بين الأمس والغد
أمس ذهب، ولن يعود. والغد لم يأتِ بعد. وما بين الوقتين تظهر التفاهة، ويولد التافهون.
قد تبدو هذه العبارة قاسية، وربما يرفضها كثيرون، لكنني أعتقد أن أخطر ما يمكن أن يفعله الإنسان بنفسه هو أن يترك المسافة الفاصلة بين ماضٍ انتهى ومستقبل لم يبدأ بعد تتحول إلى فراغ. ففي ذلك الفراغ، حين يتوقف الإنسان عن الفعل، تبدأ الأشياء الصغيرة في احتلال حياته، وتصبح التفاهة نمطًا من التفكير، ثم تتحول شيئًا فشيئًا إلى طريقة في العيش.
وأنت هنا، ربما لا تحاول أن تفهم ما أقوله، بل تصر على أن ما تؤمن به هو الواقع، وهو مفروض عليك، وتغييره خارج طاقاتك. وهذه واحدة من مشكلات الإنسان الكبرى، أنه لا يرى الواقع كما هو، وإنما كما اعتاد أن يراه. وقد يكون الواقع، في بعض الأحيان، أكثر تفاهة مما نتصور، لا لأنه فقير في إمكاناته، وإنما لأننا نحن الذين قبلنا أن نعيش في حدوده الضيقة.
ذلك الفراغ بين الوقتين قادر على تلويثنا جميعًا. تلك الاستراحة، والبعض يسمونها بـ (استراحة المحارب) فأي محارب هذا الذي تتحدثون عنه وأية استراحة تلك التي يستحقها.
الإنسان لا يصبح عاجزًا في يوم واحد، ولا يتحول المجتمع إلى مجتمع خامل وكسلان بقرار واحد. العجز يتراكم. يبدأ بتأجيل صغير، ثم انتظار، ثم تبرير، ثم اعتياد، ثم يصبح الانتظار نفسه عقيدة يعتادها المجتمع، فمثلا أهلنا في سيباية شيخ خدر (مجمّع الجزيرة) ينتظرون ماء الشرب منذ سنة (1975) وقد اعتادوا على عدم وجود ماء الشرب، ولحد الآن، منذ السنة التي رحلوا عنّوة من قراهم التي في حضن الجبل إلى صحراء ليس فيها ماء صالح للشرب. وحين يصل الإنسان إلى هذه المرحلة، لا يعود بحاجة إلى من يمنعه من الحركة؛ فقد صار يمنع نفسه بنفسه. ودليلي على هذا الكلام، إن جهة مانحة أرادت أن تمّد الماء إلى القرية ولكن بعض المتنفذين وأصحاب الأراضي من أهالي القرية نفسها منعوا ذلك.
حين تتحول الجراح إلى هوية في حوض جبل شنكال:
عندما سقطت شنكال وقراها، لملم الأيزيدي الشنكالي جراحه، وحوّلها إلى مناحة واستعطاف. ومن يسمع ويرى الدراما التي يتعاطاها، قد لا يفهم قصته بالكامل. فكل نوبة بكاء، وكل مشهد ذل في الفضاء الأزرق، وكل صورة من صور العوز في المخيمات، وكل قرية شنكالية طينية باكية، تحكي جزءًا من المأساة، لكنها لا تحكي المأساة كلها.
وأنا لا أقول هذا من أجل إنكار الألم، ولا من أجل التقليل من حجم الكارثة التي وقعت على شنكال وأهلها. فأعلم إن المأساة أكبر من الصورة، والإنسان الذي فقد بيته، أو أحد أفراد عائلته، أو أرضه، أو سنوات من عمره، لا يحتاج إلى من يزايد على ألمه. لكن الاعتراف بالألم شيء، وتحويل الألم إلى هوية دائمة شيء آخر.
هناك لحظة يصبح فيها الإنسان مطالبًا بأن يسأل نفسه ـ والأمر ينطبق على الشنكالي ـ ماذا سأفعل بعد أن حدث كل ذلك؟
وهذا السؤال، في رأيي، هو السؤال الأصعب.
لأن سؤال:
“من فعل بنا هذا؟”. مهم، لكنه لا يستطيع وحده أن يبني مستقبلًا. وسؤال:
“لماذا حدث لنا؟”. ضروري لفهم التاريخ، لكنه لا يكفي لإعادة بناء المجتمع. أما السؤال الذي يهرب منه الجميع فهو:
” ماذا سنفعل نحن الآن؟”.
هنا تبدأ المسؤولية من الضحية إلى عقلية الضحية. الأيزيدي الشنكالي ـ وهنا أقصد أكثرهم، لا جميعهم ـ طوّر من حالته النفسية من مشاعر كونه ضحية إلى مشاعر سلبية تطلب التعاطف والإحسان. يطرق الأبواب ويبكي لأنها لا تفتح، ثم يدعي الغبن، ويرفض تحمل مسؤولياته الأخلاقية، ويفضل أن تبقى يده ممدودة إلى الآخر، حتى لو كان الآخر نفسه ينظر إليه نظرة شفقة أو سخرية.
وهنا يجب أن نفرق بين كون الإنسان ضحية وبين أن يجعل الإنسان من تضحيته هوية دائمة. الأولى حقيقة تاريخية ونفسية يمكن إثباتها، أما الثانية فهي حالة ذهنية قد تتحول إلى قيد.
والفرد المتعلم يجب أن يكون حذرا، فإن بعض أنواع الفلسفة تؤدي إلى هذا القيد، والقفز إلى ما بعد الحداثة دون المرور بالحداثة وفهم تاريخها وكينونتها تؤدي إلى ذلك القيد أيضا، ولهذا أقوم الآن بتطوير مشروع فكري قابل للتنفيذ حول (شنكال ـ والحداثة) قبل أن تنقطع طرق العودة إليها.
قد يكون الإنسان قد تعرض للظلم فعلًا، لكن الظلم الذي تعرض له لا يمنحه حصانة أخلاقية من نقد نفسه. وقد يكون المجتمع قد تعرض لكارثة حقيقية، لكن الكارثة لا تعني أن كل ما يفعله أفراده بعد الكارثة يصبح صحيحًا. يكفر بالسموات وما فيها، بل بكل شيء لأن فرمانا نزل عليه، وينسى إن فرمانه إنما يحمل الرقم (74) وقد عدّها أجداده بأنفسهم.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث للضحية هو أن تكتشف أن العالم يستجيب لبكائها أكثر مما يستجيب لعملها، فتتعلم ـ من حيث لا تشعر ـ أن البكاء أكثر فائدة من الفعل، ومن العمل.
وهنا تتحول المأساة من حادثة تاريخية إلى اقتصاد نفسي واجتماعي قائم بذاته. نحن نبكي، فيتعاطف معنا الآخرون. نشتكي، فيأتي من يسمعنا. نعرض صور الفقر، فتصل المساعدات. نكرر رواية المأساة، فيتكرر التعاطف. ومع مرور الوقت، قد يصبح التعاطف نفسه إدمانًا، ويصبح الإنسان خائفًا من الخروج من صورة الضحية؛ لأن الخروج منها يعني أن عليه أن يبدأ العمل.
والعمل أكثر صعوبة من البكاء. لا نرى الواقع كما هو. الإنسان لا يرى الواقع كما هو، بل يراه أحيانًا أصغر مما ينبغي، أو أكبر مما يستطيع التعامل معه. وهنا تفلت الأمور من يديه ولا يتمكن من السيطرة. وقد تكون هذه إحدى مشكلاتنا الأساسية.
فحين يكون الواقع كبيرًا جدًا، نشعر بالعجز أمامه. وحين يكون صغيرًا جدًا في أعيننا، نستهين به. وفي الحالتين نفقد القدرة على التعامل معه.
قد ينظر شخص إلى مشكلات شنكال فيراها مستحيلة الحل، فيقول: ماذا يستطيع الفرد أن يفعل أمام الدول والأحزاب والجيوش والحدود والمصالح الدولية؟
وقد ينظر آخر نظرة سطحية، إلى ساحة تمثال الأسطورة خيري الشيخ خدر الغير لائقة من حيث تنظيمها وترتيبها ونظافتها، فيختزلها في خدمات أو تعويضات أو حملة على مواقع التواصل.
وكلا الأمرين خطأ. فالواقع ليس مستحيلًا بالكامل، وليس بسيطًا بالكامل. إنه مجموعة من التفاصيل الصغيرة والكبيرة، وما نستطيع فعله يبدأ عادة من الجزء الذي يقع تحت أيدينا.
السياسة ليست قدرًا حتميا:
لا يكفي أن نقول إننا لا نهتم بالسياسة ولا نتعاطاها. بل علينا أن نثبت أننا قادرون على النجاة والعيش بعيدًا عن السياسة التي تحولت عند الكثيرين إلى ما تشبه لعبة شطرنج، ونحن بيادق على أرضها.
السياسة، في كثير من المجتمعات، لا تُدار لمصلحة الذين يعتقدون أنهم يديرونها. والسياسي الذكي يعرف كيف يجعل الناس يتقاتلون حول الأسماء، بينما تبقى القضايا الحقيقية في مكانها.
نتخاصم حول فلان وعلان، ونتبادل الاتهامات، ونقسم المجتمع إلى معسكرات، ثم نعود في نهاية اليوم إلى المشكلات نفسها: التعليم، الفقر، البطالة، الهجرة، الخراب، غياب المؤسسات العامة، ضعف الإنتاج المحلي، تفكك المجتمع، وانعدام الثقة بين الجميع.
صدقوني، لو كان التصويت لفلان وعلان يغير الواقع وحده، لما كان من مصلحة أصحاب القوى أن يبقون الناس فقراء إلى هذا الحد من الوعي.
أنا لا أقول إن التصويت بلا قيمة، ولا إن السياسة غير مهمة. بل أقول إن الخطأ هو أن نختصر الحياة كلها في السياسة، وأن ننتظر من السياسي أن يفعل ما يجب أن يفعله المجتمع نفسه.
المجتمع الذي ينتظر سياسيًا لينظف شارعه، أو يبني مدرسته، أو يصلح علاقاته الداخلية، أو يعلّم أبناءه الانضباط، قد لا يكون مشكلته الأساسية في السياسي وحده. قد تكون مشكلته فيه أيضًا.
قبول المصيبة لا يعني الاستسلام لها، يقال عن سقراط ـ بما معناه ـ إن الناس لو جمعت مصائبهم أكوامًا، وقيل لكل واحد منهم: اختر ما تشاء، لاسترد كل واحد مصيبته واختارها دون غيرها.
سواء كانت هذه العبارة قد وصلت إلينا بدقة أم لا، فإن معناها يفتح بابًا مهمًا للتفكير: الإنسان يعرف مصيبته أكثر من غيره، ويعرف كيف تشكلت شخصيته من خلالها، وربما يعرف أيضًا أن التخلص من كل آلامه ليس ممكنًا. لكن قبول المصيبة شيء، والاستسلام لها شيء آخر.
نحن لا نختار دائمًا ما يحدث لنا، لكننا نملك ـ ولو جزئيًا ـ اختيار ما سنفعله بعد أن يحدث. وهذه نقطة أعتقد أنها جوهرية.
لا أستطيع أن أغير ما حدث لشنكال في ليلة سقوطها. ولا أستطيع أن أعيد السنوات التي ضاعت، ولا أن أعيد من ماتوا، ولا أن أمحو الألم من ذاكرة من نجا.
لكنني أستطيع أن أسأل: ماذا عليّ أفعل الآن؟
والحل، في رأيي، يبدأ من الرضا بالحقيقة لا من الرضا بالهزيمة.
علينا أن نقبل أن المصيبة حدثت، وأن الماضي انتهى، وأن العالم ليس ملزمًا بأن يمنحنا ما نعتقد أننا نستحقه. ثم، بعد ذلك، نحاول الخروج من هذا الثوب الضيق إلى دنيا الله الواسعة.
طابور المهانة والمسكنة:
يكفينا الوقوف في طابور المهانة والمسكنة. هل نحن طيبون ومسالمون وكسالى إلى درجة تجعلنا لا نهتم بالشر وبالأوساخ التي تزحف إلينا يومًا بعد يوم، ولا نجد القوة والهمّة على دفعها بعيدًا؟
وهنا أجد نفسي مضطرًا إلى إعادة تعريف كلمة “الطيبة”. أنا شخصيًا لا أجد مبررًا لأن أطلق عليكم صفة الطيبة إلا إذا توافرت لديكم القدرة على إيذاء الغير ولم تؤذوه. فالذي لا يستطيع أن يؤذي أحدًا ليس بالضرورة طيبًا؛ ربما يكون عاجزًا فقط. أما الطيب حقًا فهو الذي يملك القوة، ثم يختار ألا يستخدمها في الظلم. وهذا ما يجعلني، بطبعي النيتشوي الهوى، أميل إلى احترام القوة الأخلاقية أكثر من احترام الضعف الذي يقدم نفسه على أنه فضيلة.
إن المجتمع الذي لا يستطيع الدفاع عن نفسه، ولا حماية أفراده، ولا إنتاج المعرفة، ولا بناء المؤسسات، ولا تربية أطفاله، ثم يصف نفسه بأنه “مسالم”، قد يكون في الحقيقة قد خلط بين السلام والعجز.
السلام ليس أن تكون عاجزًا عن الرد. السلام أن تكون قادرًا على الرد، ثم تختار الطريق الأقل ظلمًا.
الكسل أخطر من الشر نفسه في رأيي. على الأقل عندما تكون شريرًا، فأنت تتحرك. أما الكسل فيؤدي إلى الخسران، وإلى الفراغ، وإلى قلة الحيلة، ثم إلى السكون.
الشر يتحرك، والكسل ينتظر.
والشر يمكن مواجهته عندما يكون واضحًا، أما الكسل فإنه يتخفى في هيئة أعذار مقبولة مثل:
لا فائدة. غيري سيفعل. هذه ليست مسؤوليتي. ماذا سيغير عملي؟ الحكومة مسؤولة. السياسيون مسؤولون. المجتمع كله فاسد.
وهكذا تتحول المسؤولية من يد إلى يد حتى تختفي. كل واحد ينتظر الآخر، وفي النهاية لا يتحرك أحد.
تجربتي في المخيم:
في المجتمع الشنكالي، كلما أردت فهم واقعهم ـ وهذا دأبي منذ زمن بعيد ـ وكلما أردت أن أشارك الآخرين في فهم هذا الواقع المزري، فعلت ذلك لأنني أؤمن أن تشخيص المرض أكثر فائدة من تجميل أعراضه.
ولهذا صدرت كتابي (المجتمع الأيزيدي)، الذي سيصدر قريبًا عن دار سومر للنشر، في محاولة لفهم بعض هذه الإشكالات لا لمجرد وصفها.
لكنني كلما حاولت أن أضع إصبعي على الجرح، وجدت أصحاب الشأن يغمضون أعينهم، وكأن الأمر لا يعنيهم. ليس لأنهم أشرار أو غير طيبين. بل لأن هناك حالة من الاعتياد على الكسل والخمول.
أتذكر في السنة الأولى من الفرمان، وفي مخيم جم مشكو، أن مجموعة من الشباب التفوا حولي وقالوا بالحرف الواحد:
“سنفعل ما تأمرنا به”. قلت لهم، حسنًا. لنبدأ بجمع أكياس الزبالة من هذا القاطع أولًا، وليكن هذا عملنا ليوم غد.
واتفقنا على أن نلتقي الساعة السادسة صباحًا. جاء الصباح. وفي الموعد المحدد، لم أجد سوى شخص، أو ربما شخصين، من ذلك الجمع الكبير من الشباب الذين وعدوني بتحريك كل ما هو ساكن في المخيم. وهنا لا أحتاج إلى شرح طويل.
والحر تكفيه الإشارة.
من كيس القمامة تبدأ النهضة، ومن تنظيف ساحة تمثال خيري الشيخ خدر قد يبدو جمع أكياس الزبالة أمرًا تافهًا أمام حجم مأساة شنكال.
ماذا يعني كيس قمامة أمام إبادة؟ ماذا يعني تنظيف شارع أو ساحة أمام خراب مجتمع؟ ماذا يعني أن تحمل مكنسة وأنت تحمل في رأسك تاريخًا من المذابح والتهجير؟
لكنني أعتقد أن المشكلة تبدأ من هنا تحديدًا. فالنهضة لا تبدأ دائمًا من البرلمان، ولا من المؤتمرات الدولية، ولا من الخطابات الكبيرة. قد تبدأ من كيس قمامة.
لأن الإنسان الذي يتعلم أن المكان الذي يعيش فيه مسؤوليته، سيتعلم لاحقًا أن المدرسة مسؤوليته، وأن الشارع مسؤوليته، وأن الطفل الذي أمامه مسؤوليته، وأن المعرفة مسؤوليته، وأن مستقبله مسؤوليته.
أما الذي يرمي القمامة أمام بيته ثم يشتكي من فساد المجتمع، فهو يشارك ـ ولو بصورة صغيرة ـ في إنتاج الواقع الذي يلعنه.
وهذه هي المفارقة التي يجب أن نتوقف عندها طويلًا. نحن نريد مجتمعًا نظيفًا، لكننا لا نريد أن ننظف. نريد مجتمعًا قويًا، لكننا لا نريد أن نتعب. نريد قيادات عظيمة، لكننا لا نريد أن نتحمل مسؤولية صغيرة.
نريد أن يحترمنا العالم، لكننا لا نفعل دائمًا ما يجعلنا جديرين بالاحترام.
المسؤولية تبدأ من التفاصيل
ربما كانت مشكلتنا أننا نبحث عن الأفعال الكبيرة لأننا نريد نتائج كبيرة، وننسى أن المجتمعات لا تبنى بالقرارات الكبيرة وحدها، بل بملايين الأفعال الصغيرة التي تتكرر كل يوم.
طفل يتعلم القراءة.
شاب يتعلم مهنة.
أم تعلم أبناءها الانضباط.
رجل يرفض الرشوة.
موظف يؤدي عمله بإتقان.
شخص ينظف المكان الذي يعيش فيه.
آخر يزرع شجرة.
كاتب يقول الحقيقة.
ومعلم يذهب إلى مدرسته في الموعد.
هذه الأشياء تبدو صغيرة منفردة، لكنها حين تتكرر تتحول إلى ثقافة. والثقافة هي التي تصنع المجتمع قبل الشعارات.
لا أحد قادم لإنقاذنا، ربما تكون هذه الفكرة هي الأكثر قسوة، لكنها أيضًا الأكثر تحريرًا.
لا أحد قادم لإنقاذنا.
قد يساعدنا الآخرون، وقد يقف معنا أصدقاء وحكومات ومنظمات وأفراد، وقد نجد أبوابًا تفتح لنا في أماكن لم نتوقعها.
لكن لا ينبغي أن نبني مستقبلنا كله على انتظار اليد الممتدة من الخارج. المساعدة يمكن أن تنقذ إنسانًا من الجوع، لكنها لا تبني بالضرورة مجتمعًا منتجًا. والتعاطف قد يخفف الألم، لكنه لا يصنع دائمًا قوة. والاعتراف بالمأساة مهم، لكنه لا يعيد بناء البيت.
علينا أن ننتقل من سؤال: من سينقذنا؟ إلى سؤال:
ما الذي نستطيع أن ننقذه نحن؟
وهذا التحول البسيط في السؤال قد يكون بداية تحول كامل في طريقة التفكير.
من الذاكرة إلى المستقبل
لا أريد مجتمعًا ينسى مأساته. بل على العكس، الذاكرة ضرورية.
لكن الذاكرة التي لا تنتج وعيًا تتحول إلى حجر نحمله على ظهورنا. كما في أسطورة (سيزيف)
علينا أن نتذكر لكي نتعلم، لا لكي نبقى سجناء في اللحظة التي حدثت فيها الكارثة. أن نتذكر الضحايا يعني أن نعيش بطريقة تجعل موتهم لا يتحول إلى رقم. أن نتذكر القرى التي سقطت يعني أن نبني قرى أفضل.
أن نتذكر المخيمات يعني أن نعمل حتى لا يصبح المخيم قدرًا دائمًا. أن نتذكر الذين هاجروا يعني أن نسأل أنفسنا لماذا اضطروا إلى الرحيل، وما الذي يمكن فعله حتى لا يصبح الرحيل الحل الوحيد لكل جيل جديد.
فالوفاء للماضي ليس أن نبقى فيه. الوفاء الحقيقي للماضي أن نصنع مستقبلًا أفضل.
الخاتمة: اخرجوا من الثوب الضيق
أمس ذهب، ولن يعود. والغد لم يأتِ بعد. أما اليوم، فهو الشيء الوحيد الذي نملكه. وفي هذه المسافة القصيرة بين ما انتهى وما لم يبدأ، تتحدد حياة الإنسان. إما أن يملأها بالانتظار، أو بالبكاء، أو بالشكوى، أو بالجدال حول الأشخاص والأحزاب والشعارات.
وإما أن يبدأ. قد يكون البدء صغيرًا جدًا. قد يكون كتابًا. قد يكون فكرة. قد يكون تعليم طفل. قد يكون تنظيف شارع. قد يكون رفضًا للكذب. قد يكون عملًا لا يراه أحد.
لكن المهم أن نبدأ. لقد أخذ منا التاريخ ما أخذ، ولا نستطيع استعادته. وقد يخسر الإنسان وطنًا أو بيتًا أو أرضًا أو سنوات من عمره، لكنه لا ينبغي أن يسمح للمصيبة بأن تأخذ منه ما تبقى: قدرته على الفعل. يكفينا أن نكون ضحايا. ويكفينا أن نقف في طابور المهانة والمسكنة.
ويكفينا أن ننتظر الآخرين. فلنقبل مصيبتنا بوصفها حقيقة، لا بوصفها قدرًا أبديًا. ثم لنخرج من هذا الثوب الضيق، إلى دنيا الله الواسعة.

