الرمزية اتجاه فني يغلب عليه سيطرة الخيال على كل ماعداه سيطرة تجعل الرمز دلالة أولية على ألوان المعاني العقلية والمشاعر العاطفية. وطغيان عنصر الخيال من شأنه أن لايسمح للعقل والعاطفة، إلاّ أن يعملا في خدمة الرمز وبواسطته، ويبحث الإنسان عن الصورة الرامزة التي تشير في النهاية إلى الفكرة أو العاطفة.(دكتور يوسف عيد، المدارس الأدبية ومذاهبها، ص 212، (مقتبس من د. حسن شوند، الرمزية ومدرستها/مقال بتاريخ 11/6/2011)
ومن المعروف أن الرموز مفعمة بالغموض الواضح والوضوح الغامض، وما بين الغموض والوضوح تتشكل لغة طريفة تليدة، طريفة في عالم الكتابة لكنها تليدة في عالم الروح، ودلالة الرموز. الدلالات الرمزية لغة خاصة بالمتصوفين وهي لغة الروح وإدراك سرّ الوجود، سرّ وجود الانسان. والبحث عن الذات في الذات. الدلالات الرمزية تفتح كوة في جدار المعرفة لفهم عالم جديد من الرؤى والخيال وجمال التعبير المنسجم مع عالم النفس التي تختزن هارمونية ألحان الحياة الروحية. الرموز هي شيفرات لا تنكشف لمن لا يعلم أسرارها.
يقول علم التصوف، فوق كل دال مدلول، وفوق كل مدلول إشارة مشار اليه، يشار اليه بألفاظ هي أبعد مدى من الكلمات، وأعمق أثراً من تحبيرها في المعاجم وبطون الأوراق . ( الشيخ الدكتور وجدي أمين الجردي، خاطرات الصوفية بين دلالة الرمز وجمالية التعبير/دراسة في نصوص: ذي النون المصري (ت 245ه) والسرّي السقطي (ت 253ه) وأبي يزيد البسطامي (ت 261ه) والجنيد البغدادي (ت 297ه)، كتاب ناشرون، بيروت، ص5). فمن هو المشار اليه في الرموز؛ هو الله أو جبريل، أو النفس الانسانية التي تتقلب في صراعها بين الخير والشر؟ أليس بتحليل الرمز/الرموز تفك الشيفرات التي تبقى عصية على غير أهلها؟
إذا كانت الرمزية في عصرنا الراهن تلعب دوراً هاماً في المجال الأدبي، وتحمل الكثير من المدارس الأدبية الرفيعة لوائها، فان الانسان القديم حاول هو الآخر من عكس انفعالاته النفسية وتصوراته عن الكون والخليقة والكثير من مظاهر الطبيعة عن طريق الرمز، بحيث تمكن علماء الآثار والميثولوجيا من فكّ تلك الرموز، والتعرف من خلالها على مستوى تطور المجتمعات القديمة وعلى عادات وطقوس وعبادات تلك الشعوب.
ولما كان الأدب الديني كأحد ابداعات خيال الانسان، قد بني في الكثير من جوانبه على مادة ونسيج الرموز، رأينا من الضروري التوقف عند هذا المجال من مجالات الابداع الانساني، لمعرفة طبيعة الرموز ومنطقها ووظيفتها وتاريخها وأبعادها الزمانية والمكانية والكونية.
يجب الاشارة الى أن الرمز يرتبط بمستوى من الثقافة، ويعكس جانباً من جوانب المعرفة، وبالتالي يعد وسيلة بين الانسان وعالمه الخارجي والداخلي، كما أنه وسيلة بينه وبين جميع مستويات الكون والطبيعة، لا بل وسيلة بينه وبين الواقع والحلم. وأن للرمز، كما يقول ميرسيا إلياد، “بعد استكشافي من الناحية المعرفية، وهو واسطة بين الانسان وبين جميع مستويات الكون (بين السماء، الأرض، المادة والفكر، الطبيعة والثقافة والواقع والحلم والشعور واللاشعور” (ميرسيا الياد، المقدس واللامقدس، ص117. (مقتبس من: د. محمد عجينه، موسوعة اساطير العرب عن الجاهلية ودلالاتها، دار الفارابي- بيروت 1994، الجزء 1، ص 76)
فالرمز، قبل كل شئ، يرتبط بالعالم البشري وهو جزء منه ويفترض البيئة والقصد؛ أي أنه يحمل معناً باطنياً خفياً، عكس الدليل الذي يرتبط بالعالم الطبيعي المادي شأن السحاب في ايذانه بقرب نزول المطر، وشأن الميزان ودلالته على العدالة، والجمجمة ودلالتها على الخطر، والأفعى ودلالتها على الصحة أو الدواء، أو الشجرة ودلالتها على الحياة الدائمة… الخ. (لكل رمز طبيعته الخاصة به، وله منطقه ووظيفته وتاريخه وأبعاده الزمانية والمكانية والكونية؛ على سبيل المثال لا الحصر، المربع يرمز الى أبعاد الكون، والحيّة ترمز الى الحكمة والدهاء وأزلية الكون. كما أن لبعض الرموز أبعاداً سماويةً أو أرضيةً أو نباتيةً أو شمسيةً… وبما ان للرموز أبعاداً كثيرة، لذا يحتمل في نفس الوقت أن تحمل العديد من التفسيرات، وتعبّر عن أكثر من شئ في آن واحد، حيث ان التفسيرات المتعددة هذه تضاف لمعنى الرمز عبر الزمان، إلاّ أنه قلما يغير من بنيته القديمة الأولية (نفس المصدر السابق)، مثلاً الماء في بنيته الأولية يرمز للحياة، إلاّ أنه في جانبه الآخر إفناء للحياة بالطوفان. والشجرة هي من جانب رمز للتجدد والخلود، وفي جانبها الآخر رمز للكون والعروج الى السماء. والنار هو رمز للحب والدفء من جهة، ومن جهة أخرى يرمز الى الجحيم والعذاب… بطبيعة الحال هناك ما يبرر العلاقة بين الرمز والمرموز اليه أو الدال والمدلول.
تأسيساً على هذه الرؤية فان أهمية الأدب الديني الايزيدي (الأدعية، الأقوال بنصوصه الدينية، الأبيات، الأساطير والقصص..) يتجلى في أحد جوانبه من خلال وظيفته الرمزية وما يحمله من معان ودلالات يكشف لنا عن صلة الانسان الايزيدي بمقدساته، ويرسم لنا ملامح أفكار وفلسفة دينية شبه متكاملة بشأن الكون والخليقة وما يجري عليهما من ظواهر، وما يحكم وينظم علاقات الناس بعضهم مع البعض، وبينهم وبين مقدساتهم، وعن مفهوم الانسان عن الحياة والموت، عن الدنيا الأبدية والدنيا الفانية…كل هذا وغيرها من الأفكار والتصورات يشكل بحق علماً أو فلسفة دينية يمكن أن نطلق عليه “علم الايزيدياتي Yazidismus”، لن يخجل منه أن يدرس ويناقش ويقارن مع رموز أديان ومعتقدات العالم بكافة مشاربها.
ان الرموز والدلالات في الأدب الديني الايزيدي هي من الكثرة بحيث لا يمكن حصرهم وتفسيرهم في دراسة قصيرة، بل تحتاج الى دراسات وأبحاث متعددة ومستفيضة. محاولتنا ليست إلاّ لجلب الانتباه لهذه الموضوعة الشيقة، ولفتح شهية المهتمين بمعرفة أسرار الديانة الايزيدية خاصة الشباب المثقفون منهم.
قبل البدء بتفسير مفهوم بعض الرموز وشرح معانيها، لا بدّ من التنويه الى ملاحظتين رئيسيتين؛ أولهما: شمولية مفهوم الرموز، بمعنى استخدام نفس مفهوم الرمز في معتقدات العديد من الشعوب القديمة، مثل مفهوم رمز الثور، حيث نجده عند المصريين القدامى، وعند الكنعانيين والفينيقيين، وعند الشعوب الهندو-اوروبية، وعند عرب قبل الاسلام (ما يعرفون ظلماً بعرب الجاهلية)، وعند اليونانيين والشعوب الاسكندنافية القديمة…الخ. ربما مع وجود اختلاف بسيط في معنى وتفسير ذلك الرمز عند كل شعب من تلك الشعوب. ثانيهما: الدور الكبير للحيوانات واحتلالها حيزاً كبيراً من مساحة الرموز، وتأتي في الصدارة منها: الحيّة، الثور/البقرة، السمك، العقرب، الأسد، الغزال، الحمامة، الكلب، العقاب، الغراب، سيمرخ “طير خرافي”، البوم، الطاووس، الديك، الكبش، النحل..الخ.
نركز في دراستنا على مفهوم الرموز الموجودة والمتداولة لدى الايزيدية، وماهو وارد بشكل أساسي في نصوصهم الدينية، أو المتواجدة في بيوتهم، أو المنقوشة منها على جدران معابدهم وأماكنهم المقدسة.
(* مبحث من كتاب يعد للطبع تحت عنوان: مفهوم الدلالات الرمزية في الموروث الديني الايزيدي)

