حين قادت الجماهير نفسها في مثل هذا يوم 23اب1988
في جميع حركات التحرر والثورات المسلحة، ولا سيما تلك التي تخوض كفاحها في المناطق الجبلية، تشكّل العلاقة بين الجماهير والقيادة الميدانية إحدى الركائز الأساسية لاستمرار الثورة وصمودها. فعندما تتمكن قوات المعارضة من تحرير أجزاء من الأراضي التي يقطنها المدنيون، كما حدث في جبال كردستان خلال سنوات الكفاح ضد نظام صدام حسين، لا تعود مسؤولية القيادة مقتصرة على إدارة المعارك والعمليات العسكرية، بل تمتد لتشمل حماية المدنيين، وتنظيم شؤون حياتهم، واتخاذ القرارات الحاسمة في الوقت المناسب، ولا سيما حين تقترب الأخطار ويصبح مصير الناس على المحك.
وعلى امتداد سنوات الثورة، اعتادت الجماهير أن تضع ثقتها في قياداتها، وأن تنظر إلى القيادة الميدانية بوصفها الطرف الذي يتحمل القسط الأكبر من المسؤولية في الظروف الاستثنائية. ولذلك كانت تستجيب لتوجيهاتها، حتى في أحلك الأوقات، انطلاقًا من قناعة بأن من يقودون العمل في الميدان هم الأقدر على قراءة تطورات الموقف، وتقدير حجم المخاطر، واتخاذ القرار الذي يحفظ أرواح الناس ويصون مسيرة النضال.
غير أن اللحظات المصيرية لا تسير دائمًا وفق هذه القاعدة؛ فقد تأتي ساعة تجد فيها الجماهير نفسها أمام خطر داهم، وتصبح مضطرة إلى أن تقرأ الواقع بعينيها، وأن تتخذ قرارها بنفسها.
لكن ما شهدته في تلك الأيام كان مختلفًا تمامًا، وكأن القاعدة التي استقرت طوال سنوات الكفاح أخذت تنقلب أمام أعيننا في لحظة من أكثر اللحظات خطورة.
ففي مساء الثاني والعشرين من آب/أغسطس 1988، أي قبل ثلاثة أيام من بدء الهجوم الذي افتتح المرحلة الأخيرة من عمليات الأنفال في الخامس والعشرين من الشهر نفسه، كانت الجماهير تعيش ساعات ثقيلة من القلق والترقب، في انتظار قرار حاسم طال انتظاره. كان الجميع يدرك أن الخطر يقترب بسرعة، وأن الساعات المقبلة قد تحدد مصير عشرات الآلاف من أبناء شعبنا، وكان معظمهم من النساء والأطفال والشيوخ.
لذلك اتجهت الأنظار نحو القيادة الميدانية والمسؤولين القائمين عليها، أملًا في صدور توجيه واضح وخطة عاجلة تتيح نقل العائلات إلى بر الأمان قبل أن تُغلق منافذ النجاة. ففي مثل تلك اللحظات، لم يكن الناس ينتظرون مجرد تعليمات عسكرية، بل قرارًا قد يفصل بين الحياة والموت.
غير أن ما رأيته في تلك الساعات قلب كثيرًا مما عرفناه واعتدنا عليه خلال سنوات الكفاح. فلم أرَ القيادات في مقدمة الناس تنظّم حركتهم وتقود انسحابهم، بل وجدتها تلتحق بالجماهير وهي تغادر المقر، مندفعة معها في مشهد بدا أقرب إلى الهروب الجماعي منه إلى انسحاب منظم.
كانت الفوضى تعم المكان، والارتباك يسيطر على الجميع، والخوف يخيّم على الوجوه. رجال ونساء وشيوخ وأطفال يتحركون تحت وطأة إحساس واحد: أن الخطر بات قريبًا، وأن الوقت المتبقي للنجاة يضيق مع كل لحظة.
وكان المشهد أشد قسوة حين تقع العين على النساء الحوامل، وهن يمضين وسط تلك الجموع حاملات في أحشائهن حياة جديدة، فيما يحاولن الفرار من موت يطارد الجميع. وبينهن أمهات يحملن أطفالهن، وأطفال يسيرون على أقدام أنهكها الطريق، وبعضهم لا يكاد يدرك لماذا ترك بيته، ولا إلى أين تمضي به أسرته. اختلطت في ذلك المشهد براءة الطفولة بالخوف، وغريزة النجاة بالعجز عن معرفة ما ينتظرنا في الساعات المقبلة.
وفي تلك اللحظات، بدا لي أن سنوات طويلة من الثقة التي ربطت الجماهير بقياداتها تتعرض لاختبار لم تعرف مثله من قبل. فحين كان الناس في أمسّ الحاجة إلى من يتقدمهم، وينظم حركتهم، ويحدد لهم طريق النجاة، وجدوا أنفسهم أمام التردد وضيق الوقت واقتراب الكارثة.
وكان ما سيحدث بعد ذلك كفيلًا بأن يكشف حقيقة أكثر إيلامًا: عندما غاب القرار الذي انتظرته الجماهير، لم يعد أمامها سوى أن تبدأ، شيئًا فشيئًا، في اتخاذ قرارها بنفسها.
وفي تلك اللحظات أدركت أن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي ثورة ليس تفوق العدو في السلاح وحده، بل أن يأتي اليوم الذي تجد فيه الجماهير نفسها مضطرة إلى تقرير مصيرها بنفسها، بعدما أمضت سنوات وهي تثق بمن يقودها وتنتظر منه التوجيه في ساعات الخطر.
ومن خلال ما رأيته وعشته منذ بداية تلك الأحداث حتى نهايتها، كان تأخر اتخاذ القرار الحاسم بإجلاء العائلات من المقر أحد الأسباب التي جعلت الموقف أكثر خطورة. كان من الممكن، لو صدر القرار في وقت مبكر، نقل العائلات إلى مناطق أقرب إلى الحدود التركية أو الإيرانية، حيث تتوافر لها فرصة أكبر للعبور والنجاة إذا وقع الهجوم. لكن الساعات مضت، والتردد طال، ومعه أخذت الفرصة المتاحة تضيق شيئًا فشيئًا.
وبدل أن تبدأ عملية منظمة لإبعاد المدنيين عن دائرة الخطر، ظل الجميع ينتظر. كانت الساعات تمر ثقيلة، والعائلات تترقب كلمة أو أمرًا يحدد لها ما ينبغي فعله، فيما كان الخطر يقترب خطوة بعد أخرى. ومع كل ساعة ضائعة، لم يعد التأخير مجرد مسألة في تقدير الموقف؛ فقد أخذ يتحول إلى عامل يزيد من صعوبة النجاة ومن حجم المأساة التي كانت تلوح في الأفق.
وحين أدرك الناس أن الانتظار قد لا يأتيهم بالقرار الذي كانوا يرجونه، بدأت الجماهير تفعل ما لم تكن معتادة على فعله في مثل تلك الظروف: أخذت زمام مصيرها بيدها.
كل من استطاع شراء بغل أو حمار سارع إلى ذلك، ليحمل عليه زوجته وأطفاله، أو ما أمكن حمله من الحاجات الضرورية، ثم أخذ يبحث عن طريق يقوده نحو الحدود التركية أو الإيرانية. لم تكن هناك، كما رأيت، خطة واحدة تنظّم حركة الجميع، ولا طريق آمن مضمون ينتظرهم. كان كل رب أسرة يحاول أن يجد لعائلته منفذًا للنجاة قبل أن تضيق الطرق ويصبح الخروج مستحيلًا.
وفي الوقت نفسه، كان القادة الميدانيون والمسؤولون السياسيون في مقر الفوج الأول للحزب الشيوعي العراقي ما يزالون منشغلين باجتماعاتهم. وبالنظر إلى ما حدث بعد ذلك، بدت لي تلك الاجتماعات وكأنها جاءت متأخرة عن زمن القرار؛ ففي مثل تلك الظروف، قد تكون ساعات قليلة هي الفارق بين الوصول إلى مكان آمن والبقاء عالقًا في طريق الكارثة.
ولم تكن الصورة الكاملة واضحة لنا آنذاك. فقد عرفت لاحقًا أن مسؤولين في مناطق أخرى كانوا قد نقلوا عائلاتهم مسبقًا إلى أماكن أقرب إلى حدود الدول المجاورة، استعدادًا لاحتمال وقوع هجوم، بحيث يصبح عبور الحدود التركية أو الإيرانية ممكنًا خلال وقت أقصر إذا وقع الأسوأ.
أما في وادي مراني، حيث كان يقع مقر الفوج الأول للحزب الشيوعي العراقي، فقد كان المشهد مختلفًا. ومن موقعي شاهدًا على تلك الأحداث، بدا لي أن إدراك حجم الخطر، أو على الأقل اتخاذ القرار الذي يتناسب معه، جاء متأخرًا، في وقت كانت فيه فرص النجاة تتناقص بسرعة
وهنا بقيت في ذاكرتي مفارقة من أشد مفارقات تلك الأيام إيلامًا. فبحسب ما عشته وعرفته عن مصائر من كانوا معنا، لم يفقد المسؤولون في قيادة منطقة بادينان أحدًا من أفراد عائلاتهم، في حين دفع بعض مسؤولي الفوج الأول والأنصار الذين كانت عائلاتهم تقيم معهم في مقر الفوج الأول ثمنًا فادحًا؛ فمنهم من فقد عائلته بأكملها، ومنهم من فقد معظم أفرادها.
ولم تقتصر المأساة على عائلات الأنصار ومسؤولي الفوج الأول، بل امتدت إلى أعداد كبيرة من أبناء المنطقة، ممن فقدوا زوجاتهم وأطفالهم وآباءهم وأمهاتهم وأقرباءهم في تلك الكارثة.
؟ وكانت هذه المفارقة تزداد قسوة كلما استعدت تفاصيل تلك الأيام؛ ففي الوقت الذي تمكنت فيه عائلات بعض المسؤولين من الوصول إلى مناطق أكثر أمانًا، بقيت عائلات أخرى في دائرة الخطر حتى ضاقت أمامها سبل النجاة. ولم تكن قسوة هذه المفارقة في أعداد الضحايا وحدها، بل في سؤال ظل يلاحقني طوال هذه السنوات، ولا أجد له جوابًا حتى اليوم: كم من تلك الأرواح كان يمكن إنقاذها لو اتُّخذ قرار إجلاء العائلات في الوقت المناسب؟
ذلك السؤال لم يكن وليد ما عرفناه بعد انتهاء المأساة فحسب؛ فقد كانت مقدماته تتشكل أمام أعيننا، ساعة بعد أخرى، قبل أن يبدأ الهجوم نفسه
ولم تكن تلك الحقيقة مجرد رقم يُضاف إلى سجل الضحايا، بل جرحًا مفتوحًا ظل يرافق من نجا من تلك الأيام. كان الثمن الذي دفعه الأنصار وعائلاتهم وأبناء المنطقة باهظًا إلى حد يصعب وصفه؛ وظلت وجوه من رحلوا وأسماؤهم وتفاصيل أيامهم الأخيرة حاضرة في ذاكرة الناجين، لا يمحوها مرور السنين.
ولا أكتب ذلك بدافع الاتهام أو تصفية الحساب، بل لأن ما حدث جزء من شهادة حملتها في ذاكرتي طوال هذه السنوات. فحين تتأخر القيادة عن اتخاذ القرار في لحظة مصيرية، لا يتحمل أصحاب القرار وحدهم تبعات ذلك التأخير؛ بل قد يدفع الثمن أبرياء وضعوا ثقتهم فيمن اعتقدوا أنه سيحميهم ويقودهم إلى بر الأمان.
كان التحرك العفوي للجماهير أشبه بموجة بشرية اندفعت تبحث عن منفذ للخلاص بين الجبال والوديان والمسالك الوعرة. اختلطت الأصوات بالصراخ والبكاء، وتصاعد غبار الطريق تحت أقدام الناس والدواب، بينما كان الجميع يمضون إلى المجهول، لا يعرفون أين سينتهي بهم ذلك المسير القاسي، ولا ما الذي ينتظرهم خلف المنعطف التالي.
شهدت ذلك بعيني. كنت بين الناس، أرى الوجوه المرهقة والخائفة، وأراقب كيف تحولت اللحظة، أمامي، من انتظار قرار القيادة إلى لحظة أخذ فيها الناس مصيرهم بأيديهم، بعدما أخذ الأمل يتلاشى في وصول توجيه أو تنظيم يستطيع أن يخفف من الفوضى التي اجتاحت المكان.
وفي تلك الساعات من يوم 23/اب/1988اي قبل يومين من بدا الهجوم في كافة المحاور في منطقة بادينا، بدت محاولات تدارك الموقف ضعيفة ومتأخرة. كانت الأحداث تتسارع أكثر مما يمكن السيطرة عليه؛ حتى غدت النداءات بلا أثر، بينما أخذت الجموع تبتعد شيئًا فشيئًا عن قراها ومقراتها في حركة بشرية لم يعد من السهل تنظيمها أو إيقافها.
وهكذا انتهت تلك الساعات الثقيلة إلى مشهد بقي محفورًا في ذاكرتي. فما بدأ بالتردد والانتظار والتأخر في اتخاذ القرار، انتهى إلى كارثة حقيقية حين وصلت الجماهير إلى وادي كافيا، المعروف أيضًا بكلي كافيا؛ ذلك المكان الذي ستظل قصته، بالنسبة إليّ، شاهدة على واحدة من أقسى اللحظات التي عشتها في تلك السنوات.
وفي تلك الليلة أدركت أن الانهيار الأخطر لم يكن في خطوط الدفاع وحدها، بل في شيء أعمق: الثقة التي ربطت الجماهير بمن اعتقدت أنهم سيقودونها ويحسنون حمايتها ساعة الخطر. فقد وجد الناس أنفسهم، في أقسى لحظة، يقودون أنفسهم نحو المجهول، باحثين عن النجاة بأي ثمن.
وظلت الجبال، منذ ذلك اليوم، شاهدة على الألم مثلما كانت، طوال سنوات، شاهدة على الصمود.
ومن بين الصور التي لم تفارق ذاكرتي مشهد أم داهمها المخاض في أثناء رحلة الهرب. وفي خضم الفوضى والخوف، وضعت مولودها على قارعة الطريق، تحت ظل شجرة، في وقت لم يكن فيه مكان آمن تلجأ إليه ولا فرصة للتوقف وانتظار ما سيحدث.
ثم جاء القرار الذي لا ينبغي لأي أم أن تُجبر على اتخاذه.
اضطرت إلى مفارقة مولودها، وهي تغالب دموعها، على أمل أن تتمكن من إنقاذ بقية أطفالها ومواصلة الطريق بهم بعيدًا عن الموت الذي كان يلاحق الجموع. لم يكن اختيارًا حرًا، بل حكمًا فرضته عليها قسوة الحرب وظروف الهرب؛ مشهدًا يعجز الكلام عن الإحاطة بقسوته، وتعجز الذاكرة، مهما مرت السنوات، عن التخلص منه.
لكن مأساة تلك الأم لم تنته عند الشجرة التي تركت تحتها وليدها.
فحتى الأطفال الذين حاولت إنقاذهم لم يُكتب لهم النجاة. وانتهى بهم المصير، كما انتهى بآلاف آخرين من ضحايا الأنفال، إلى المقابر الجماعية في جنوب العراق. هناك غابت الأسماء تحت التراب، وبقي أهل الضحايا سنوات طويلة يبحثون عن خبر، أو أثر، أو رفات يعيد إليهم شيئًا من اليقين؛ قبرًا يستطيعون الوقوف أمامه بدل انتظار لا يعرف نهاية.
واليوم، بعد مرور ثمانية وثلاثين عامًا على كارثة بادينان، وأكثر من ثلاثة وعشرين عامًا على سقوط النظام الذي ارتكب جرائم الأنفال، لم تُغلق هذه الصفحة بعد. فما تزال مقابر جماعية كثيرة تنتظر الكشف عنها واستكمال الإجراءات المتعلقة بها، وما تزال رفات أعداد من الضحايا تنتظر أن تُعرف هويات أصحابها وأن تعود إلى ذويهم، ليواروا الثرى بما يليق بكرامة الإنسان وحرمة الموتى.
وإذا كانت التقديرات المتداولة تشير إلى أن نسبة كبيرة من تلك المقابر لم تُفتح بعد، فإن مجرد بقاء هذا العدد من الضحايا مجهولي المصير بعد كل هذه العقود يكفي ليطرح سؤالًا أخلاقيًا وإنسانيًا لا يجوز تجاهله: إلى متى تبقى العائلات تنتظر؟
لقد طال انتظارها بما يكفي.
إن فتح المقابر الجماعية، والكشف العلمي عن الرفات، والتعرّف إلى هويات الضحايا، ثم تسليمهم إلى ذويهم، ليس مجرد إجراء قانوني أو إداري. إنه واجب وطني وإنساني وأخلاقي، ووفاء لضحايا الإبادة الجماعية وإنصاف لعائلاتهم، وخطوة ضرورية في طريق العدالة وحفظ الذاكرة.
فمن أبسط حقوق هؤلاء الضحايا، بعد أن حُرموا من حياتهم، ألا يُحرموا أيضًا من أسمائهم وقبورهم. ومن حق آبائهم وأمهاتهم وأبنائهم وأحفادهم أن يعرفوا أين يرقد أحباؤهم؛ أن يكون لهم مكان يقفون عنده، يقرأون الفاتحة، ويضعون زهرة، ويستعيدون شيئًا من السكينة التي سلبتها منهم الجريمة والانتظار الطويل.
ومن هنا يبرز سؤال أوسع يتصل بمسؤولية الدولة عن حفظ الذاكرة: أليس من واجب الحكومة العراقية وحكومة إقليم كوردستان أن تخلّدا ذكرى ضحايا الأنفال بما يليق بحجم المأساة؟
إن إقامة أضرحة أو نُصب تذكارية وطنية في بغداد وفي محافظات العراق وإقليم كوردستان، على غرار الرموز الوطنية الكبرى التي تخلّد ضحايا الحروب والمآسي، لن تكون مجرد إضافة معمارية إلى ساحات المدن. بل يمكن أن تكون اعترافًا دائمًا من الدولة بضحايا واحدة من أبشع الجرائم التي عرفها العراق الحديث، ورسالة إلى الأجيال القادمة بأن هؤلاء الناس عاشوا على هذه الأرض، وكانت لهم أسماء وعائلات وأحلام، ثم انتُزعت حياتهم ظلمًا.
فالذاكرة ليست بكاءً على الماضي وحده، وإنما مسؤولية تجاه المستقبل.
وحين تحفظ الدولة أسماء ضحاياها، وتعيد رفاتهم إلى أهلهم، وتخلّد قصصهم في الذاكرة الوطنية، فإنها لا تنصف الموتى فحسب؛ بل تقول للأحياء وللأجيال التي لم تشهد تلك الأيام إن ما حدث لن يُطمس، وإن الضحايا لن يتحولوا إلى أرقام، وإن الألم الذي مرّ به شعبنا يجب أن يصبح درسًا يحول دون تكرار المأساة بحق أي شعب أو أي إنسان.
وهكذا، حين أعود بذاكرتي إلى تلك الأيام، لا أتذكر الأنفال بوصفها عملية عسكرية أو حدثًا مضى وانتهى، بل أتذكر وجوه الناس وهم يسيرون في الجبال، والأمهات وهن يحملن أطفالهن، والشيوخ وهم يحاولون مجاراة الجموع، وتلك الأم التي تركت مولودها تحت شجرة كي تنقذ بقية أبنائها، ثم لم تنجح في إنقاذهم.
وأتذكر، قبل كل شيء، تلك اللحظة التي أدركت فيها الجماهير أن عليها أن تقود نفسها.
ربما لهذا بقي ذلك المشهد حيًا في داخلي كل هذه السنوات؛ لأنه لم يكن حكاية عن الهرب من الموت وحده، بل كان أيضًا حكاية عن الثقة، والمسؤولية، والقرار الذي تأخر، وعن الثمن الذي يدفعه الأبرياء عندما تضيع اللحظة التي كان يمكن فيها إنقاذهم.
ولهذا أكتب شهادتي اليوم: لا لكي أفتح جراح الماضي من أجل الجراح، ولا لكي أوزع الاتهامات بعد كل هذه السنوات، بل لكي تبقى الحقيقة حاضرة، ولكي نتعلم منها. فالذين رحلوا لا يستطيعون أن يرووا ما جرى، أما نحن الذين بقينا، فإن أقل ما نستطيع فعله هو ألا نسمح للنسيان بأن يروي القصة بدلًا منهم.
وتشير البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة شؤون الشهداء والمؤنفلين إلى أن عدد ضحايا عمليات الأنفال بلغ نحو 182 ألف ضحية، وهو رقم يجسد حجم الكارثة الإنسانية التي تعرّض لها أبناء كردستان، ويكشف جانبًا من فداحة الجريمة التي ارتُكبت بحق المدنيين الأبرياء. إن هذه الأعداد الهائلة من الضحايا تستحق أن تُخلَّد في ذاكرة الوطن بما يليق بكرامتهم وتضحياتهم، وأن تتحول مواقع تخليدهم إلى رسالةٍ إنسانية خالدة ترفض الإبادة الجماعية، وتدعو إلى العدالة، واحترام حقوق الإنسان، وصون كرامته
وكلما مررت بتلك الأماكن، أو عادت إليّ صور تلك الأيام، ازددت يقينًا بأن الجريمة لا تنتهي عند لحظة القتل. إنها تستمر ما دام المفقود مجهول المصير، وما دامت أم تنتظر ابنها، لا تعرف إن كان سيطرق بابها يومًا، أم أنها ستظل تنتظر حتى يأتيها، على الأقل، خبر يؤكد رحيله ويمنحها قبرًا تعرف أين تقف أمامه.
لقد أراد مرتكبو تلك الجرائم ألا يدفنوا الإنسان وحده، بل أن يدفنوا معه الحقيقة والذاكرة. غير أن الذاكرة كانت أقوى من محاولات الإخفاء؛ لأن شهودًا ظلوا أحياء يحملون ما رأوه، ولأن الأمهات لم يتوقفن عن السؤال، ولأن الأرض نفسها، بما تخفيه من مقابر ورفات، بقيت شاهدة على ما جرى.
ولهذا أكتب.
لا لكي أفتح جراح الماضي من أجل الجراح، ولا لكي أغذي روح الانتقام، وإنما لأن الشعوب التي تفقد ذاكرتها تصبح أكثر عرضة لأن تعيش مآسيها مرة أخرى. وما أكتبه هنا ليس سوى شهادة رجل عاش تلك الأيام، ورأى بعينيه ما لا ينبغي لإنسان أن يراه، ثم حمل تلك الصور معه طوال حياته، وشعر بأن من واجبه أن يتركها للأجيال القادمة كما عاشها، حتى لا تضيع الحقيقة بين صمت السنين واختلاف الروايات.
قد تتحول الوثائق يومًا إلى أوراق ساكنة في الأرشيف، وقد تخفت أصوات الخطب والشعارات، وتتبدل الأسماء والوجوه، لكن بعض الصور لا تشيخ.
أم تضع مولودها في أثناء الهرب، تحت شجرة على قارعة الطريق، ثم تضطر إلى مفارقته كي تحاول إنقاذ بقية أطفالها.
طفل تائه بين الجبال لا يعرف إلى أين تمضي به الجموع.
أب يبحث عن زوجته وأبنائه فلا يجد لهم أثرًا.
وعائلات تنتظر، بعد عقود، أن يخرج أحباؤها من صمت المقابر الجماعية ليعودوا إليها رفاتًا، بعدما حُرموا من العودة أحياء.
هذه الصور أبلغ، في نظري، من كثير من الخطب والكلمات.
فالتاريخ لا يكتبه المنتصرون وحدهم؛ يكتبه أيضًا الناجون الذين حملوا الذاكرة أمانة، والشهود الذين قرروا أن يتكلموا حين يصبح الصمت شكلًا آخر من أشكال النسيان.
ومن واجبي في هذه الشهادة أيضًا ألا أفصل الجريمة عن أولئك الذين شاركوا في تنفيذ سياسات النظام وأجهزته أو تعاونوا معها. فقد عرفت تلك المرحلة مشاركة قوات ومجموعات محلية متعاونة مع النظام، كان الناس يطلقون عليها آنذاك تسمية «الجحوش»، إلى جانب عناصر مرتبطة بأجهزة السلطة وحزب البعث. وفي محيط مجمع خانك وغيره، بقيت في ذاكرة الناجين شهادات عن أدوار وممارسات لا يجوز أن تُمحى لمجرد أن عقودًا مرت عليها.
لكن الحديث عن المسؤولية، بالنسبة إليّ، ليس دعوة إلى الانتقام، ولا إلى تحميل الأبناء وزر الآباء، ولا إلى إطلاق الاتهامات بلا دليل. إنه دعوة إلى تثبيت الحقيقة، وتوثيق الأفعال، وتحديد مسؤولية من ارتكب أو شارك أو سهّل، وفق الوقائع والشهادات والأدلة، حتى لا يتحول مرور الزمن إلى وسيلة لمحو الجريمة أو إعادة كتابة تاريخها.
قد يستطيع إنسان أن يخفي وثيقة، وقد يحاول آخر طمس دليل، وقد يسعى بعضهم إلى تبييض صفحة سوداء من الماضي، لكن من الصعب محو ما استقر في ذاكرة من عاش الأحداث. ومن الأصعب إسكات أسئلة الأمهات والزوجات والأبناء، أو إخفاء حقيقة المقابر الجماعية التي ما تزال رفات ضحاياها تنتظر أن تستعيد أسماءها.
إن مرور الزمن لا يلغي المسؤولية الأخلاقية والتاريخية. ومن ارتكب جريمة بحق الأبرياء، أو شارك فيها، أو أسهم في وقوعها، تبقى أفعاله جزءًا من سجل التاريخ، مهما حاول أن يعيد صياغة الماضي أو يختبئ خلف النسيان.
ولذلك، حين أعود اليوم إلى تلك الليلة من آب 1988، لا أرى الجبال والوديان وحدها. أرى الجموع وهي تتحرك بلا قيادة واضحة، والأمهات يحملن أطفالهن، والشيوخ يجرّون خطواتهم خلفها، والناس يبحثون بأنفسهم عن طريق إلى النجاة. وأرى، في الجانب الآخر من الذاكرة، أولئك الذين لم يصلوا إلى الحدود، ولم يعودوا إلى بيوتهم، ولم يكن لهم حتى قبر يحمل أسماءهم.
وهنا تعود بي الذاكرة إلى عنوان هذه الشهادة ومعناها الأول: حين قادت الجماهير نفسها.
لقد قادت نفسها يومها لا لأنها اختارت أن تحل محل قيادتها، ولا لأنها كانت مستعدة لتحمل ذلك العبء، بل لأن الخطر لم يترك لها وقتًا أطول للانتظار. وحين تأخر القرار، أصبح البحث عن النجاة قرار كل أسرة، وكل أب، وكل أم.
وهذه، بالنسبة إليّ، ليست مجرد واقعة من الماضي، بل درس بقي معي طوال هذه السنوات: في اللحظات المصيرية، قد يكون القرار مسؤولية، لكن توقيت القرار قد يكون حياةً أو موتًا.
أما الذين رحلوا، فلا يستطيعون اليوم أن يرووا ما حدث.
ونحن الذين نجونا لا نستطيع أن نعيدهم.
لكننا نستطيع، على الأقل، أن نحفظ أسماءهم، وأن نروي ما رأيناه، وأن نطالب بكشف مصير من بقي مجهولًا، وأن نعيد الرفات إلى أهلها، وأن نترك للأجيال القادمة حقيقة لا يستطيع النسيان أن يدفنها.
فالحقيقة قد تتأخر، لكنها لا تموت؛ والذاكرة قد تثقلها السنون، لكنها لا تنسى.

