Homeالاخبار والاحداثإصدار جديد / إمارة الدُّنبُلية في شرق كوردستان وأذربيجان

إصدار جديد / إمارة الدُّنبُلية في شرق كوردستان وأذربيجان

صدر حديثاً للأستاذ الدُّكتور علي تَتَر نيروي كتاب بعنوان (إمارة الدُّنبُلية في شرق كوردستان وأذربيجان)
ترجمة وتقديم: داود مراد ختاري
يقع الكتاب في (400) صفحة، بطباعة فاخرة و غلاف سميك، وهو من منشورات مكتبة الجزيري في دهوك لعام 2026
كتاب مهم للباحثين والمهتمين بتاريخ كوردستان وأذربيجان وتاريخ القبائل الايزيدية، ويقدم مادة علمية موثقة تسلط الضوء على واحدة من الإمارات الكوردية البارزة، يتناول الكتاب تاريخ إمارة الدُّنبُلية عبر عدة مراحل مهمة، وهو بين يدي القراء الكرام ، ويضم الفصول التالية:
الفصل الأول: أصالة التاريخ القديم الشفوي لعشيرة الدنبلي
الفصل الثاني: الدنابلة في العهد الصَّفوي (1501 ـ 1736م)
الفصل الثالث: دنبلي في عهدي الأفشار والزندية 1736 ــ 1779 م
الفصل الرابع: فترة القوة وأزدهار الدنبليين
الفصل الخامس: الدفاع والقضاء على سلطة الوراثة
الفصل السادس: أسرة الشعراء، الكُتّاب والحكام
كانت ترجمتي لهذا الكتاب القيِّم (تاريخ إمارة الدنبليان في شرق كوردستان وأذربيجان) مبعث سعادة لي، وإنه لمن دواعي سروري أنني بعد أن اطَّلعت عليه استجليت ما ينطوي عليه من قيمةٍ بالغةِ الأهمية فيما خصَّ للتاريخ الكوردي والإيزيدي معاً، وما اكتنفه من أدلة وبراهين تثبت زيف وبطلان مواضع كثيرة في التاريخ المدوَّن. ومن خلال هذه الترجمة، تبيَّن لي أن الدُّكتور علي تَتَر كان قد بذل جهداً كبيراً لا يُضاهى في البحث والتنقيب عن المصادر، وخاصة المصادر الفارسية القديمة بالإضافة إلى المصادر العربية والتركية والوثائق العثمانية.
الكتاب يكشف عن الهجرات المتلاحقة للشعب الكوردي بشكل عام، والإيزيدي بشكل خاص نتيجة الظلم والاضطهاد، الذي كان له منه نصيبٌ كبير وضريبته القاسية، وترك تداعياته السَّلبية عليه على مدار الزمن. فكنا نرى فيه انتقالهم وترحالهم في المناطق والأمكنة بعد كل إبادة ومجزرة، ومحاولات التكيُّف والاندماج في البيئة الجديدة، ومجاراة طابعها وهويتها الدينية. ولذلك نجد الدنبلي الإيزيدي مسلماً سُنِّيَّاً أو شِيعيَّاً، وفي بعض الأحيان نراه تارةً مسلماً وفي أخرى شيعيَّاً، وفق ما يفرضه المكان المُرتَحَل إليه. فالصِّراع المذهبي بين العثمانيين والصفويين أجبر الدنبليين على التخلص من تهمة الاختلاف الديني، والنظر إليهم على أنهم كفار.. ولهذا كان لابدَّ من اتخاذ الدين المغاير المُهيمن، وقلّة من حافظوا على أصالة إيزيديتهم في ظروف معينة.
في الكتاب يتم الكشف عن واقع هذه المنطقة (شرق كوردستان وأذربيجان) في تلك القرون، المتمثل بالصِّراع الإقليمي القائم الفارسي الصَّفوي، والتركي العثماني للهيمنة الدينية، الذي جعل منطقة (إمارة دنبليان) الواقعة بين الكتلتين المتصارعتين الضحية الأكثر تضرُّراً من أيّ من الطرفين المتخاصمين التركي والفارسي، والطرف الأضعف، الذي يتكَّبد الخسائر الفادحة وهو يتأرجح بين جهتين متحاربتين. فكان منتهاه إلى التشريد والتهجير والنزوح الدائم، وفقدان الهوية في ظل الاستغلال السياسي لأوضاع الدنبليين، الذي كان يؤدي إلى تصعيد تأزُّم الأوضاع وتعقيدها.
الصِّراع داخل الأسرة الدنبلية، والتنافس على الحكم والمصلحة والموارد الاقتصادية، كان يشكِّل عاملاً هاماً في عدم تطوير الإمارة، ويتسبَّب بإراقة الدماء بشكلٍ مستمرٍ، فعندما يستعر التنازع على السُّلطة والمناصب تلجأ الأطراف المتناحرة في سياقات التَّصارع إلى أساليب غير مشروعة في استخدام القوة والعنف وأساليب التهديد والخداع، وصولاً إلى الإيقاع بالخصم والفتك به أيَّاً كان ومهما كانت درجة القرابة وصلة الدم، وتصل تداعيات ذلك التنافس إلى ارتكاب جرائم إنسانية.
المصالح الفارسية أو العثمانية التركية كانت تتطلَّع بعين التركيز على أراضي تلك المنطقة، وتسعى بدأب ومنافسة للاستحواذ على الإيرادات والموارد الاقتصادية لتلك الإمارة.
كما أن ضعف سلطة الإيزيدية في كوردستان بشكل عام وتفكُّك هذا المجتمع، وعدم وجود الوحدة التي تجمعهم في بوتقةِ هدفٍ وسعيٍ مشترك، يجعل بنيانهم صلباً متماسكاً في وجه التحديات الخارجية، كان يُهيِّئ الفرص لكلا الطرفين المتصارعين لتزكية الحرب ودبِّ الفتن والكراهية. حيث اتخذت كل قبيلة وجهةً ومساراً، وشرعت تبحث عما يمكن أن يلبي احتياجاتها ومصالحها بمعزل عن وحدة الأصل الجامع الذي تنتمي إليه بمجملها، فمضت نحو اتخاذ خطوات تحقق المبتغى لتحقيق أمنها واستقرارها. وبفعل هذا التشتت تفككت الروابط والأواصر وترهَّل الانتماء الديني لدى كثير من تلك القبائل، التي فقدت في خضم تلك الظروف العقيدة الإيزيدية الأصل.
وبين فترة وأخرى، كنا نرى تحوَّلهم عن المذهب الذي اتخذوه مسبقاً إلى آخر سواه، حسبما تفرض عليهم الأوضاع والأمكنة والسلطات، فالفرس كانوا يعتنقون المذهب الشِّيعي بينما مذهب العثمانيين السِّنِّي. وانطلاقاً من ذلك كان الدنبليون في موضع تغيير دائم لمذهبهم، وبما أنهم فقدوا عقيدتهم الأصلية وهي الأيزدياتي، فإن التحويل من مذهب إلى آخر لم يكن بتلك الأهمية، ولا سيما وأن وجودهم في تلك المناطق كان يفرض عليهم مجاراة سلطة المنطقة في تلك الفترة. وكان تغيير المذهب يبدأ وينطلق من الأمير، ومن ثمَّ تتبعه القبيلة دون جدال أو معارضة تُذكر، وبنسبة تسعة وتسعين ؟؟؟؟ من بين هؤلاء لا يجيدون اللغة العربية ومفاهيم المذاهب الإسلامية أو سبب التباين والتصارع بينها!
نتيجة التنافس بين الأخوة على السُّلطة والجاه والذي تمخَّض عنه العنف والقسوة، انتقلت تلك المواقف والممارسات التعسفية مع مرور السِّنِّين بكل ما انطوت عليه من كراهية وأحقاد إلى الأحفاد أيضاً، وأصبحت السُّلطة وراثية مع وراثة مشاعر الضغينة وسحق الآخر المنافس، مهما كانت درجة القرابة، الأمر الذي انتهى بهم إلى سفك الأخ دمَ أخيه وإزهاق أبناء الأعمام أرواحَ بعضهم بعضاً، فكان قطعُ الرؤوس وجزُّ الأعناق يجري علناً، والانتقامات ونيران الثأر دائمة الاشتعال بين من تربطهم علاقات القرابة الأسرية وصلات الرحم والدم، التي تبرَّؤوا منها بما اكتنفهم من الشرور حين ينشب التَّناحر لأجل الحكم.
كان للسلطات الصَّفوية والعثمانية الدور السَّلبي البارز في تأجيج فتيل الصِّراع بين أبناء أسرة الأمراء الدنبليين، فازدياد تفكُّك الدنبليين واتّساع الشروخ بينهم يصبُّ في مصلحة الدولتين الصَّفوية والعثمانية، ولهذا كان الدنبليون وبقية الأقوام المتعايشة معهم في المنطقة، هم الطرف الخاسر الأول والأخير الذي يدفع الضريبة العظمى.
كانت قبيلة الدنبلي قد تركت العقيدة الإيزيدية واعتنقت المذهب الشِّيعي الإسلامي، وبالمقابل تركت قبيلة المحموديين الإيزيدية عقيدتها الإيزيدية واعتنقت المذهب السِّنِّي الإسلامي، ولهذا نرى من خلال ذلك التاريخ الصِّراعَ الدَّموي والتَّناحر بين القبيلتين، واتخاذ كلّ منهما لجهة عند أحد الطرفين العثماني أو الصَّفوي.
لكن في العصر الحديث لم يعد الدنبلي يحتفظون بهويتهم التقليدية، وإنما انخرطوا بالمجتمعات المحليّة وجاروا الحياة بمستجداتها وتطوراتها، وتخلوا عن النمط القبلي الذي اتسموا به.
عندما تكون القبائل الإيزيدية الباقية على عقيدتها، في المنطقة مع جهة أو طرف أو أمير من الأمراء أو الحكماء وتحدث الخسارة والاستسلام، فإنه يتمُّ قتل أسرى الإيزيديين جميعاً، ومثال على ذلك عندما انتصر جعفر قلي خان الدنبلي في جميع المعارك ضد أعداء الدنبليين، وخسر في معركة قلعة خوي، كان جيشه مكوناً من الإيزيديين والشكاك من أهالي بايزيد مع أبناء الدنبليين، وقام حسين خان الدنبلي بقتل جميع الأسرى الإيزيديين والشكاك، وأعفى عن المسلمين الدنبليين.
وكثير من المؤرِّخين ومنهم مؤرخو الأسرة الدنبلية كعبد الرَّزاق الدنبلي، كانوا قد حاولوا تغيير التاريخ الدنبلي وإلحاقه بجذور البرمكي الفارسي، دون الإشارة إلى جذورهم الإيزيدياتي وأصولهم العائدة إلى منطقة شيخان شمال الموصل، من أجل الحفاظ على السُّلطة وتقربهم من الصَّفويين، ولكن بالمقابل هناك مؤرخون ذكروا حقيقة أنهم كانوا على العقيدة الإيزيدية، ولكنهم نتيجة الظروف المذكورة أعلاه، كانوا قد تحولوا إلى المذهب السِّنِّي والشِّيعي ولفترات متباينة، وخير دليل على ذلك شرفخان البدليسي في كتابه (شرفنامة).
على الرَّغم من الصِّراعات على مدن الدنبليين داخلياً وخارجياً، لكنهم حاولوا التشبث بإمارتهم بقوة، واستمر حكمهم لعدة قرون.
والجدير بالإشارة إليه، أن فترة زمنية من ذلك العهد الدنبلي شهدت موجة ازدهار على مختلف الأصعدة، وتطوراً معمارياً بارز المعالم، فتميزت بتشييد العمارة العسكرية كالاهتمام بترميم القلاع وبنائها، لكونها الحصن الحصين للبلاد في الحروب، وبكثير من المنشآت المدنية كالمدارس، لاكتساب العلم والمعرفة، والنهوض بالعلم والثقافة وبجوانب الأدب والشعر. إذ برز فيهم الأدباء والشعراء المبدعون والمهندسون الأكفاء، وأقاموا المساجد المتَّشحة بفنِّ الزخرفة والنقوش، والأسواق لدعم وتنشيط حركة التجارة وتدعيم الاقتصاد، فتجلَّى التطور والتقدم الحضاري والاقتصادي على شتى الأصعدة بأعلى درجاته.
كما برزوا واشتهروا بالصناعة وتطوير المدن ومعالمها، وبنوا السُّدود واعتنوا بالزراعة وتربية المواشي والأغنام، وخير دليل سوق تبريز المسقف الباقي إلى يومنا هذا، والذي يُعتبر أكبر سوقٍ مسقفٍ في العالم.
كان لأمراء الدنبلين دورٌ بارزٌ في رسم خارطة المنطقة وقوة التأثير على قرارات الصَّفويين والعثمانيين وتنصيب الحكماء والملوك والخانات، إذ كانت تُؤخذ مشورتهم في كثير من الأمور.
ما يؤسف عليه حالياً، أنهم يعتبرون أنفسهم من الآذريين الناطقين بالتركية، وهذا خطأ تاريخي كبير يجب الوقوف عنده، حيث تتمُّ ترجمة هذا الكتاب إلى اللغة التركية والفارسية، وتوزيعه على المدن في خوي وتبريز وبايزيد.
هذا الكتاب يخصُّ الإمارة في شمال كوردستان وأذربيجان، ولدينا كتاب بالاشتراك مع الآثاري والمؤرِّخ (عبد الرقيب يوسف) حول تاريخ الدوملية في العراق، وهنا أدعو كتابنا من أبناء هذه القبيلة في تركيا إلى البحث عن تاريخهم، وعددهم يزيد عن المليون نسمة ويسمُّون أنفسهم (زازا).
كما ندعوالأخوة من قبيلة المحمودية في إيران وتركيا إلى توثيق تاريخهم، وهناك جزء كبير من تاريخهم موثق من في تاريخ الدنبليين والصِّراع بينهما.
من خلال مصادر هذا الكتاب، اتضح أن العائلة الصَّفوية وهم ملوك إيران لقرون عديدة تعود أصولها إلى الديانة الإيزيدية من جبل سنجار، وكواجب على كُتَّاب الإيزيدية البحث عن تاريخهم من خلال الآثار والمصادر التاريخية القديمة، كالسُّومريين وبلاد ميزوبوتاميا وكذلك المصادر الفارسية والأفغانية والعثمانية، بالإضافة إلى ما كتبه الرحالة والكتاب الأوربيين وما تحتويه مكاتب ومتاحف أوربا من تلك الأبحاث والكتابات.
من خلال هذا الكتاب، يتبيَّن أنه كانت لآزاد خان الأفغاني ملك أفغان علاقة ودية جداً مع الإيزيدية في مناطق سرحد، وهناك العديد من قادته ومقاتليه من الإيزيدية، وعندما كان يهزم في المعارك يلجأ إلى المناطق الإيزيدية، لذلك من المهم والضروري التحرِّي في تلك العلاقة، وفي الأسباب من خلال دراسة تاريخ الصِّراعات في تلك المنطقة.
كثرٌ من تحدثوا عن تلك الحقبة والفترة الزمنية، إلا أنهم لم يأتوا بالتوصيف الموضوعي والدقيق والمنصف لها، إذ تعدَّدت المصادر التي حرَّفت الأحداث، وألغت الشخصيات الفاعلة التي تركت بصمتها على أصعدة عديدة لمآرب شتى، صبَّت عند تضليل الرأي العام وزرع الفتن، وتشويه صور الشخصيات فأطاحت بمصداقية الحقائق، وتمَّ تقديم ذلك التاريخ بوجهات نظر وآراء مختلفة على طبقٍ من تعتيم وتلفيق.
من هنا كان لابدَّ من كتابة ذلك التاريخ برؤيا واقعية، تلتزم التحرِّي والتَّمحيص للتركيز في ضبط ماهية الأمور، واستيضاح الثغرات والنقاط المثيرة للشكوك بتناقضاتها، للوصول إلى فهم شامل يفي بالهدف. وذلك من خلال إجراء أبحاث تاريخية، تأخذ بعين الاعتبار دقَّة المصادر والموارد، وتتأبَّط القراءة النقدية لها والقائمين على إنجازها في تقصي للماضي، للوعي به في استجلاء التاريخ لاستشراف المستقبل في الزمن الحاضر، وهذه نقطة في غاية الأهمية. إذ إن كثيراً مما أتت به تلك المصادر لا يمكن اتخاذه أرضية انطلاق في ترقب الآتي من خلاله، ولا يمكن اعتماده منظاراً دقيقاً لمجريات الأحداث والمواقف لعدم مصداقيته.

الاشتراك
نبّهني عن
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات

Most Popular