بعد مرور أكثر من اثني عشر عاماً على اجتياح تنظيم داعش الإرهابي لقضاء سنجار في عام 2014، وما خلّفه من إبادة جماعية وتهجير واسع ودمار هائل طال المساكن والبنية التحتية والمؤسسات والخدمات الأساسية، ما زال أهل سنجار يواجهون تحديات الحياة اليومية وسط نقص واضح في كثير من الخدمات الضرورية. وفي ظل هذا الواقع، يلجأ المواطنون أحياناً إلى جمع التبرعات والمساهمات المالية وتنظيم الجهود الشعبية لإصلاح الطرق أو شبكات المياه أو المدارس أو غيرها من المرافق العامة.
إن هذه المبادرات، وإن كانت تعبّر عن روح عالية من التضامن والانتماء والمسؤولية المجتمعية، ينبغي ألا تُفهم باعتبارها إعفاءً للحكومة من واجباتها، بل يجب أن تتحول إلى رسالة ضغط واضحة على الحكومات والمؤسسات المعنية، بأن أهل سنجار قادرون على التعاون والتكاتف، لكنهم يطالبون في الوقت نفسه بحقوقهم المشروعة التي لا يجوز أن تتحول إلى منّة أو إحسان.
وهنا يجب التمييز بوضوح بين العمل التطوعي وبين قيام المواطنين بأداء واجبات الدولة على نفقتهم الخاصة.
فالعمل التطوعي قيمة إنسانية وحضارية عظيمة، ويشمل، على سبيل المثال، تنظيم حملات لتنظيف الأحياء عندما تكون المهمة خارج الإمكانات المتاحة للبلديات، أو مساعدة المتضررين أثناء الكوارث، أو المشاركة في حملات التوعية الصحية والتربوية، أو تقديم الدعم للكوادر المختصة في تنفيذ البرامج الإرشادية. وهذه المبادرات تستحق كل الاحترام والتشجيع لأنها تعزز روح التكافل والمسؤولية الجماعية.
أما أن يُطلب من المواطنين، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، أن يدفعوا من أموالهم الخاصة لتوفير الخدمات الأساسية التي تقع أصلاً ضمن مسؤولية الدولة، كإعادة إعمار الطرق والجسور وشبكات الماء والكهرباء والمجاري والمدارس والمستشفيات، فإن الأمر هنا يخرج عن مفهوم العمل التطوعي ويدخل في منطقة خطيرة، لأن ذلك يعني عملياً نقل مسؤولية الدولة إلى كاهل المواطنين.
إن أهل سنجار لم يختاروا الدمار الذي حلّ بمدينتهم وقراهم، ولم يكونوا مسؤولين عن الجريمة التي ارتكبها داعش بحقهم في الثالث من آب/أغسطس 2014. لقد فقد الناس أبناءهم وأقاربهم ومنازلهم وممتلكاتهم ومصادر رزقهم، وتعرضت البنية التحتية لخسائر ودمار واسع. ولذلك فإن إعادة إعمار سنجار وتأهيل خدماتها ليست مشروعاً ثانوياً ولا عملاً خيرياً، بل هي واجب وطني وقانوني وأخلاقي على الدولة العراقية تجاه مواطنين تعرضوا لإحدى أبشع الجرائم في التاريخ المعاصر.
ومن هنا، فإن مساهمات المواطنين يجب أن تكون أداةً لتعزيز الضغط الشعبي والمدني والإعلامي على الحكومة، لا وسيلةً تسمح للمؤسسات الرسمية بالتراجع عن مسؤولياتها. فعندما يجمع أهالي قرية أو حيٍّ أموالهم لإصلاح طريق أو تأهيل مرفق مدمّر، ينبغي أن يُطرح السؤال بوضوح: أين الأموال المخصصة للإعمار؟ وأين المؤسسات المسؤولة عن تنفيذ المشاريع؟ ولماذا يُترك المواطن، الذي عانى التهجير والفقدان والدمار، ليعيد بناء ما دمرته الحرب من ماله الخاص؟
إن المسؤولين المحليين وممثلي سنجار في الحكومة ومجلس النواب، إلى جانب منظمات المجتمع المدني ووسائل الإعلام، مطالبون بتحويل هذه المبادرات الشعبية إلى ملف مطالبات وضغط مستمر من أجل تخصيص الأموال الكافية وتسريع إعادة الإعمار وتحسين الخدمات. فالمواطن يستطيع أن يساند ويقترح ويراقب ويضغط، لكنه لا يستطيع، ولا ينبغي له، أن يحل محل الدولة.
إن قوة المجتمع السنجاري وتكاتف أبنائه يمكن أن تشكل ورقة ضغط إيجابية وفعالة. فالمبادرة الشعبية يجب أن تقول للحكومة: نحن قادرون على التعاون من أجل مدينتنا، لكننا لن نقبل بأن يصبح تعاوننا ذريعةً لتخلي الدولة عن واجباتها.
فسنجار ليست بحاجة إلى حملات مؤقتة تسدّ فجوات الإهمال، بل إلى خطة حقيقية وشاملة لإعادة الإعمار والتنمية، وإلى إدارة قادرة على استثمار الأموال المخصصة لها بشفافية وكفاءة، وإلى مؤسسات تضع الإنسان وكرامته وحقه في الحياة الكريمة في مقدمة أولوياتها.
إن العمل التطوعي يبقى عملاً نبيلاً ومحموداً، لكنه لا يجب أن يتحول إلى بديل عن الدولة. ومساهمات أهل سنجار ينبغي أن تكون جسراً نحو المطالبة بحقوقهم، لا جسراً تعبر عليه الحكومات هرباً من مسؤولياتها.
فأهل سنجار لا يطلبون صدقة، ولا منّة، بل يطالبون بحقهم الطبيعي في مدينة آمنة، ومنازل لائقة، وطرق معبّدة، وماء صالح للشرب، وكهرباء، ومدارس، ومستشفيات، وجميع الخدمات الأساسية التي تكفلها مسؤولية الدولة لجميع مواطنيها دون تمييز.

