وآل حكرش عشيرة تتكون من: بيت قاسم، وبيت موسكو، وبيت حلو، وبيت عليكي، وبيت فندي، وبيت البلكان، وبيت سامو…، وبيوت أخرى لا تحضرني أسماؤها الكريمة، وآل حكرش الكرام يسكنون سيباية شيخ خدر التي تسمى في دفاتر العربية بـ مجمّع الجزيرة، وكذلك هم أولئك الساكنون منذ القدم في قرية الإسكينية العليا، وكأنهم صخور من طبيعة الجبل نفسه.
يقال إن أول نكتة دخلت قريتنا على لسان حجل أحمر الأقدام والمنقار، كانت في وقت ما بين فرمانين، فأصيب نصف القرويين بحّمى الضحك، والنصف الآخر بحذاقة صنع الضحك؛ بأقوال وحكايات وأمثلة لا على البال ولا على الخاطر، لذلك قيل إن آل حكرش يعيشون على الضحك، قد لا يأكلون ثلاثة أيام، ولكنهم لا يستطيعون العيش بلا ضحك، أو بهجة. يوما واحدا.
وما أن يذكر الضحك والسلوى والأيام الحلوة حتى يخطر على البال جوقة من الشباب والشياب. منهم وليس على سبيل التعداد والحصر فهم جميعا مشمولون:
العّم خلف أومرا: وكان حكواتي، ويضرب على الطنبور الشنكالي، وصاحب بديهية ونكتة حاضرة. أتذكر حضوره في بعض الأماسي إلى بيتنا في الإسكينية العليا في ديوان أبي. وبعده جاء ابنه،
الياس خلف أومرا: وهو شقندحي مشهور، وكان يضرب على الطنبور الشنكالي أيضا، وهو خياط ماهر في وقته أيام ماكينة خياطة (سنكر) اليدوية الذائعة الصيت في أيام قرية الإسكينية.
أتذكره في زمن ذهابنا إلى الموصل من أجل العمل في نهاية السبعينات، مرّة مسك بيدي وتجولنا في فروع باب الطوب العديدة التي قد يضيع فيها سليمان الحكيم دون ترجمان. وبعد رجوعنا إلى الفندق قال للجالسين ضاحكا:
” كان يظنّ من يرانا أنني أرافق مراد كي لا يضيع، ولا يعلمون أنني أنا نفسي كنت سأضيع في زحمة سوق هرج وباب الطوب لو لم يصاحبني مراد ويمسك بيدي”. ومن بيت أومرا أيضا، صديقي،
أبو سليمان، ونسميه (خدر سوسة): نسبة إلى والدته، وهو من النوع الذي لا ترغب في مغادرة مجلسه، فهو مختلف عن الناس كلها عندما يدبك، أو يجلس في مجلس ما، حتى لو كان مجلس عزاء، وعندما كنا نعلب الورق في دكان خلف حجي، كانت صحبته عندي أثمن من الربح جراء لعبة الكونكان، وبالتالي سماع سوالفه هي أغلى ما يمكن الحصول عليها، أصيب صديقي بالعمى مؤخرا، وهو الآن جليس البيت، ولعله يتذكر تلك الأيام الجميلة أيضا.
كان دائما يقول لو قالت لي فتاة عندما ندبك:
” أن لك كف ناعمة كالحرير، يمكنني العيش على هذه الدعابة، والغزل طوال ثلاثة أيام”.
أتذكر من ذلك الزمان البعيد أيضا العّم،
فارس ملحم: وهو شقيق العّم، خديدا ملحم وعكس طبيعته تماما. فقد كان مشهورا في رواية النكتة، وهو صاحب بعضها شخصيا، وكان يشتهر بالمواقف الكوميدية العديدة، ومنه تعلمت كيف تكون المواقف الكوميديا، وتعريف كوميديا المواقف. حتى بعد نزوحنا من الإسكينية إلى سيباى كان له مكانته في بعض المجالس الخاصة بالفكة والمرح باعتباره راويا للنكتة لا يشق له غبار، أتذكر سماعي له بعض نوادره في مجلس ما ذات سيباى.
يحسن بي أن أتذكر أيضا البقال،
العمّ حجي كراد: وهو أيضا كان ممن يلقون النكت والسوالف المرحة في حال الذهاب كمجموعة إلى مكان ما. أتذكر مرة ذهبنا معا إلى البعاج ـ كنت ذاهبا من أجل مراجعة التجنيد ـ وهو كان ذاهبا من أجل شؤون دكانه، وتبضع أشياء ليبيعها ويرزق منها، وفي الطريق كان يلقي على مسامعنا الروايات الضاحكة والنكت الطريفة، بعده، يقال إن ابنه قاسم حجي كراد يروي بعض الحكايات ولكنه بالتأكيد لن يصل مقام أبيه في أدارة فن المرح والضحك.
ربمّا كان أبلغهم حكمة ولباقة ورواية هو جاري،
العّم ألياس قولو: لقد ذكرته كثيرا في كتاباتي، كان صيادا ومحبا للطبيعة ومولعا بالجبل، وحلو المعشر يعيش وحيدا، وكان كوخه ملتقى رجال المنطقة يجلسون ويلعبون بلعبة ما، أو يستمعون إلى الحكايات الشعبية وأمثال العّم ألياس، ومن أقواله التي لا أنساها في الكرمانجية:
“ألمانيا ولات كي ئب ره وايا” أي ألمانيا بلاد رطبة أراضيها. ولم أفهم المثل أو القول إلى أن هاجرت إلى ألمانيا ورأيت بأم عيني كم هي رطوبة بلاد الألمان. وكثافة الأمطار فيها. كيف عرف ذلك وهو لم يغادر حوض جبل سنجار في حياته.
رغم قصر اجازاتي وأيام العطل التي كنت أتمتع بها في البيت في سيباى إلا إنني كنت أحرص على زيارته والاستماع إليه، وسماع لغته الكرمانجية الصافية.
اثنان كانا لغتهما الكرمانجية صافية لا تغشاها كلمات غريبة: العمّ ألياس قولو، والعمّ درويش مراد. وكنت محظوظا بلقاء الاثنين والجلوس معهما ساعات عديدة.
وبعد هؤلاء تأتي مجموعة أخرى وعلى رأسهم،
العمّ مجو خلف ـ أبو علي: ولو كنت قد حظيت بمعاشرته ستجد كل حديثه عبارة عن متعة مغلفة بتواضع لا مثيل له، كان من ربع ألياس خلف أومر وكنا معا في نفس الفندق في الموصل أيام العمل في الموصل، نذهب معا عصرا إلى مقهى الفردوس التي كانت دار سينما قبلا، وكانت لم تزل تحتفظ بشاشتها الفضية، فكنت أرتاح نفسيا عندما نذهب ونجلس هناك نشر ب الشاي والقهوة وندخن السجائر، كنت مولعا بالذهاب إلى دور السينما، وعندما نذهب لنجلس هنا من أجل السوالف وشرب الشاي والقهوة والتدخين، كنت أزداد سرورا، وأقول، هنا شاشة وهناك شاشة، ولا فرق. وكنا نستمع ونستمتع بأحاديث أبو علي، آه كم كان وقتا جميلا بصحبة أناس لا تتمنى أن تفارقهم.
أيضا في تلك المدة الزمنية كان معنا ابن عمي،
خدر إبراهيم علو: وكان لا يقل مرحا عن نافخوش عليّ حربا، وألياس خلف أومرا، كنت استمتع بالجلوس في حضرته، وسماع أحاديثه المرحة المثيرة، وخاصة عندما كان يقلد الآخرين، فقد كان أستاذا في ذلك.
خلال تواجدي في الموصل، عاملا في مستشفى العام، تناهى الى سمعي رقود الجار،
علي دهار: في المستشفى، وعلى دهار لا يقل عن غيره في فن إلقاء الكوميديا، والنكت. زرته في الردهة التي يرقد فيها وتلك كانت آخر مرة أراه فيها، ذهب ولم تزل قفشاته وكلامه المعسول باقيا في أذهاننا.
ثم يأتي العمّ،
نايف قاسم حسين: وكنا نسميه نايف فندي لأنه من بيت فندي، لعله كان أشهر واحد من الجماعة، حيث طبقت شهرته آفاق قبيلة القيران، وربما أبعد، وغالبا كان معه صديقه البير حسن خطو، فهو مثله حلو المعشر وطيب القلب. كان عادة يعمل بالبير مقالب مضحكة نحكيها جميعا على مدار الموسم.
يقال كان نايف مرة يحلق ذقنه، وغطى شاربه أيضا برغوة صابون الحلاقة، فقيل له: لماذا غطيت شاربك أيضا بالصابون؟ فأجاب:
“إنما هذا أنذار للشوارب كي أخيفها”. وطبعا القفشة تكون أرشق وأمضى بالكرمانجية.
هل نسيت أحدا، بالتأكيد نسيت الكثيرين، فمعظم أبناء عشيرة الحكرش يتمتعون بخفة الدم، وطيبة القلب، وحلاوة اللسان، ويجيدون لهجة خاصة بهم، وقد لا يفهم الغريب ما يقولونه، وكأنه أطرش في زفة خاصة بهم.
لم أعاشر شباب اليوم، فقد يكون بينهم من هو أكثر إضحاكا من الذين ذكرتهم.

