قراءة عقلانية في تاريخ أرض الأيزيدية
عندما نتأمل التاريخ بعين المنطق والعقل ونربطه بالشواهد الميدانية الحية، نجد أن مدينة ميافارقين التاريخية تحمل في طيات أزقتها وآثارها المتعددة أسراراً تفوق ما تدونه بعض كتب التاريخ التقليدية. إن هذه المدينة التي تعاقبت عليها الأسماء عبر العصور—فكانت تعرف قديماً باسم مارتيروبوليس، ثم ميافارقين، وشهرت محلياً باسم فارقين وفارقينا آديان، وصولاً إلى اسمها الحالي سيلفان (Silvan)—تشهد جغرافيتها وآثارها على عراقة ممتدة كانت وما زالت في صلب تاريخ المنطقة. وإن قراءة الامتداد الجغرافي والثقافي لهذه العاصمة التاريخية، التي امتدت حدود تأثيرها من أطراف الموصل وجود جبل مقلوب وشيخان وصولاً إلى نصيبين، ويران شهر، مديات، وديار بكر، تفرض علينا إعادة النظر في التداخل العميق بين تأسيس الدولة المروانية الدوسكية وبين التراث الديني والديمغرافي للمنطقة، مما يشير بمنطق التاريخ إلى أنها كانت أرضاً وموطناً أصيلاً للأيزيدية.
لقد تأسست هذه الدولة في عام 990 ميلادي على يد القائد الروحي والتاريخي باد بن دوستك، والمعروف في الذاكرة الشعبية والدينية باسم القائد شيخسيباد، واستمرت في الازدهار حتى عهد آخر حكامها أحمد بن مروان، قبل أن تسقط تحت ضربات السلاجقة في أواخر القرن الحادي عشر الميلادي بحدود عام 1096 ميلادي، خلال الحقبة المحتدمة بالصراعات بين البيزنطيين والسلجوقيين. ومن المنظور اللغوي والتحليلي العقلاني، نجد أن التسمية “الدوستكية” تنصرف بالمنطق إلى مفهوم “دولة الإخوة والصداقة الدائمة” وتماسك الحلفاء، وليس بالضرورة نسبة حصرية إلى عشيرة الدوسكية الكوردية بعينها كما ظن وتبسط فيه العديد من المؤرخين الكورد.
إن ربط التسلسل الزمني بين سقوط الدولة المروانية الدوسكية في أواخر القرن الحادي عشر الميلادي وبين ولادة الشيخ آدي بن مسافر في وادي شوف الكوردية تقريباً عام 1079 م، يقود التحليل العقلاني إلى تقارب زمني ومكاني لافت، حيث لا يستبعد منطقياً أن يكون الشيخ آدي حفيد أو امتداداً لبيت الحكم بن مروان والديني المتمثل بشيخ أحمد بن مروان الدوستكي.
وما يعزز هذه القراءة العقلانية هو الواقع الميداني والأثري لمدينة ميافارقين (سيلفان) والقرى المحيطة بها، حيث تزخر المنطقة بالتلال الجغرافية القديمة والمزارات والمقامات المسماة باسم “پير”، وهو لقب ديني وروحاني ذو ثقل كبير في الديانة الأيزيدية. يكتمل هذا المشهد بوجود العشرات من المزارات المقدسة التي تحمل اسم “شخصيباد” منتشرة حالياً في ئيزيدخان وفي إقليم كوردستان العراق، حيث يطاف بها سنوياً بين القرى الأيزيدية ومنها قرية بابيرا ولها نيشان ورموز مباركة في لالش النوراني، مما يثبت الرمزية الدينية الرفيعة والمكانة العالية للقائد شيخسيباد (باد بن دوستك) في الوجدان والذاكرة الأيزيدية عبر التاريخ.
وتماشياً مع ما مدون في كتب التاريخ القديمة كـ “تاريخ الفارقي” و”الكامل في التاريخ”، نجد أن القائد باد بن دوستك ينحدر نسبه وحسبه من المناطق الخالتية والدنانية الجبلية العريقة المحيطة بديار بكر وجزيرة ابن عمر؛ حيث برز بشخصيته القيادية وشجاعته الفذة في توحيد القبائل والحلفاء في فترة اضطراب سياسي، لينتقل بفضل حنكة قيادته من قائد ميداني إلى مؤسس دولة عريضة النفوذ ضمت دياربكر ونصيبين وسيبان خلات إلى أطراف موصل وعاصمتها ميافارقين. وقد عرف بشهامته وحسن تدبيره حتى استشهاده قرب الموصل عام 990 م، لينتقل حكم الدولة من بعده لبيته وأبناء أخته من آل مروان،حيث استشهد أيضا حكم بن مروان تقريبأ عام 1096 ميلادي في جبال هكاريا على أيدي السلاجقة.تاركاً إرثاً تاريخياً وحضوراً روحياً مجيداً في ذاكرة المنطقة وأبنائها.
ملاحظة مدينة ميافارقين حالياً هي قضاء تابع مدينة دياربكر وتسمى سيلوان أو سيلڤان Silvan
سيروان سليم شرو

