارتكبها داعش بحق الإيزيديين هي جرائم إبادة جماعية. لكن الاعتراف ، على أهميته ، لا يعيد طفلا إلى أمه ، ولا يكشف مصير مفقود ، ولا يحاسب مجرما ، ولا يمحو آثار جريمة.

إن الاعتراف بلا عدالة تقاضي المجرمين يظل ناقصا ، وتبقى آثار الإبادة جرحا مفتوحا لا يغادر ذاكرة من تعرض لها.

لقد صادقت دول العالم على اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها ، ولذلك فإن محاسبة مرتكبيها ليست مجرد موقف أخلاقي يمكن اختياره ، بل مسؤولية قانونية وإنسانية. ومع ذلك ، بقيت المحاسبة على الجرائم التي ارتكبت بحق الإيزيديين محدودة قياسا بحجم الجريمة ، وبقي كثير من الضحايا ينتظرون العدالة التي يستحقونها.

وعن هذا أشارت رامندر كور ، البروفيسورة في جامعة مانشستر: أمام الحكومات خيار واضح ، إما الوقوف إلى جانب المجتمع الإيزيدي حتى تتحقق العدالة ، أو عدم القيام بأي شيء ، بما يبعث برسالة مفادها أن الإبادة الجماعية لم تعد جريمة يلتزم المجتمع الدولي بمنعها ومعاقبة مرتكبيها.

التاريخ لا يرحم الذين يرتكبون الجرائم ، لكنه لا يرحم أيضا الذين يشاهدون المأساة ثم يكتفون بالصمت. لذلك فإن العدالة الحقيقية في سنجار لا يمكن أن تتوقف عند الاعتراف بالإبادة الجماعية ، وإنما ينبغي أن تتحول إلى التزام عملي واضح ، يبدأ بالكشف عن مصير جميع المختطفين والمفقودين ، وينتهي بضمان ألا يجد  مستقبلا الإرهاب طريقا آخر إلى الأطفال والنساء والأسر.

ومن أهم ما تقتضيه هذه المسؤولية:

1- الكشف عن مصير جميع المختطفين والمفقودين ، وعدم السماح بأن يتحول غيابهم إلى نسيان.

2- محاسبة جميع المتورطين في جرائم الإبادة والقتل والخطف والسبي وغيرها من الجرائم أمام محاكم عادلة وفقا للقانون.

3- حماية الأدلة والمقابر الجماعية ومواقع الجرائم باعتبارها جزءا من الذاكرة الوطنية والإنسانية ، وأدلة لا يجوز طمسها أو إهمالها.

4- إعادة إعمار سنجار وتهيئة الظروف الآمنة والكريمة لعودة النازحين إلى مناطقهم ، مع توفير ضمانات حقيقية لعدم تكرار المأساة ، وبناء منظومة أمنية وطنية قادرة على حماية السكان ومنع أي اعتداء مستقبلي عليهم.

5- توفير برامج متخصصة للعلاج النفسي والاجتماعي للناجين ، ولا سيما الأطفال والنساء ، لأن التحرير من الأسر لا يعني بالضرورة التحرر من آثار الأسر.

6- توثيق شهادات الناجين وحفظها في أرشيف وطني ودولي ، حتى تبقى الحقيقة حاضرة في وجه محاولات النسيان أو الإنكار.

7- إدراج ما جرى في سنجار ضمن المناهج التعليمية ، بوصفه درسا في حقوق الإنسان وخطورة التطرف والكراهية والعنصرية ، حتى تعرف الأجيال الجديدة إلى أين يمكن أن يقود الصمت حين تتحول الكراهية إلى مشروع إبادة.

إن ما جرى في سنجار ليس مجرد صفحة سوداء من الماضي ، بل جرح مفتوح في ضمير الإنسانية كلها. والإبادة التي طالت الأطفال الإيزيديين لم تكن حدثا عابرا ، بل كانت اختبارا قاسيا لقدرة العالم على حماية الطفل وعائلته  حين يستهدفون بسبب الدين أو القومية.

ولهذا فإن الوفاء لضحايا سنجار لا يكون بإحياء ذكرى الثالث من آب كل عام فقط ، ولا بإصدار بيانات الإدانة والتعاطف ، وإنما بتحقيق العدالة وضمان توفر حماية دائمة

سيبقى الثالث من آب جرحا مفتوحا في ذاكرة الايزيديين والعراق والعالم أجمع  ، يذكر بأن حماية الأطفال والأمهات ليست قضية تخص شعبا أو دينا أو وطنا بعينه ، بل مسؤولية الإنسانية كلها. فحين تبكي أم في سنجار أو يحرم طفل من حضن أمه  أو تختفي طفلة في طريق الخروب ، أو يقتلع إنسان من بيته وأرضه وهويته ، فإن الضمير الإنساني بأسره يكون أمام امتحان صعب ، إما أن ينتصر للإنسان والعدالة ، وإما أن يسمح ذلك الضمير للتاريخ بأن يعيد مأساته مرة أخرى.

إن سنجار لا تطلب من العالم أن يبكي على ماضيها فقط ، بل تطلب منه أن يتعلم من مأساتها. فالطفل الذي نجا من داعش يجب ألا يعيش بقية حياته شاهدا على عجز العالم ، بل شاهدا على قدرته على تصحيح أخطائه. وإذا كان داعش قد حاول أن يسرق طفولة سنجار ، وأن يمحو أسماء أطفالها وذاكرتهم ويقطع صلتهم بأمهاتهم وآبائهم وأرضهم ، فإن انتصار الإنسانية الحقيقي يبدأ يوم تستعيد تلك الطفولة حقها في الحياة ، ويستعيد أهلها حقهم في الأمان والكرامة والعدالة.

إن ما وقع لأطفال إيزيدية سنجار ينبغي أن يكون درسا للعالم ، بأن حماية الإنسان تبدأ بحماية الطفل ، وأن العدالة هي الطريق الذي يمنع الجريمة من أن تعود بثوب إرهابي جديد.

 

الاشتراك
نبّهني عن
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

Most Popular