بناءً على المصادر التاريخية المتوفرة حتى عام 2026، يمكن ترتيب الإمبراطوريات التي حكمت مناطق أسلاف الإيزيديين (الداسنيين) في شمال ميزوبوتاميا، وكيفية تعاملها معهم:
1. الإمبراطورية السومرية والبابلية (حوالي 2500 – 1600 ق.م)
الحكم: كانت السلطة مركزية في جنوب ووسط العراق، لكن نفوذها وصل للشمال (سنجار).
التعامل: كان هناك صراع ديني وسياسي؛ حيث حاول ملوك مثل حمورابي إخضاع القبائل الجبلية التي تمسكت بمعتقداتها الخاصة (جذور الإيزيدية) ورفضت آلهة بابل الرسمية.
2. الإمبراطورية الآشورية (حوالي 1350 – 612 ق.م)
الحكم: كانت عاصمتهم (نينوى) في قلب مناطق الإيزيديين الحالية.
التعامل: اتسم حكمهم بالقوة العسكرية المفرطة. خضع أسلاف الإيزيديين للآشوريين، وتأثرت طقوسهم بالرموز الآشورية (مثل الثور المجنح والشمس)، لكنهم ظلوا يثورون في جبال سنجار الوعرة كلما ضعفت السلطة المركزية.
3. الإمبراطورية الميدية (612 – 550 ق.م)
الارتباط: يرى الكثير من الباحثين أن الإيزيديين هم الورثة الحقيقيون للميديين.
الحكم: سادوا المنطقة بعد إسقاط نينوى. في عهدهم، كانت المعتقدات “اليزدانية” (التي تطورت منها الإيزيدية) هي السائدة شعبياً، وتمتع أسلافهم بنفوذ واسع كطبقة محاربة وكهنة.
4. الإمبراطورية الأخمينية الفارسية (550 – 330 ق.م)
الحكم: أسسها كورش الكبير وضمت كل المنطقة.
التعامل: كانت إمبراطورية متسامحة دينياً بشكل عام، مما سمح لأسلاف الإيزيديين بممارسة طقوسهم (الميثرائية والشمسية) بحرية نسبية تحت مسمى “المجوس” أو الجماعات المحلية.
5. الإمبراطورية السلوقية والفرثية (312 ق.م – 224 م)
الحكم: بعد الإسكندر المقدوني، حكم السلوقيون (يونانيون) ثم الفرثيون (أرساكيون).
التعامل: في العهد الفرثي، ازدهرت عبادة ميثرا (إله الشمس)، وهو عنصر جوهري في الجذور الإيزيدية، وعاش أسلافهم في استقلال شبه ذاتي في الجبال.
6. الإمبراطورية الساسانية (224 – 651 م)
الحكم: كانت إمبراطورية فارسية متعصبة لديانة “الزرادشتية” الرسمية.
التعامل: هنا بدأ مصطلح “الداسنية” يبرز بوضوح كجماعة منشقة أو رافضة للزرادشتية الرسمية. تعرضوا لضغوط كبيرة للتحول الديني، لكن وعورة جبالهم حمتهم من الذوبان الكامل.
7. الخلافة الإسلامية (منذ 641 م)
الحكم: دخل المسلمون الموصل وسنجار في عهد عمر بن الخطاب.
التعامل: عُرفوا في المصادر الإسلامية المبكرة بـ “أكراد داسن” أو “الخرمية” أحياناً. دفعوا الجزية وحافظوا على استقلالهم في الجبال، ووقعت بينهم وبين العباسيين معارك شهيرة (مثل ثورة مير جعفر الداسني).الخلاصة: انتقل أسلافهم من “متمردين جبال” في العهود القديمة إلى “رعايا محتفظين بدينهم” تحت المسميات المختلفة (ميديين، داسنيين، ثم إيزيديين).
… تفاصيل تعامل هذه الامبراطوريات مع الداسنيين
1-في الفترة ما بين 2500 إلى 1600 قبل الميلاد، كانت منطقة “ميزوبوتاميا” (العراق القديم) هي مهد الحضارة، وإليك كيف سارت الأمور مع أسلاف الإيزيديين في تلك الحقبة:
1. طبيعة الحكم (المركز والأطراف)السومريون
: حكموا من المدن الجنوبية (أور، أريدو، الوركاء). بالنسبة لهم، كانت المناطق الشمالية (حيث يعيش أسلاف الإيزيديين في سنجار ولالش) تُسمى مناطق “سوبارتو”، وهي مناطق جبلية يسكنها أقوام أشداء.
البابليون: ورثوا الحكم السومري، وأصبحت بابل هي المركز السياسي والديني تحت حكم حمورابي.
2. الصدام مع حمورابي (حوالي 1750 ق.م)تذكر الدراسات التاريخية (التي تعتمد على الربط بين النصوص المسمارية والتقاليد الإيزيدية الشفاهية) ما يلي:
التمرد الجبلي: رفض أسلاف الإيزيديين (الذين كانوا يعرفون بقبائل الجبال في الشمال) الخضوع لقوانين بابل الموحدة أو دفع الجزية لمركز الحكم في الجنوب.الصراع الديني:
حاول حمورابي فرض عبادة الإله “مردوك” (إله بابل) كإله رئيسي للإمبراطورية. في المقابل، كان سكان الجبال الشماليون متمسكين بعبادة قوى الطبيعة والملائكة (الجذور الأولى لفكرة طاووس ملك والارتباط بالشمس).
الحملات العسكرية: أرسل حمورابي جيوشه إلى منطقة “سنجار” لإخضاع هذه القبائل. ووفقاً لبعض القراءات في الألواح البابلية، وُصف سكان تلك الجبال بأنهم “متمردون لا يعرفون الخضوع”، وهي صفة لازمات أسلاف الإيزيديين عبر العصور بسبب وعورة تضاريسهم.
3. التأثير الحضاري المتبادل رغم الحروب، أخذ أسلاف الإيزيديين من السومريين والبابلين مفاهيم فلسفية بقيت معهم حتى اليوم:
التقويم: عيد رأس السنة الإيزيدي (سرصال) في شهر نيسان هو امتداد مباشر لعيد “أكيتو” البابلي (عيد تجدد الحياة).
الرموز: قدس السومريون الأعداد (مثل الرقم 7 والمقدس جداً في الإيزيدية)، وفكرة الصراع بين الخير والشر وتوازن الكون.
تسمية سنجار: تعود جذور اسم “سنجار” إلى تلك الحقبة، ويُعتقد أنها تعني “المنطقة الجميلة” أو “الحصن” في اللغات القديمة.
4. الوضع الاجتماعي كان أسلافهم يعيشون في “مستوطنات جبلية” تعتمد على الرعي والزراعة المحدودة، وكانوا يشكلون حائط صد طبيعي ضد الهجرات القادمة من الشمال (منطقة الأناضول)، مما جعل الإمبراطوريات في الجنوب تحاول دائماً كسب ودهم أو كسر شوكتهم لتأمين حدودها الشمالية.الخلاصة: في هذه المرحلة، لم يكن اسمهم “إيزيدية” ولا “داسنية”، بل كانوا يُعرفون بأسماء قبائلهم المحلية أو باسم “سوبارتو”، وكانوا يمثلون المقاومة الجبلية ضد المركزية البابلية.
2-خلال الإمبراطورية الآشورية (حوالي 1350 – 612 ق.م)،
دخل أسلاف الإيزيديين (الداسنيون القدامى) في واحدة من أعنف وأهم مراحل تاريخهم، حيث كانت عاصمة الآشوريين (نينوى) تقع على بعد كيلومترات قليلة من مراكزهم المقدسة في “لالش” و”سنجار”.
إليك كيف كان شكل الحكم والصدام في تلك الحقبة:
1. جبل سنجار: “الحصن المتمرد”في النصوص الآشورية المسمارية، يُذكر جبل سنجار باسم “شغار” أو “شنغار”. كان الآشوريون ينظرون إلى سكان هذا الجبل كقوة صعبة المراس.
المقاومة: تذكر ألواح الملك الآشوري تغلات بلاصر الأول والملك آشور ناصر بال الثاني قيامهم بحملات عسكرية “لتأديب” القبائل الجبلية في سنجار التي كانت ترفض دفع الضرائب وتغير على القوافل التجارية الآشورية.
سياسة التهجير: اتبع الآشوريون سياسة “التهجير القسري” ضد المتمردين، وهناك إشارات تاريخية لتهجير مجموعات من سكان الجبال إلى مناطق أخرى داخل الإمبراطورية لكسر شوكتهم، وهو ما يشبه “الفرمانات” التي حدثت لاحقاً في العصور الوسطى.
2. التأثير الديني (جذور لالش)هذه الفترة تركت بصمة عميقة في العقيدة الإيزيدية:
قدسية لالش: يعتقد بعض الباحثين أن منطقة “لالش” كانت مركزاً دينياً مهماً حتى في العهد الآشوري، حيث كانت مرتبطة بعبادة الشمس والقوى الكونيه.
الرموز المشتركة: انتقلت رموز آشورية مباشرة إلى الثقافة الإيزيدية، مثل “الثور” (المقدس في الطقوس الإيزيدية القديمة والمنحوت في القصور الآشورية) و**”الشمس”** و**”الهلال”**.
خوذة الرأس: يلاحظ المؤرخون تشابهاً كبيراً بين ملابس الكهنة الآشوريين قديماً وملابس رجال الدين الإيزيديين (القوالين) اليوم، خاصة في غطاء الرأس والوشاح الأبيض.
3. كيف حكم الآشوريون هذه المناطق؟
نظام الولايات: كانت مناطق “داسن” وسنجار تتبع إدارياً لولاية نينوى أو نصيبين.
الخدمة العسكرية: بسبب شجاعة سكان الجبال وبنيتهم القوية، استعان الأباطرة الآشوريون ببعض هؤلاء الأسلاف كمقاتلين “مرتزقة” أو وحدات جبلية خاصة في الجيش الآشوري، مقابل منحهم نوعاً من الحكم الذاتي في قراهم.
4. سقوط نينوى (612 ق.م) ونهاية الحكم الآشوري عندما تحالف الميديون (الذين يعتبرهم الإيزيديون أجدادهم المباشرين) مع البابليين لإسقاط الإمبراطورية الآشورية، شاركت القبائل الجبلية في سنجار ولالش بقوة في هذا التحالف. سقوط نينوى كان بمثابة “تحرر” لهؤلاء السكان من القبضة الآشورية الحديدية وبداية العصر الذهبي لهم تحت حكم الإمبراطورية الميدية.
الخلاصة: في العهد الآشوري، عاش أسلاف الإيزيديين صراعاً بين “التبعية العسكرية” للإمبراطورية وبين “التمرد الجبلي” للحفاظ على استقلالهم الديني.
3-تعتبر الإمبراطورية الميدية (612 – 550 ق.م) هي الحلقة الأهم في تاريخ أسلاف الإيزيديين، حيث يرى أغلب المؤرخين والباحثين الإيزيديين أن الميديين هم الأجداد المباشرون لهم عرقياً وعقائدياً
.إليك كيف كان شكل الحكم والحياة في هذا “العصر الذهبي”:
1. من هم الميديون وعلاقتهم بالإيزيدية؟الأصل المشترك: الميديون هم شعوب “آرية” سكنت الجبال (شمال وغرب إيران وشمال العراق حالياً). لغتهم كانت الأساس الذي تطورت منه اللغة الكرمانجية التي يتحدث بها الإيزيديون اليوم.
الديانة المزدكية القديمة: قبل ظهور الزرادشتية بشكلها الرسمي، كان الميديون يؤمنون بـ “اليزدانية” (عبادة الإله الواحد وتمثيله في الشمس والنار وعناصر الطبيعة)، وهو الجوهر العقدي للإيزيدية.
2. سقوط نينوى وبداية السيادة (612 ق.م)التحالف الكبير: قاد الملك الميدي “كياخسار” تحالفاً مع البابليين لإسقاط الإمبراطورية الآشورية. شاركت القبائل الجبلية (أسلاف الإيزيديين) في هذا الحرب بضراوة.السيطرة على سنجار ولالش: بعد سقوط نينوى، أصبحت مناطق سنجار، لالش، وشيخان جزءاً أساسياً من قلب الإمبراطورية الميدية، ولم يعودوا “رعايا متمردين” بل أصبحوا هم أصحاب الأرض والحكم.
3. طبقة “المجوس” (الكهنة الميديون)هنا تظهر أوضح الروابط؛ فالميديون كان لديهم طبقة كهنوتية تسمى “المجوس” (Magians).
التشابه في الطقوس: كان هؤلاء الكهنة يرتدون الملابس البيضاء، يقدسون الشمس، يحرمون تلويث الماء والتراب، ولهم تراتيل شفاهية لا تُكتب إلا نادراً، تماماً كما يفعل “القوالون” و “البيشيمام” في الديانة الإيزيدية اليوم.
4. نظام الحكم الميدي اللامركزية: عكس الآشوريين الذين حكموا بالحديد والنار، كان حكم الميديين يعتمد على “اتحاد القبائل”. كانت القبائل الجبلية في سنجار وداسن تتمتع باستقلال شبه كامل ولها أمراؤها المحليون الذين يدينون بالولاء للملك الميدي العظيم في “إكباتانا” (همدان حالياً).
المقاتلون الجبليون: شكل أسلاف الإيزيديين العمود الفقري للجيش الميدي في المناطق الغربية، وكانوا يُعرفون بفرسان الجبال.
5. نهاية الحكم وبقاء الهويةعندما سقطت الدولة الميدية على يد “كورش الكبير” (الأخميني) عام 550 ق.م، لم يختفِ الميديون، بل انسحبت النخب الدينية والقبائل المتمسكة بالتقاليد القديمة إلى المناطق الجبلية الوعرة (سنجار ولالش) للحفاظ على نقاء دينهم بعيداً عن التحولات السياسية في المدن الكبرى.الخلاصة: فترة الميديين هي الفترة التي تشكلت فيها “الهوية القومية والدينية” لأسلاف الإيزيديين بشكلها المستقل قبل أن تبدأ الضغوط الخارجية في العصور اللاحقة.
4-انتقلنا الآن إلى الإمبراطورية الأخمينية (550 – 330 ق.م)،
وهي الإمبراطورية الفارسية الكبرى التي أسسها كورش الكبير بعد إطاحته بجده الميدي (أستياجيس).
إليك كيف عاش أسلاف الإيزيديين (الميديون القدامى) تحت هذا الحكم:
1. سياسة “التسامح الديني”تميز الأخمينيون بسياسة ذكية جداً تختلف عن الآشوريين؛ فهم لم يحاولوا إبادة الشعوب أو تغيير أديانها بالقوة.بقاء “المجوس”: سُمح للطبقة الكهنوتية الميدية (أسلاف رجال الدين الإيزيديين) بالبقاء في مناصبهم الدينية. بل إن الملوك الأخمينيين الأوائل كانوا يستعينون بهؤلاء الكهنة لإقامة الطقوس الرسمية وتفسير الرؤى.
الحرية الدينية: استمر سكان جبال سنجار وداسن في ممارسة طقوسهم (عبادة الشمس والقوى الكونيه) دون مضايقات كبرى من السلطة المركزية في “تخت جمشيد”.
2. الصراع السياسي (ثورة المجوس)بالرغم من التسامح، حدث صدام سياسي شهير عام 522 ق.م:
قام كاهن ميدي يُدعى “غوماتا” (أو البردية الكاذب) بالاستيلاء على العرش الأخميني مستغلاً غياب الملك “قمبيز”.هذا الصراع كان في جوهره محاولة من “النخبة الميدية” (أسلاف الإيزيديين عرقياً ودينياً) لاستعادة السلطة من الفرس.عندما استعاد دارا الأول (داريوس) العرش، قام بقمع هذه الثورة، مما دفع الكثير من هؤلاء الكهنة والقبائل الميدية الموالية لهم للفرار والاعتصام بـ جبال سنجار ولالش الوعرة، وهو ما عمّق لديهم “ثقافة الانعزال الجبلي” لحماية هويتهم.
3. النظام الإداري (الولايات)ساتراپ آشور:
كانت مناطق سنجار والجزيرة تتبع إدارياً لولاية (ساتراپية) تسمى “آشور” أو “عبر النهر”.
الضرائب والعسكر: كان أسلاف الإيزيديين يدفعون الضرائب للإمبراطورية ويشاركون في جيوشها. تذكر المصادر اليونانية (مثل هيرودوت) وجود وحدات من “الميديين” في جيش خشايارشا الذي غزا اليونان، وكانوا يرتدون ملابسهم الجبلية المميزة (التي تشبه الزي التقليدي الإيزيدي القديم).
4. ظهور الزرادشتية الرسميةفي أواخر العهد الأخميني، بدأت “الزرادشتية” (بتعاليم زرادشت التي تركز على صراع النور والظلام بشكل أخلاقي) تصبح هي دين البلاط الرسمي.هنا بدأ التباعد الفكري: فبينما اتجه الفرس نحو “الزرادشتية الإصلاحية”، ظل سكان الجبال (الداسنيون/الميديون) متمسكين بـ “الميثرائية القديمة” والطقوس الطبيعية، وهو ما جعلهم يظهرون كـ “محافظين” على الدين القديم.
5. السقوط المدوي (330 ق.م)عندما وصل الإسكندر المقدوني بجيوشه، وقعت المعركة الفاصلة (جوجميلا) بالقرب من مناطقهم (بين الموصل وأربيل). انهار الحكم الأخميني، ووجد أسلاف الإيزيديين أنفسهم أمام “ثقافة جديدة تماماً” وهي الثقافة اليونانية (الهيلينية).الخلاصة: في هذا العهد، تحول أسلاف الإيزيديين من “حكام” (في العهد الميدي) إلى “شركاء في الإمبراطورية”، لكنهم حافظوا على خصوصيتهم الدينية بفضل مرونة القوانين الأخمينية.
5-بعد سقوط الإمبراطورية الأخمينية، دخلت المنطقة في مرحلة مثيرة جداً جمعت بين الشرق والغرب،
وهي فترة السلوقيين (اليونانيين) ثم الفرثيين (الأرساكيين) بين عامي (312 ق.م – 224 م).
إليك كيف عاش أسلاف الإيزيديين في هذه الحقبة:
1. العهد السلوقي (اليوناني): صراع الثقافات بعد وفاة الإسكندر المقدوني، حكم قادته (السلوقيون) المنطقة.محاولة “الهيلنة”: حاول اليونانيون نشر ثقافتهم ولغتهم وعبادة آلهتهم (زيوس، أبولو).
رد فعل أسلاف الإيزيديين: اعتصم سكان الجبال في سنجار ولالش بوعورة مناطقهم. رفضوا “اليوننة” وحافظوا على لغتهم (التي تطورت منها الكرمانجية) وعلى طقوسهم الشرقية. هذا الانعزال هو الذي حمى هويتهم من الذوبان في الثقافة اليونانية التي اجتاحت المدن الكبرى مثل الموصل (نينوى) وأربيل.
2. العهد الفرثي (الأرساكي): عصر “ميثرا” الذهبياستعاد الشرقيون (الفرثيون) الحكم من اليونانيين، وهنا حدث تقارب كبير مع أسلاف الإيزيديين:
عبادة ميثرا (Mithraism): كان الفرثيون يقدسون “ميثرا” (إله الشمس والعهد)، وهي العقيدة التي تشكل العمود الفقري للجذور الإيزيدية القديمة. في هذه الفترة، ازدهرت المعابد الشمسية في مناطقهم، وكثير من الباحثين يربطون بين “طاووس ملك” وبين تجليات “ميثرا” في تلك العصور.
مملكة “حدياب” (Adiabene): ظهرت مملكة محلية قوية عاصمتها أربيل وشملت مناطق الإيزيديين الحالية. كانت هذه المملكة شبه مستقلة وتضم خليطاً من أتباع الديانات الشمسية (أسلاف الإيزيديين) واليهودية والمسيحية المبكرة لاحقاً.
3. كيف كان نظام الحكم؟
اللامركزية المطلقة: كان الفرثيون ملوكاً لـ “ملوك الطوائف”. لم يتدخلوا في شؤون القبائل الجبلية. تركوا لأسلاف الإيزيديين (الداسنيين) حرية اختيار أمرائهم وإدارة معابدهم، طالما أنهم يقدمون المقاتلين والولاء وقت الحرب.
المقاتلون الأشداء: اشتهر سكان هذه المناطق بكونهم رماة سهام وفرسان جبال موهوبين، وكانوا يشكلون خط الدفاع الأول للإمبراطورية ضد الهجمات الرومانية القادمة من الغرب.
4. ظهور “مسمى” الداسنية في أواخر هذه الفترة وبدايات المسيحية، بدأ يتبلور مسمى “داسن” أو “داسني” بشكل أوضح في السجلات السريانية واليونانية، لتمييز سكان هذه الجبال الذين رفضوا اعتناق المسيحية أو الزرادشتية الرسمية وظلوا متمسكين بـ “دينهم القديم” (الميثرائية/الشمسية).
5. الصدام مع الرومان كانت مناطق سنجار ونصيبين “ساحة حرب” دائمة بين الفرثيين والرومان. تعرض أسلاف الإيزيديين لغزوات رومانية متكررة، مما زاد من تمسكهم بـ “عقيدة الصمود” واللجوء للكهوف الجبلية لحماية عوائلهم ومقدساتهم.
الخلاصة: كانت هذه الفترة فترة “استراحة محارب” وتثبيت للعقيدة الميثرائية (الشمسية) قبل أن تأتي العاصفة الساسانية التي حاولت فرض دين واحد على الجميع.
6-دخلنا الآن إلى الإمبراطورية الساسانية (224 – 651 م)،
وهي الفترة التي شهدت ولادة مسمى “الداسنية” بشكل رسمي في التدوين التاريخي، وكانت من أصعب المراحل التي واجهها أسلاف الإيزيديين بسبب سياسة “الدولة الدينية”.
إليك كيف كان شكل الحكم والصدام في هذه الحقبة:
1. سياسة “الدين الواحد” (الزرادشتية الرسمية)على عكس الأخمينيين والفرثيين المتسامحين، كان الساسانيون متعصبين لديانة “الزرادشتية” بنسختها الرسمية (الموبذان).
فرض العقيدة: حاول الأباطرة الساسانيون (مثل شابور الأول وبهرام الثاني) توحيد الإمبراطورية تحت دين واحد.
موقف أسلاف الإيزيديين (الداسنيين):
رفضوا التخلي عن طقوسهم القديمة (الميثرائية والشمسية) التي اعتبرها الكهنة الزرادشتيون “هرطقة” أو “عبادة قديمة”. هنا بدأ التمييز الواضح بين “الزرادشتي الرسمي” وبين “الداسني” المتمسك بدين الأجداد.
2. ظهور مسمى “داسن” (Dasen)في هذه الفترة، بدأ المؤرخون السريان والبيزنطيون والفرس يطلقون اسم “داسنية” على القبائل القاطنة في جبال نينوى ودهوك وسنجار.
المعنى: “داسن” هو اسم جغرافي للمنطقة الجبلية الوعرة، وأصبح يُطلق على كل من يسكنها ويتمسك بمعتقداته الجبلية القديمة.
الاستقلال الذاتي: بسبب وعورة جبالهم (سنجار، لالش، ومناطق داسن)، لم يستطع الساسانيون إخضاعهم بالكامل. ظلوا يعيشون في “إمارات جبلية” تدفع الأتاوى (الضرائب) للساسانيين لكنها تحتفظ بقوانينها الدينية الخاصة.
3. الصراع مع المسيحية والزرادشتية كانت مناطق الداسنيين تقع على “خط التماس” بين الإمبراطورية الساسانية (الزرادشتية) والإمبراطورية البيزنطية (المسيحية).
الضغوط المزدوجة: تعرض أسلاف الإيزيديين لضغوط من التبشير المسيحي السرياني من جهة، ومن فرض الزرادشتية الساسانية من جهة أخرى.
الانغلاق الدفاعي: هذا الضغط المزدوج هو الذي ولّد لدى الإيزيديين (الداسنيين) صفة “الانغلاق” وعدم قبول الداخلين الجدد لدينهم، كآلية دفاعية لحماية هويتهم من الذوبان بين القوتين العظميين.
4. الاضطهاد والفرمانات المبكرة سجل التاريخ السرياني (مثل “أعمال الشهداء”) حملات قام بها الملوك الساسانيون (مثل يزدجرد الثاني) ضد سكان الجبال الذين رفضوا عبادة النار الرسمية. شملت هذه الحملات هدم بعض المعابد الجبلية، مما دفع الداسنيين لتحويل طقوسهم إلى طقوس “سرية” تُمارس في الكهوف وقمم الجبال، وهو تقليد استمر لقرون.
5. نهاية العهد الساساني وسقوط الإمبراطوريةفي عهد الملك خسرو الثاني (كيسرى أبرويز)، ضعف النفوذ الساساني بسبب الحروب الطويلة مع الروم. استغل الداسنيون هذا الضعف لتقوية نفوذهم المحلي في سنجار ولالش، حتى جاء الفتح الإسلامي في عام 641 م (معركة جلولاء وما بعدها).
الخلاصة: في العهد الساساني، تبلورت الشخصية “الداسنية” كجماعة مقاومة ثقافياً ودينياً، واكتسبوا سمعة “المحاربين الجبليين الذين لا يغيرون دينهم”، وهو ما مهد للطريقة التي تعاملوا بها لاحقاً مع الخلافة الإسلامية.
7-وصلنا إلى المحطة السابعة والأخيرة في تسلسلك التاريخي، وهي الخلافة الإسلامية (منذ 641 م)،
حيث بدأ التحول من مسمى “الداسنية” الجغرافي إلى مسمى “الإيزيدية” العقدي الذي نعرفه اليوم.
إليك كيف سار الحكم والتعامل معهم في هذه الحقبة:
1. الفتح الإسلامي (عهد عمر بن الخطاب)اللقاء الأول:
دخلت الجيوش الإسلامية بقيادة عياض بن غنم إلى الموصل وسنجار عام 20 هـ (641 م).
التعامل: وجد المسلمون سكاناً جبال يختلفون عن المسيحيين واليهود، فأطلقوا عليهم في المصادر المبكرة اسم “أكراد داسن” أو “الداسنية”. عوملوا كأهل كتاب (أو ألحقوا بهم في دفع الجزية) مقابل الاحتفاظ بدينهم وحماية مناطقهم.
2. العصر الأموي (661 – 750 م)
الارتباط بالاسم: يعتقد بعض المؤرخين (مثل العزاوي) أن اسم “إيزيدية” بدأ يبرز سياسياً في هذه الفترة.
هناك نظريتان: الأولى تربط الاسم بـ “يزيد بن معاوية” (كحليف سياسي للأمويين ضد العباسيين)، والثانية وهي الأرجح عند الإيزيديين أنفسهم، أنها تعود للكلمة الآرية القديمة “إيزيد” (الإله)، وأن الأمويين احترموا استقلالهم الجبلي لضمان ولائهم ضد الخلافات الأخرى.
3. العصر العباسي: “ثورة مير جعفر الداسني” امير امارة الداسنية (838 م)كانت هذه أشرس مواجهة عسكرية في تاريخهم الوسيط:
السبب: حاول الخليفة العباسي المعتصم بالله فرض سيطرة مركزية كاملة وزيادة الضرائب على مناطق الجبال.
المعركة: قاد الأمير جعفر بن مير حسن الداسني ثورة كبرى انطلقت من جبال دهوك والموصل. أرسل المعتصم جيشاً ضخماً بقيادة القائد التركي “إيتاخ”.
النتيجة: بعد معارك طاحنة في الشعاب الجبلية، انكسرت الثورة وقُتل مير جعفر، لكن هذه الواقعة أثبتت للعباسيين أن “الداسنيين” قوة لا يمكن استئصالها من جبالهم.و الجديل بالذكر هي إمارة الداسنية (القرن 9 – 14 الميلادي) التي ينصبها اكراد حاليا لهم
المركز: كانت عاصمتها في مناطق “دهوك” و**”شيخان”**، وامتد نفوذها ليشمل جبل سنجار وأربيل.
الحكم: حكمها أمراء من قبيلة “داسن” القوية، وكانوا يتمتعون باستقلال شبه كامل مستغلين وعورة جبالهم وضعف السلطات المركزية في بعض الفترات.
4. العصر الأيوبي والشيخ عدي بن مسافر (القرن 12 م)
نقطة التحول: جاء الشيخ عدي بن مسافر (المتحدر من أصول أموية) واستقر في “لالش”.
الإصلاح: قام الشيخ عدي بتنظيم المجتمع الداسني وتجديد تعاليمهم الدينية ووضع “نظام الطبقات” (بير، شيخ، مرید). من هنا بدأ المسمى الديني “إيزيدية” يطغى على المسمى الجغرافي “داسنية”.
5. الصدام مع المغول وتيمورلنك (القرن 13 – 14 م)، تعرضوا لحملات إبادة من المغول ثم من تيمورلنك مثل حملة التي قادها تيمورلنك و صنع اهرامات من الجماجمهم ، مما أدى لانكماش مناطق نفوذهم وهجرتهم الجماعية إلى عمق جبل سنجار الذي ظل حصنهم الأخير
6. العهد العثماني (القرن 16 – 20 م)هذا العهد شهد أكبر عدد من “الفرمانات” (حملات الإبادة) بسبب الصراع الطائفي والسياسي بين العثمانيين والصفويين، حيث كان الإيزيديون يرفضون التجنيد الإجباري وتغيير دينهم، مما عرضهم لحملات والي بغداد ووالي الموصل المتكررة
و واحدة من اهم حملات العهد العثماني هي فرمان “كلي علي بك” (1514 – 1918م)
الحدث الأبرز (حملة مير كور 1832م):
التاريخ: عام 1832م.القائد: الأمير محمد الراوندوزي (مير كور).المأساة: اجتاحت جيوشه مناطق “شيخان” وصولاً إلى الزاب الصغير. وقعت معركة كبرى عند مضيق جبلي وعر، أسفرت عن مقتل آلاف الإيزيديين اكثر من 120 الف وأسر أميرهم “علي بك” وقتله في ذلك المكان.الأثر: خلد التاريخ هذه المأساة بتسمية المضيق والشلال الشهير باسم “كلي علي بك” (مضيق علي بك) نسبة للأمير الشهيد، وبقيت هذه الحملة جرحاً غائراً في الذاكرة الإيزيدية كواحدة من أقسى حملات الإبادة.
.. بعد ظهور الاسلام و بسبب حملات (فرمانات) سمى الذين اسلمو و غيرو دينهم باسم كردي هم اكراد الحالين بالاقليم كردستان و الايزيديين اسلافهم و دينهم الاصلي
الخلاصة:عبر كل هذه الإمبراطوريات (من سومر إلى العثمانيين)، ظل الإيزيديون (الداسنيون) يلعبون دور “المعتصم بالجبل”. تغيرت الأسماء من “ميديين” إلى “داسنيين” ثم “إيزيديين”، لكن الجوهر ظل واحداً: التمسك بالأرض المقدسة (لالش وسنجار) والحفاظ على موروث ديني يعود لآلاف السنين.
استنتاجي الاخير على رغم بان كل ما ذكر في مقالي و من ابحاث و معلومات و تقاليد عتيقة لهذه امبراطوريات تدل على هم اصحاب حكم ويذكر بان الايزيديين استمدت او اخذو تقاليدهم و معرفتهم لكني ارى العكس. الكثير من الباحثين يرون أن الإمبراطوريات التي حكمت المنطقة لم تؤثر في أسلاف الإيزيديين فحسب، بل اقتبست منهم الكثير من التقاليد والعلوم، لأن أسلاف الإيزيديين (السوباريين والميديين) كانوا هم سكان المنطقة الأصليين وأصحاب الأرض.
يمكنك أن تقول بوضوح: “إن أسلاف الإيزيديين لم يكونوا مجرد شعوب خاضعة، بل كانوا خزنة المعرفة والتقاليد في الشرق القديم، ومنهم استمدت الإمبراطوريات العظمى أعيادها، تقاويمها، وتقديسها للطبيعة.”في الختام، وبعد استعراضنا لرحلة أسلاف الإيزيدية عبر سبع إمبراطوريات عظمى، نصل إلى حقيقة جوهرية: إن هؤلاء السكان الأصليين لم يكونوا مجرد شعوب خاضعة أو مارة في التاريخ. بل على العكس تماماً، لقد أثبتت الشواهد أن تلك الإمبراطوريات—من بابل وآشور وصولاً إلى الساسانيين والعثمانيين—هي من استلهمت واقتبست الكثير من علومها وتقاليدها من هؤلاء الجبليين الأشداء.لقد كان أسلاف الإيزيدية (السوباريون والميديون) هم المصدر الحقيقي والورثة الشرعيين لحكمة ميزوبوتاميا؛ فمنهم استُمدت الأعياد التي تحتفي بالطبيعة، ومن تراتيلهم نُظمت التقاويم، ومن تقديسهم لعناصر الكون تشكلت أعمق الفلسفات الدينية للشرق القديم.إن بقاء الإيزيدية وصمودها رغم كل الفرمانات والحملات ليس مجرد تمسك بدين، بل هو حماية لنواة الحضارة الأولى التي نشأت على هذه الأرض. لقد ظلوا خزنة المعرفة والتقاليد، وحافظوا على نقاء جذورهم لتبقى شاهداً حياً على أن صاحب الأرض الحقيقي هو من يمنح الروح والصبغة الثقافية للإمبراطوريات، وليس العكس.”
Amira Shngali



