مرّت اثنتا عشرة سنة على ذلك اليوم الأسود الذي ما زال جرحه مفتوحًا في ذاكرة الإيزيديين، وعلى تلك اللحظة التي اختارت فيها فتاة إيزيدية من سنجار أن ترحل عن هذا العالم قبل أن تمتد إليها أيدي الوحوش.
كانت جيلان برجس فتاةً حالمة، تحمل في قلبها أمنيةً بسيطة ونبيلة: أن تكمل دراستها، تدخل الجامعة، وتحصل على شهادة جامعية تليق بطموحها، ثم تعود إلى مجتمعها في سنجار لتخدم أهلها وتكون واحدةً من أولئك الذين يصنعون مستقبلًا أفضل لأبناء مجتمعها.
كانت واحدة من الطالبات المتفوقات، وكان المستقبل أمامها مفتوحًا كنافذة واسعة على الحياة.
لكن في الثالث من آب عام 2014، انقلب كل شيء.
جاء تنظيم داعش، ذلك التنظيم الذي حمل في اسمه شعارات الدين، بينما حملت أفعاله كل ما يناقض أبسط قيم الإنسانية. اجتاح سنجار وقراها ومجمعاتها، وحوّل حياة الآلاف من الإيزيديين إلى جحيم مفتوح. قُتل الرجال، وتشتتت العائلات، وخُطف الأطفال والنساء، واقتيدت مئات النساء والفتيات إلى البعاج وغيرها، حيث تعرضن للبيع والاستعباد والاغتصاب، في واحدة من أبشع الجرائم التي شهدها العصر الحديث.
وكانت جيلان واحدة من أولئك الفتيات اللواتي سقطن في قبضة ذلك التنظيم.
في ذلك المكان الموحش، لم تعد جيلان ترى الجامعة، ولا الكتب، ولا مقاعد الدراسة، ولا أحلامها القديمة. لم تعد ترى سوى أبواب مغلقة، ووجوهًا غريبة، ومستقبلًا يحاول القتلة انتزاعه منها بالقوة.
كانت تعرف ما ينتظرها.
وفي اللحظة التي أدركت فيها أن جسدها قد يصبح غنيمةً في أيدي أولئك الذين لا يعرفون من الحياة إلا القتل والسبي والإذلال، اتخذت قرارها الأخير.
لم يكن قرارًا سهلًا.
كانت شابة، وكان من حقها أن تعيش، أن تحب، أن تتعلم، أن تتخرج، وأن ترى أحلامها تكبر أمام عينيها. كان من حقها أن تعود إلى أمها وأبيها، وأن تحمل شهادتها الجامعية، وأن تبني بيتًا، وأن ترى أطفالها يومًا ما.
لكن الوحوش التي اختطفتها أرادت أن تحوّلها إلى شيء لا يملك نفسه.
فقررت جيلان أن تنتزع منهم آخر ما يستطيعون انتزاعه: القرار بشأن حياتها وجسدها.
وفي ذلك اليوم، أنهت حياتها بيديها قبل أن تصل إليها أيدي عناصر داعش.
رحلت جيلان، لكن قصتها لم ترحل.
رحلت الفتاة، وبقي اسمها.
رحلت أحلامها، وبقيت شاهدةً على الجريمة.
رحل جسدها، لكن صورتها بقيت في ذاكرة مجتمع بأكمله، تذكّر العالم بأن وراء أرقام الضحايا أسماءً ووجوهًا وأحلامًا وحكايات.
لم تكن جيلان رقمًا في قائمة المختطفات، ولم تكن مجرد واحدة من مئات الفتيات اللواتي خطفهن داعش. كانت طالبةً لها حلم، وإنسانةً لها كرامة، وابنةً لها أهل، وفتاةً كان ينتظرها مستقبل لم تسمح لها الوحوش بأن تراه.
ولهذا أصبح اسمها جزءًا من ذاكرة سنجار.
وأصبح رحيلها المؤلم رمزًا من رموز المأساة الإيزيدية في زمن داعش.
وبعد سنوات، أقام الإيزيديون تمثالًا لها في مجمع تل عزير في سنجار، وتمثالًا آخر في بعشيقة، لتبقى صورتها حاضرة أمام الأجيال، لا بوصفها فتاةً ماتت فحسب، بل بوصفها واحدة من آلاف الضحايا اللواتي حُرمن من حقهن في الحياة.
وفي كل عام، يستعيد المجتمع الإيزيدي ذكراها، لا حبًا بالموت، ولا تمجيدًا للانتحار، وإنما وفاءً لفتاة سُرقت منها الحياة، ولآلاف النساء والفتيات اللواتي عشن واحدة من أقسى المآسي الإنسانية.
إن قصة جيلان ليست قصة موت فقط؛ إنها قصة حلمٍ قتله الإرهاب.
هي قصة طالبة كان ينبغي أن تدخل الجامعة، فإذا بها تُساق إلى سوق السبي.
هي قصة فتاة كان ينبغي أن تحمل كتابًا وشهادة، فإذا بها تحمل في قلبها خوفًا لا تستطيع الكلمات وصفه.
هي قصة إنسانة كان ينبغي أن تعيش عمرها كاملًا، فإذا بالوحوش تختصر عمرها في لحظة.
واليوم، بعد اثنتي عشرة سنة، يبقى السؤال موجّهًا إلى العالم كله:
كيف استطاعت البشرية أن تسمح بأن تتحول فتيات مثل جيلان إلى سبايا في القرن الحادي والعشرين؟
وكيف استطاع قتلة أن ينظروا إلى امرأة، إلى فتاة، إلى طفلة، فلا يروا فيها إنسانًا له كرامة وحقوق، بل يروا فيها غنيمةً تُباع وتُشترى؟
لقد ماتت جيلان، لكن داعش لم يستطع قتل حلمها بالكامل.
فكلما دخلت فتاة إيزيدية جامعة، وكلما حصلت أخرى على شهادة، وكلما وقفت امرأة إيزيدية قوية في وجه العالم وقالت: نحن ما زلنا هنا، فإن شيئًا من حلم جيلان يعود إلى الحياة.
وفي ذكراها الثانية عشرة، لا ينبغي أن نبكي جيلان وحدها، بل ينبغي أن نتذكر آلاف النساء والفتيات والأطفال والرجال الذين دفعوا ثمن جريمة لم يرتكبوها.
ينبغي أن نتذكر سنجار.
أن نتذكر المختطفات.
أن نتذكر الناجيات.
وأن نتذكر أن العدالة لا تعني فقط محاسبة القتلة، بل تعني أيضًا أن نعيد إلى الضحايا حقهم في الحياة والكرامة والمستقبل.
جيلان برجس…
كانت تريد أن تصبح جامعية تخدم مجتمعها.
فمنعها الإرهاب من أن تحقق حلمها.
لكن مجتمعها لم يسمح للإرهاب بأن يمحو اسمها.
وهكذا بقيت جيلان بين أهلها، في تمثال، وفي ذاكرة، وفي قصة تُروى للأجيال.
قصة فتاة صغيرة وقفت في وجه وحوش أرادت أن تسلبها كرامتها، فاختارت أن يكون آخر قرار في حياتها قرارًا يخصها هي.
وبقي السؤال الأكبر معلقًا في ذاكرة سنجار:
كم جيلان أخرى كان يمكن أن تعيش، وتتعلم، وتتخرج، وتبني، وتحب، لولا أن الوحوش قررت أن تسرق من النساء حقهن في الحياة؟
ستبقى جيلان حاضرة ما بقيت سنجار.
وستبقى قصتها شاهدًا على زمنٍ أسود، وعلى جريمة لا ينبغي للإنسانية أن تنساها.
رحلت جيلان… لكن حلمها لم يمت.
وماتت هي، وبقيت سنجار شاهدةً على أن الظلام مهما طال، لا يستطيع أن يطفئ ذاكرة الضحايا.
مهندس ماجد حسن الباسي
في ۱۹-۸-۲۰۲٦ المانیا

