تفيض التواريخ الإنسانية بأسرار تجعل القلاع والممالك ليست مجرد حجارة وسياسة، بل مسرحا تتجلى فيه النوارنيات والبركات التي تنتقل عبر السلالات. ومن قلب لالش الشريف يتجلى اسم الشيخمند باشا كواحد من أبرز أولياء لالش النورانيين، وهو ابن ملك فخردين بن إيزدين مير شمسا، وينتمي إلى سلالة طاهرة تضم إخوانه الشيخ أقوب موس والشيخ بدر واخته خاتونا فخرا، وأعمامه الاولياء الموقررين شيشمس وسجادين وناسردين. ولد الشيخ مند في القرن الثاني عشر الميلادي ليكون ركنا من أركان الروحانية ومريدا جليلا لمشايخ الطرق العلية ك پير هسنلكا وملک شيخسن. ولم تكن ولايته مجرد شأن روحاني باطني، بل امتدت لتلم شمل دنيوي كبير، فهو شيخ عشيرة الهويرية الأيزيدية العريقة التي امتزجت سرائرها بالنور، ولا تزال ذريته المباركة ممتدة في أرجاء كردستان العراق، وتستقر بركتهم في عوائل بنمالى شيخ گبو وعوائل شيوخ شيخمند في ختارة وفي شنكال ودشتا دوبان دنا بنمالێ شیخ کوبو وفي سهل زاخو المسمى دشتا زيدافا.
إن جذور هذا الوجود الإيزيدي في الشام وكلس وحلب وأنطاكية وحمص وحماة ضربت في أعماق التاريخ منذ أقدم العصور، كأنما كانت تلك الأراضي تنتظر نفحات نورا تسري في أرجائها. ومن المعروف أن الاتحاد العشائري للهويرية الميتانية ضمت كافة الأراضي السورية الحالية بالإضافة إلى أجزاء واسعة من آسيا الصغرى، وكانت لهم أيضاً ((إمارة جارجوم )) التاريخية التي امتدت حدودها النورانية والسياسية من شمال غرب حلب إلى غرب طرابلس على ساحل البحر الأبيض المتوسط. وظلت هذه الإمارة متمسكة بهويتها وعقيدتها ورافضة للدخول في الإسلام في أعقاب حكم عمر بن الخطاب، حيث آثرت دفع الجزية للحفاظ على استقلاليتها وسرها الروحي، حتى تمكن الوليد بن عبد الملك من القضاء عليها في سنة سبعمائة وخمسة ميلادية.
ومع مرور الزمن وتعاقب العصور، عادت البركة الربانية لتزهر من جديد إبان ظهور الدولة الأيوبية التي أسسها القائد صلاح الدين الأيوبي في بداية القرن الثاني عشر الميلادي. فقد وقفت العشائر الإيزيدية والكردية المسلمة في بلاد الشام وكردستان بقلب واحد وروح مؤيدة مع هذا القائد الكوردي في فتوحاته ومعاركه. وتكريما لصدقهم وجهودهم الروحية والعسكرية، أقطعهم صلاح الدين الأيوبي مناطق استراتيجية في حلب وأعزاز وكلس، فأسس الإيزيدية فيها إمارة عرفت بإمارة قلعة حلب بمباركة شيخسن واولياء لالش اجمعين، وتولى الشيخ مند مقاليد أمورها لتنسجم السلطة الزمنية مع البركة الباطنية. ويذكر المؤرخ الكوردي شرفخان البدليسي أن الإيزيدية في مناطق حلب وكلس والقصير اجتمعوا بحب وولاء حول الشيخ مند باشا، وبلغت قوته ومهابته الروحية أن التف حوله جميع العشائر الكردية في بلاد الشام. ونظرا لهذه الهيبة الساطعة والسمعة العطرة، منحه الأيوبيون لقب أمير الأمراء.
وبعد وفاة الشيخ مند باشا إلى خلود ، انتقلت الإمارة والسر إلى ابنه الملك شيخ عرب الذي أصبح أميرا لإمارة كلس حتى وفاته في سنة 1262 ميلادية. وتمكن الأمير عرب بحكمته ونفوذه من توسيع حدود إمارته لتضم إيزيدية حماة ومرعش وملاطية وصولا إلى جزيرة بوتان وسلوبيا ويران شهر. لكن التوازنات السياسية تغيرت عندما تمكن المماليك من إسقاط الحكم الأيوبي، ولأن عائلة الشيخ مند كانت مخلصة وموالية للأيوبيين، قام المماليك بعزل هذه العائلة الشريفة من إمارة كلس، ووضعوا الإمارة تحت سلطة عائلة الشيخ وبكر الذي توفي في سنة 1315 ميلادية بعد أن حكم إيزيدية حماة ومرعش وملاطية وكلس، وتوالى على الحكم بعده عدد من أولاده وأحفاده.
غير أن سر آل الشيخ مند لم ينطفئ، ففي فترة حكم الأمير خيري بن خدر تزايد نفوذ أسرة الشيخ مند من جديد، وكان أحد أحفاده وهو الأمير أحمد يحكم إحدى المناطق القريبة من كلس. وفي عهد هذين الأميرين وقعت مصالحة مباركة بين الأسرتين، وأعيد مركز الإمارة إلى مدينة كلس ليجتمع الشمل من جديد. لكن هذه المصالحة لم تكن لتروق لشراكسة مصر والمماليك، فرفضوا هذا التوافق وقام السلطان ظاهر قانصوه بتجريد حملة عسكرية عاتية انتهت بمسير قواته وقتل الأمير حبيب في سنة 1449 ميلادية. وجاء بعده إلى سدة الحكم الأمير شيقاسم من عائلة الشيخ مند باشا، إلا أن حكمه لم يرق للشراكسة أيضا، فأعادوا الحكم بالقوة إلى اسرة شيخوبكر.
أصبح ئيزدين (عزالدين عفدي بن مير خدر) والمعروف بعزالدين الكوردي الإيزيدي أميرا لإمارة كلس. واستطاع الأمير عزالدين ( ئيزدين )بنفوذه ودقته أن يقنع والي حلب قراجا باشا بإرسال رسالة تحذيرية إلى السلطان سليم الأول، موضحا له أنه إذا تم تعيين الأمير قاسم أميرا على كلس فإن النار والفتن ستستمر في البلاد. ويؤكد شرفخان البدليسي أن الشيخ عزالدين أقنع أمير أمراء حلب قراجا باشا بأن الأمير قاسم قد خان السلطان، وبضرورة مكاتبته لحرمان قاسم من التوجه نحو حلب. وبهذه المناورة السياسية اقتنع السلطان العثماني بالتخلص من الأمير قاسم وإبعاده، بينما أُخذ ابنه جانبولاد بكر إلى بلاط السلطان ليتلقى الرعاية والتربية هناك.
وبواسطة والي حلب، أصبح الشيخ عزالدين أمير الكرد في حلب وكلس، وبلغ من السطوة والانتشار القوي حتى صار الشارع يضرب بهم المثل، فيقال للرجل انتسابا وافتخارا هل انت من أكراد شيخمند أم من أكراد عزالدين. ونال الكرد عموما والإيزيدية خصوصا مكانة مرموقة وسامية في أيام إمارة عزالدين، حتى اعترف به وبإمارته السلطان العثماني سليمان القانوني في الفترة الممتدة بين 1520..1566 ميلادية.
لكن دوام الحال من المحال، فبعد وفاة الأمير عزالدين تدهورت أوضاع الكرد في حلب وكلس والشام سريعا، ولم يعد هناك شخص ذو نفوذ وقوة يلتف حوله الناس لا من أسرة الشيخ مند ولا من أسرة الشيخوبكر. وألحقت جميع ممتلكات الإمارة وأراضيها بممتلكات السلطان المباشرة في أنطاكية، وجعلت إقامة كرد الشام وشؤونهم بأمر سلطاني تحت سيطرة محمد بك أحد أمراء حصن كيف. غير أن الاضطرابات والضغط المتواصل من كورد حلب وكلس أجبرت السلطان العثماني فيما بعد على إلغاء هذه القرارات الصارمة، فقام بتعيين جانبولاد بك أميرا على الكرد في كلس وحلب، وأعاد إليه حكم آبائه وأجداده من أسرة الشيخ مند ومقاليد السلطة ليحكمها نيابة عن السلطنة.
ويمثل عهد جانبولاد بك، كما ينقل المؤرخ شرفخان البدليسي، العصر الذهبي لإمارة كلس، حيث فاضت الخيرات وازدهرت الأوضاع الاقتصادية وساد الأمن والاستقرار والصفاء الروحي في كل أرجاء الإمارة. وعمر جانبولاد بك طويلا حتى ناهز عمره 90 عاما، وعندما فاضت روحه ترك وراءه كوكبة من الأولاد هم حبيب بك وعمر بك وأحمد بك وعبدي بك وحسين بك وجعفر بك وشمو بك وزينل بك وحيدر بك وخدر بك.
خلف جانبولاد بك في إدارة أمور إمارة كلس ابنه جعفر بك وفق اتفاق سابق عقده والده قبل وفاته مع السلطان العثماني، بينما تولى حسين بك إدارة الشؤون المالية وممتلكات الإمارة ورعايتها، وتقرر أن يتقل المجد والإمارة إلى حبيب بك بعد وفاة أخيه جعفر. ولكن بعد رحيل جعفر بك، دب الخلاف والنزاع بين حسين بك واخيه حبيب. وكان حسين بك رجلا طموحا وذكيا وشجاعا، أبدع في نسج العلاقات وقدم الهدايا والعطايا للسلطان والولاة العثمانيين حتى كسبهم إلى جانبه. وفي سنة 1592 ميلادية منحه السلطان رتبة مير ميران باشا، وأصبح واليا على إيالة طرابلس في الشام وأميرا مطاعا على كل من حلب وكلس والقصير.
وفي تلك الأثناء حاول رجل عربي يدعى قمبيز الاستيلاء على إيالة طرابلس وعزل حسين باشا، فغادر إلى الأستانة بحمل كبير من الذهب ليقدمه رشوة للسلطان مقابل استصدار أمر العزل. ولكن عند رجوعه قتل قمبيز في ظروف غامضة، ووجهت أصابع الاتهام إلى حسين باشا بتدبير قتله دون أن تثبت التهمة عليه رسميا. ورغم ذلك قام السلطان بعزل حسين باشا عن إيالة طرابلس. إلا أن المؤرخ الكردي محمد أمين زكي يذكر رواية أخرى لسبب عزله وسحب رتبة الباشوية منه، فيشير إلى أنه في أيام ولاية سنان باشا لحلب منح الصدر الأعظم حسين باشا رتبة بکلر بكين في ولاية حلب. وعندما أراد الصدر الأعظم التجهيز للحملة العسكرية على بلاد العجم وإيران ضد الدولة الصفوية، لم تكن لدى حسين باشا النية في المشاركة فيها وامتنع عن الخروج، معتذرا عن عدم المشاركة بحجج وأسباب كثيرة قدمها للوزير الكبير. وبعد فشل الصدر الأعظم في حملته عند تبريز وتراجعه إلى الأستانة، استدعى حسين باشا وحين حضوره أمر بإعدامه فورا عقابا له على رفض الخروج في الحرب.
وعندما بلغ مير علي بن جانبولاد بك خبر مقتل أخيه أو أبيه، وصل إلى حلب على جناح السرعة واشتعلت في صدره حمية الثورة، فأعلن قيام ثورته ضد الدولة العثمانية واستولى على طرابلس الشام والعديد من القرى والبلدات المجاورة. وجمع مير علي قوة عسكرية ضخمة وأسس دولة مستقلة تماما عن السلطنة العثمانية في مناطق حلب وكلس والشام وطرابلس، ونظم جيشا كبيرا وضرب السكة والعملة باسمه تعبيرا عن الاستقلال التام. وفي أكتوبر عام 1607 ميلادية عقد معاهدة صداقة وتحالف رسمية مع الأرشيدوق فرديناند أمير توسكانيا في إيطاليا، وسعى لعقد معاهدات مماثلة مع دول أوروبية أخرى.
أمام هذا الخطر الجسيم، أوكلت السلطنة العثمانية مهمة القضاء على علي جانبولاد بك إلى مراد باشا القائد العام لجيوش الأناضول، وأمره الصدر الأعظم بإنهاء الثورة بسرعة. حشد مراد باشا جيشا جرارا من الأتراك ومعه أربعون ألف مقاتل كوردي من عشيرة دلقادر ذو القدرية تحت قيادة ذو الفقار باشا. وفي المقابل أعد الأمير علي حفيد شيخمند باشا نحو 10 ألف فارس 10 ألف جندي من المشاة، ووقف بمواجهة الجيوش في وادي بوكراس. لكن قوات ذو الفقار اتجهت نحو وادي أرسلان بيلي، ثم التقى الجيشان في معركة حامية الوطيس بسهل أورج بتاريخ 24 أكتوبر عام 1607 ميلادية. ودارت رحى ملحمة دامية راح ضحيتها أكثر من نصف مقاتلي الأمير علي بن جانبولاد بك.
ولم يستمر الأمير علي طويلا في الساحة بعد هذه الخسارة، فانسحب نحو حلب ومنها توجه رأسا إلى الأستانة وأعلن استسلامه ودخالته على السلطان، فعفا عنه السلطان وعينه بکلربكياً على بلاد تمشوار في النمسا التي كانت تابعة للسلطنة العثمانية، بينما أرسل أخاه الأصغر إلى المدرسة الخاصة في دار السلطان. لكن هذا العفو لم يرض القائد مراد باشا، فأرسل قوة خاصة إلى تمشوار اغتالت علي جانبولاد بك داخل قلعة بلغراد. ويظهر من واقع النسب والتاريخ أن مير علي لم يكن أخا للمير حسين كما ذكر محمد أمين زكي، بل كان ابنا له بدليل عدم وروده في كتاب الشرفنامة ضمن قائمة الأبناء العشرة لجانبولاد بك.
وبعد هذه المحنة الرهيبة، تمكنت مجموعة من أسرة جانبولاد بك من النجاة من بطش مراد باشا واختبأت في أحراش وأطراف حلب وكلس. وفي سنة 1630 ميلادية تمكن سعيد بك جانبولاد بك مع ابنه ربان من المغادرة إلى بيروت ونزلوا في ضيافة إحدى العائلات المرموقة وتدعى موسنيا من أمراء لبنان، حيث كانت بين الأسرتين روابط قديمة. وفرح أمير جبل الشوف الشيخ فخر الدين بمجيء هذه السلالة العريقة ورحب بهم، وحدثت مصاهرات وزيجات بين الطرفين. ومع مرور الزمن تحولت عائلة جانبولاد بك إلى قوة ضاربة وأصبحوا من كبار رؤساء جبل لبنان وشيوخ الدروز المرموقين، وتبدأت بذلك مرحلة جديدة تماما في تاريخ هذه العائلة الكوردية التي استعربت لسانيا في عهد جمال عبد ناصر مع الحفاظ على موروثها السيادي، ولا تزال تلعب دورا محوريا وجوهريا في الحياة السياسية والاجتماعية في لبنان حتى يومنا هذا.
وهكذا يتضح أن الإيزيديين استطاعوا عبر التاريخ أن يؤسسوا إمارات ودول حفرت أثرها الروحي والزمني في مناطق متفرقة، حيث امتد شعاع نفوذ إمارة كلس وحلب إلى حبان وجزيرة بوتان، ثم توسع شرقا وشمالا ليصل إلى ديار بكر، معلنا عن سيرة تاريخية وطاقة روحية لا تمحوها العصور…… المصادر
محمد امين زكي، تاريخ الدول والامارات الكوردية، ترجمة محمد علي عوني، ص33
حسين حزني الموكرياني، موجز تاريخ امراء سوران، ص9
البدليسي، الترجمة العربية،
عدنان زيان فرحان، الكرد الإيزيديون في اقليم كوردستان
عماد عبد السلام رؤوف، السلطان حسين الولي
شمو قاسم كلو مشاهير الكورد مجلة لالش
. سيروان سليم شرو
تفاصيل إمارة شيخمند باشا في حلب :سيروان سليم شرو
الاشتراك
0 Comments
الأقدم

