لم تكن إبادة داعش للإيزيديين في سنجار تستهدف البالغين منهم من رجال ونساء فقط بين قتل واختطاف وملاحقة وتهجير وتدمير وتفجير الدور ونهب للممتلكات ، بل امتدت إلى ما هو أعمق لتصل إلى اختطاف أطفالهم و محو ذاكرتهم وهويتهم ومستقبلهم . فالإبادة ، في معناها الأكثر وحشية ، لا تكتفي بإزهاق الحياة ، وإنما تسعى إلى محو الإنسان من جذوره ، وقطع الصلة بينه وبين اسمه وأسرته وموطنه وتاريخه.
كان أطفال سنجار في قلب هذا المشروع ، عندما اختطفهم داعش من بيوتهم وانتزعهم من أحضان والديهم ، ثم عمل على أن ينتزع منهم شيئا أكثر عمقا يتمثل بذاكرتهم. أراد أن يمحو أسماءهم ويفصلهم عن دينهم ولغتهم وبيئتهم ، ويقطع كل خيط يربطهم بآبائهم وأمهاتهم وموطنهم ، حتى يصبح الطفل غريبا عن ماضيه ، ناكرا له.
أراد داعش بهذا ، إعادة تشكيل الطفل الايزيدي وفق فكره المتطرف ، بتحويله من كان ضحية لجريمته إلى أداة في مشروعه الإرهابي ، ومن طفل كان يفترض أن يحمل أحلام المستقبل إلى وسيلة لاستمرار الإرهاب. وهنا تكمن واحدة من أبشع صور جريمة الإبادة ، تتمثل في أن يسرق القاتل من الطفل حاضره ، ثم يسرق منه ماضيه ومستقبله أيضا عبر عبر عمليات غسل دماغ ممنهجة.
في الثالث من آب 2014 يوم غزو داعش لمنطقة سنجار ، لم تقتصر مأساة الأطفال على يوم الاختطاف وحده ، بل استمرت بعدها وفق منهج مرعب ، بدأ بمنع عن الطفل الايزيدي الاحتفاظ باسمه الأول ومنحه اسما آخر، ويفرض عليه تغيير دينه ولغته وملابسه ، بدين ولغة وملابس وتعاليم أخرى يلقن يوميا بها حتى يصبح الماضي بالنسبة إليه شيئا يتوجب عليه أن ينساه ، بل أن ينكره تحت وطأة الخوف والعقوبة. كان داعش بهذا ، يدرك أن قتل الطفل ينهي حياته ، أما بمحو هويته ، سوف ينهي امتداده ، ويحوله إلى جزء من ماكينته الإرهابية يمكن أن يستخدمه في غزواته وهجماته كمقاتل في صفوفه او في عمليات انتحارية موجهة عن بعد من قبله.
كم طفل كان ينتظر بداية العام الدراسي 2015/2014 ليحمل حقيبته إلى مدرسته ، فإذا بذلك العام الدراسي لم يأتي أبدا؟
كان يفترض أن تكون المدرسة يوميا موعده مع الكتب والمعلمين والأصدقاء ، وأن يعود بعدها إلى أحضان أمه وأبيه وإخوته وبيته.
لكن داعش قطع هذه السلسلة الطبيعية من حياة الطفل ، واستبدل بها مسلسلا آخر كله ارهاب و خوف وعنف وإبعاد.
لقد وثقت شهادات ناجين من داعش حالات لأطفال إيزيديين حملوا أسماء وكنى فرضها عليهم داعش، فالطفل المختطف أيمن خليل عرف باسم أبو معاوية، والطفل سفيان رشيد الذي اختطف هو الآخر وهو في الرابعة عشرة من عمره ، عرف باسم أبو عائشة السنجاري. وهكذا مع بقية الأطفال في معسكرات داعش.
بعد الاسم جاءت خطوات داعش أخرى لإعادة تشكيل الطفل.
كان الأطفال الإيزيديون يجبرون على تغيير دينهم ليكون وفق افكار داعش المتطرفة ، يتلقون دروسا عقائدية لم تكن تمثل تعليما حرا ، بل وسيلة لإعادة تشكيل وعيهم تحت الخوف والإكراه.
رافق ذلك خطوة اخرى قضت بتغيير اللغة. فالطفل الإيزيدي الذي كان يعرف لغته الأم ، الكردية بلهجة الكرمانجية واللكنة الايزيدية السنجارية ، وجد نفسه بعد الاختطاف في بيئة جديدة ، محاطا بلغة وعقلية مختلفة عن لغته وثقافته المجتمعية والدينية. وبهذا يكون قد تم قطع صلته بأسرته ، ما جعل المسافة بينه وبين ماضيه تكبر يوما بعد يوم ، وبعدها يكون فيه الطفل قد انسلخ تماما عن بيئته الاولى ، واضحى ابن بيئته الجديدة ورهينة افكار داعش ومخططاته.
كانت معسكرات داعش التي أطلق عليها معسكرات أشبال الخلافة جزءا من هذا المشروع ، إذ تلقى الأطفال فيها تدريبات عسكرية إلى جانب التلقين العقائدي، وعاشوا في بيئة مغلقة قائمة على الخوف والسيطرة. ولم يكن الهدف تدريب الطفل فحسب، بل إعادة تشكيله ليؤمن بأن عالمه القديم من اسرة ودين ولغة ومدرسة كان خطأ، وأن ما يفرض عليه هو الحقيقة الوحيدة التي يتوجب عليه السير بموجبها.
بلغت جرائم داعش ذروتها ، عندما نقل الكثير من هولاء الأطفال الى ساحات حملاته الإرهابية. ومن أبرز النماذج الشقيقان الإيزيديان أمجد وأسعد، اللذان اختطفهما وأخضعهما للتلقين والتدريب، ثم أظهر الاثنان في فيديو إرهابي لداعش مرتبط بعمليتين ضد القوات العراقية في الموصل عام 2017. كما ورد اسما الطفلين المختطفين ايمن خليل وأمجد إلياس في تقارير عن أطفال تعرضوا للتدريب والتلقين والاستغلال.
إن القصص الواردة في النماذج المختارة ، مع المئات غيرها المنشورة في مواقع التواصل الاجتماعي وموقع اليوتيوب ، وعبر منشورات ولقاءات مع الاطفال المعنيين من قبل باحثين ومهتمين بفواجع الابادة ، تكشف المسار الذي أراد داعش أن يفرضه على الطفل ، لإعادة تشكيل وعيه ثم تحويله إلى أداة في مشروع لم يختاره. وهنا لا تعود الجريمة مجرد اختطاف طفل ، بل تصبح محاولة لتحويل الضحية نفسها إلى أداة في الجريمة التي ارتكبت بحقه.
لم يتوقف استغلال الأطفال لأغراض التدريب وتنفيذ عمليات ارهابية انتحارية موجهة من قبل الدواعش عن بعد ، فقد تعرض الكثير منهم إلى سلع توزع على عناصره كغنائم بشرية ، كما تم عرضهم للبيع في اسواق النخاسة التي اقامها في مدن مختلفة وقعت تحت سيطرتهم ، لتبدا معهم سلسلة اخرى من الالام والمعاناة ، مع ما اضاف ذلك من صعوبة للوصول إليهم بغية تحريرهم ، مثلما ازداد خطر ابتعاد الطفل عن لغته وذاكرته وأسرته.
كم من شهادة مؤلمة وثقت هول الجرائم التي ارتكبها تنظيم داعش الإرهابي بحق الأطفال الإيزيديين الذين تم بيعهم او توزيعهم بين عناصر داعش. واحدى هذه الشهادات الموثقة منشورة على صفحة الباحث داؤد ختاري في منصة التواصل الاجتماعي (الفيسبوك) ، تتناول ما جرى للطفل أيمن أمين بركات السنجاري، بعد اختطافه يوم 2014/8/3 وهو في الثالثة من عمره ، و طريقه بيعه في سوق العبيد الذي أنشأه داعش في مدينة الموصل بمبلغ 500 دولار، مع مئات الأطفال الإيزيديين الذين تعرّضوا لمصير مشابه.
في لقاء اجرته معه ، نقل ختاري عن لسان أيمن بعد تحريره ما نصه :
كانوا قرابة 100 طفل ، تتراوح أعمارهم بين الثالثة والتاسعة، فُصلنا عن أمهاتنا قسرا، واحتُجزوهم في بيت كبير، ثم بدأوا ببيعهم واحدا تلو الآخر لعائلات مختلفة.
اشترته امرأة تُدعى بشرى من منطقة الرشيدية في اطراف مدينة الموصل العراقية ، كانت تعمل معلمة ، مدّعية أنها ترغب في تبني طفل بعد أن عجزت عن الإنجاب. لكنها، في الحقيقة ، ربته على مفاهيم داعش المتطرفة، بزعمها أنه (ابن لأبوين كافرين). أطلقت عليه اسم أحمد ، وألحقته بالمدرسة، ومع مرور الزمن ، نسي أيمن اسمه الحقيقي ولغته الأم نتيجة العزلة والتلقين القسري.
وبعد تحرير منطقة الرشيدية ، القريبة من مدينة الموصل ، من قبل القوات العراقية ، تم التعرّف على الطفل من خلال بلاغ لأحد المواطنين. وعند إجبار العائلة على تسليمه ، انفجرت دموع أيمن عندما تذكر والدته الحقيقية المختطفة نسرين.
إن قصة ايمن ليست إلا نموذجا من آلاف القصص التي عاش معاناتها الكثير من اطفال ايزيدي سنجار الذين اختطفوا وتم بيعهم في أسواق النخاسة، ليُمحى كل أثر لهويتهم الدينية والاثنية ، ويُفرض عليهم واقع العزلة والتعذيب والاغتراب القسري.
لقد حررت الأراضي التي سيطر عليها داعش، منذ قرابة التسعة سنوات ، ولكن بقى ذلك التحرير ناقصا ، على الأقل في نظر أهالي سنجار الايزيديين ، ما دام هناك طفل إيزيدي لا يعرف أين أسرته أو أم لا تعرف مصير ابنها أو أب لا يعرف اين أولاده. ولا توجد حاليا جهود او عمليات بحث حقيقية أو رسمية عن المفقودين ، وان أغلب من تم تحريرهم كان بجهود عوائلهم ورجال آخرين رهنوا أنفسهم لتحرير المختطفين ، مقابل مبالغ مادية تدفع في سبيل التحرير من قبل أفراد عوائلهم او عبر تبرعات تقدمها منظمات مجتمعية او شبه حكومية.
تبقى قضية الأطفال الإيزيديين المفقودين تمثل أكبر مأساة إنسانية ، فخلف كل طفل مفقود أم تنتظر ، وأب يبحث ، وعائلة لا تستطيع إغلاق باب الأمل. وهم باعداد كبيرة ومصير مجهول ، كالمئات من الفتيات والنساء اللواتي لا زلن مجهولي المصير.
يمكن القول إن محاولات تحريرهم بدأت تتلاشى مع مرور الزمن ، وتحولت في كثير من الحالات إلى ملف منسي او موسمي يحضر في خطابات المناسبات التي تتناول قضية سنجار ويغيب بعدها ، مع أن هذه الخطابات لا تكشف عن مصير مفقود و لا تعيد طفلا إلى أمه ولا مختطفة إلى عائلتها ، طالما أنها معدة لغايات خاصة بقائلها.
المصادر المعتمدة:
1-صحيفة الوطن ،أطفال إيزيديون .. قنابل «موقوتة» بيد داعش ، 2017/2/22
2-وكالة الانباء الكويتية
3-
بوابة الأهرام
داعش يدرب مئات الأطفال الإيزيديين المختطفين على العمليات الانتحارية، 2016/1/12
https://gate.ahram.org.eg/News/840566.aspx
4-
5- ويكيبيديا الموسوعة الحرة
6-
https://www.infomigrants.net/ar/post/26413/6-%D8%B3%D9%86%D9%88%D8%A7%D8%AA-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D9%87%D8%AC%D9%88%D9%85-%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%B4-%D9%83%D8%A7%D8%A8%D9%88%D8%B3-%D9%84%D8%A7-%D9%8A%D9%86%D8%AA%D9%87%D9%8A-%D9%84%D8%A7%D8%B7%D9%81%D8%A7%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%8A%D8%B2%D9%8A%D8%AF%D9%8A%D9%8A%D9%86
7- بي بي سي نيوز ، 17 أغسطس/ آب 2018
https://www.bbc.com/arabic/middleeast-45224544
8-مهاجر نيوز ، 04/08/2020
9-
https://ar.shafaqna.com/AR/149128/
10-
11- خالد محمود خدر ، مقال عن تبني عائلة من الرشيدية في اطراف الموصل لطفل ايزيدي.
12-ارشد حمد محو ، تعامل وأستراتيجية ” داعش ” مع اطفال الايزيدية بعد أجتياحها لسنجار في 3 اب 2014 دراسة ميدانية ، جامعة دهوك / كلية العلوم الانسانية / قسم التاريخ ، كانون الاول 15, 2025
https://sematv.net/ar/2025/12/23233
13-
14-
https://www.facebook.com/100010059241605/posts/2920107268334553/?app=fbl
15-طفل ايزيدي يروي معاناته مع داعش عند اسره https://youtu.be/GzUCUhYvLoU?si=vRGkxfwPErKCKso
–
16-قصة طفل ايزيدي قضى ثلاث سنوات جنديا مع داعش
https://youtu.be/0YV-OpTaz3E?si=SUNgaxfMNGjXlE0P
17-
طفل ايزيدي أمضى طفولته في معسكرات داعش
https://youtu.be/k0VEk9Rbk9k?si=iCUdeQO52OrP2uDL
18-مازن طفل ايزيدي
https://youtu.be/KQwSWLNK0DU?si=XyMMaCz6Dm1vv13c
19-https://youtu.be/0YV-OpTaz3E?si=9B4kAPhZDPCYqnfs
20- طفل ايزيدي عرب من داعش
https://youtu.be/ypZDvWOYjRI?si=Tv4aRfSz-UP6enUt

