Homeاراءعندما تتحول مأساة الناجيات إلى سوقٍ للمساومة: حقوق الإيزيديات ليست للبيع: ماجد...

عندما تتحول مأساة الناجيات إلى سوقٍ للمساومة: حقوق الإيزيديات ليست للبيع: ماجد حسن سلو

 

عندما كانت القضية قضية شرف وكرامة وإنسانية، وعندما كانت نساؤنا الإيزيديات يُختطفن ويُسبين ويُبعن في أسواق النخاسة على يد تنظيم داعش الإرهابي، كنا نحن وحدنا من نحمل هذا الجرح، وحدنا من نصرخ، وحدنا من نبحث عن بناتنا وأخواتنا وأمهاتنا بين الموت والأسر والمجهول.

في ذلك الوقت، لم يكن كثيرون يرون في قضيتنا ما يستحق الوقوف معه، ولم تكن دموع الأمهات كافية لتحريك ضمائر الصامتين، ولم تكن صرخات النساء الأسيرات تستحق، عند بعضهم، سوى التجاهل أو الصمت أو التبرير.

أما اليوم، وبعد أن دخلت التعويضات والأموال إلى القضية، أصبح للضحايا شركاء كُثر!

وهنا يحق لنا أن نسأل، بل أن نصرخ في وجه كل من يحاول استغلال هذه المأساة:

أين كنتم عندما كانت نساؤنا يُسبين؟
أين كنتم عندما كانت العائلات تبحث عن بناتها في أسواق الرق؟
أين كانت أصواتكم عندما كنا نطالب بإنقاذ النساء من الأسر؟
وأين كان هذا الحرص على حقوق الضحايا عندما كانت قضية الناجيات لا تحمل إلا الألم والدموع والعار الذي يجب أن يلاحق الجناة ومن دعمهم وصمت عنهم؟

لماذا تغيّر كل شيء عندما أصبحت القضية مرتبطة بقانون وتعويضات مالية؟

إن الناجيات الإيزيديات لم يحصلن على ثمنٍ لمعاناتهن، ولن يستطيع مال الدنيا كلها أن يكون ثمناً لما فقدنه. فما الذي يمكن أن يعوض امرأةً سُلبت حريتها، وانتُزعت من أهلها، وعاشت في الأسر والرعب والإذلال؟ وما المبلغ الذي يستطيع أن يمحو صورة طفلةٍ فُصلت عن أمها، أو امرأةٍ بيعت كما تُباع السلع؟

لا مال يعيد السنوات المسروقة، ولا تعويض يمحو آثار السبي، ولا قانون قادر على إعادة الزمن إلى الوراء.

إن ما حصلت عليه بعض الناجيات هو حقٌ قانوني وإنساني، وتعويض محدود لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعةٍ لتشويه قانون الناجيات أو تفريغ قضيتهم من مضمونها. فالمال ليس مكافأة، وليس غنيمة، وليس امتيازاً؛ إنه جزء ضئيل من واجب الدولة والمجتمع تجاه ضحايا جريمةٍ هزّت ضمير الإنسانية.

لقد كان سبي النساء الإيزيديات جريمةً من أبشع الجرائم التي عرفها عصرنا. لقد حوّل عناصر تنظيم داعش الإرهابي نساءً حرائر إلى سبايا، وباعوهن في أسواق النخاسة، في انتهاكٍ وحشي لكل القيم والأديان والأعراف والإنسانية.

ولهذا فإن الناجيات الإيزيديات لسن مجرد أسماء في قوائم التعويضات، بل هنّ شاهداتٌ على جريمة إبادة، ورمزٌ لصمود شعبٍ حاول الإرهاب إبادته وكسر إرادته.

ونحن، كإيزيديين، لا نعارض أبداً إنصاف أي ضحية من ضحايا داعش. فالجريمة جريمة، والضحية ضحية، والألم لا يُقاس بالانتماء الديني أو القومي أو الطائفي. وكل من تعرض فعلاً لجرائم داعش يستحق العدالة والإنصاف والتعويض وفق قانون واضح وعادل.

لكننا نرفض، وبكل وضوح، أن تتحول قضية الناجيات الإيزيديات إلى بابٍ للمساومة السياسية أو المالية.

نرفض أن يُستغل قانون الناجيات لتحقيق مصالح لا علاقة لها بالعدالة.

نرفض أن تُضاف إلى القانون أسماء وحالات لا تنطبق عليها شروطه.

ونرفض أن تختلط جرائم الإبادة والسبي والاختطاف بحالات أخرى وقعت في ظروف مختلفة ولا علاقة لها مباشرة بالجرائم التي شُرّع القانون من أجلها.

فإنصاف ضحايا آخرين يجب أن يتم من خلال قوانين وآليات عادلة خاصة بهم، لا من خلال الالتفاف على قانون شُرّع بعد سنوات من النضال والانتظار والدموع، من أجل نساء تعرضن لجريمة محددة وواضحة ومعترف بها دولياً.

لقد انتظرنا طويلاً حتى يُسمع صوت الناجيات.

انتظرنا طويلاً حتى تتحول دموع الأمهات إلى قضية قانونية.

وانتظرنا طويلاً حتى يعترف العالم بما جرى لشعبنا ونسائنا.

فلا تسمحوا اليوم بأن تتحول هذه القضية إلى سوقٍ جديدة للمساومات.

لا تجعلوا من جراح الناجيات سلعةً سياسية.

لا تجعلوا من آلامهن باباً للربح.

لا تجعلوا من قانون الناجيات ميداناً لتصفية الحسابات أو توزيع المكاسب.

إن الناجيات الإيزيديات هنّ شرف كل إنسان يملك ذرةً من الشرف والكرامة. وكرامتهن ليست ملكاً للإيزيديين وحدهم، بل هي قضية إنسانية وأخلاقية تخص كل من يرفض الظلم والعبودية والإرهاب.

ولذلك نقولها بوضوح لا يحتمل التأويل:

لن نقبل بأن تتحول مأساة الناجيات إلى بابٍ للمساومة والتعويضات.

لن نقبل بأن تُستغل قضية الناجيات الإيزيديات لتحقيق مكاسب مالية أو سياسية.

حقوق الناجيات ليست باباً للمتاجرة، ولا ورقةً للمزايدة، ولا غنيمةً يتقاسمها الطامعون.

ومن صمت أمام السبي، أو برّر الجريمة، أو وقف متفرجاً على مأساة نسائنا، لا يملك اليوم الحق في المتاجرة باسم الناجيات.

لا تجعلوا من جراح الناجيات سوقاً جديدة للمساومة.

إن الفرق كبير بين المطالبة بإنصاف جميع الضحايا، وبين استغلال قضية ضحيةٍ محددة من أجل الوصول إلى المال أو النفوذ. نحن مع العدالة للجميع، لكننا ضد العبث بحقوق الناجيات، وضد إدخال ما لا ينطبق عليه القانون في قضيةٍ دفع شعبنا ثمناً باهظاً من الدم والدموع من أجل الاعتراف بها.

قضية الناجيات الإيزيديات ليست بين الشرف والمال.

إنها قضية شرف قبل كل شيء.

قضية كرامة.

قضية عدالة.

قضية نساءٍ أُريد لهن أن يكنَّ رمزاً للانكسار، فتحولن إلى رمزٍ للصمود والبقاء والشجاعة.

فاحترموا دموعهن.

واحترموا سنوات أسرهن.

واحترموا معاناة عائلاتهن.

واحترموا القانون الذي جاء ثمرةً لنضال طويل.

فالناجيات الإيزيديات لسن أرقاماً في سجلات التعويضات، وحقوقهن ليست للبيع، ومأساتهن ليست ملكاً لمن يريد أن يساوم عليها.

وإن كان لا بد من كلمة أخيرة نقولها لكل من يحاول تحويل هذه القضية إلى تجارة:

عندما كان الثمن هو الشرف والكرامة، كنا وحدنا الضحايا. فلا تأتوا اليوم، بعد أن أصبح الحديث عن المال، لتتقاسموا معنا جراحاً لم تحملوا منها شيئاً.

لن نسمح بأن تُسرق قضيتنا مرةً أخرى.

ولن نسمح بأن تتحول دموع الناجيات إلى عملةٍ في سوق المصالح.

فحقوق الناجيات الإيزيديات حقٌّ، وكرامتهن خطٌّ أحمر، ومأساتهن أمانةٌ في أعناق كل من يملك ضميراً وشرفاً وكرامة.

 

الاشتراك
نبّهني عن
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

Most Popular