المجلس الروحاني الإيزيدي الأعلى
تحليل تاريخي– اجتماعي لبنية مؤسسة دينية تشكّلت خارج السياق اللاهوتي
السيدات والسادة الأفاضل…
* نطرح عليكم مشروع كونغرسنا الثاني الذي يتضمن بعض الأفكار للتأمل، وندعوكم بكل ودّ إلى مناقشتها معنا وتطويرها. نحن على يقين تام بضرورة العمل الجاد والملح على تنظيم ومأسسة مجتمعنا، وجعله يقف على أقدامه، ويتجاوز أزماته. نهدف إلى تحريك حوار نتأمل فيه معاً بروح التضامن والمعرفة، لنبني بذلك علاقات جديدة، وهذا من شأنه أن يُتيح مساحة مشتركة للعمل المشترك.
ان مرحلة ما بعد الإبادة (2014) التي خلقت حالة من الانقسام الجغرافي والسياسي، والشتات، وتعدد المجتمعات الإيزيدية، وتشتت السلطة الدينية، تدعونا إلى التفكير والعمل لإعادة بناء مؤسسة دينية حديثة قادرة على تمثيل الإيزيدية عالمياً. وإنشاء مرجعية دينية ذات طابع معرفي/فقهي، وهيكل ديني مؤسسي متعدد المراكز يمثل جميع الايزيدية، يحفظ التراث ويستجيب للتحديات الاجتماعية والتكنولوجية والهجرات الواسعة. وأن يكون هذا الهيكل أكثر مهنية، أقل تسييساً، وأكثر قدرة على التواصل العالمي.
أولاً: خلفية تاريخية للمجلس (1928–2003)
تبحث هذه الدراسة في نشأة المجلس الروحاني الايزيدي الأعلى عام 1928 ضمن نظام “دعاوى العشائر” في العهد الملكي عام 1918، وكان يُعرف باسم “نظام دعاوى العشائر المدنية والجزائية”. الذي سُنَ في فترة الانتداب البريطاني، وأعطى شيوخ العشائر سلطة كبيرة في القضايا الريفية. وظل ساري المفعول في العهد الملكي حتى بعد تأسيس الدولة العراقية عام 1921.
إذن لم يأت تأسيس المجلس الروحاني الايزيدي الأعلى بوصفه مؤسسة دينية أصيلة داخل البنية التقليدية للدين الايزيدي، ولا جزءاً من أصل العقيدة، ولا كامتداد فقهي لنصوص دينية، بل جاء بوصفه مؤسسة “سياسية-إدارية” لا “لاهوتية”، استجابة لحاجة الدولة العراقية حينها إلى مخاطب رسمي يُمَثل الإيزيديين أمامها، وارتباطه بالسلطات. وكيف أثّر ذلك على وظيفته، وعلى العلاقة بين الدين والدولة والمجتمع الإيزيدي. كما تقدم الدراسة نقدًا بنيوياً للمجلس الحالي مقارنةً بالحاجات المعاصرة بعد الإبادة.
الكلمات المفتاحية:
المجلس الروحاني، الدولة العراقية، الذاكرة الجمعية، الهوية، الشيخ آدي بن مسافر الهكاري، المحفل، البنية التقليدية، الترتيب الهرمي، الوظائف الدينية، ملك/أمير، الإصلاح، مجلس روحاني محدث.
ثانياً: مقدمة
لا نملك الوثائق، ولا الحقائق الدامغة حول كيفية إدارة شؤون الدين الايزيدي (وان كان بأسماء أخرى) قبل ظهور الشيخ آدي بن مسافر الهكاري (1073-1165م) بينهم. إلاّ أن الذي تركها لنا الذاكرة الشعبية الشفاهية، وبعض النصوص الدينية، ومصادر تاريخية قليلة، هو أن السلطتين الدينية والدنيوية كانتا بيد عائلة الشيخ آدي الأول وخلفائه من بعده؛ ابن أخيه الشيخ صخر بن صخر المعروف بأبو البركات، ومن بعده ابنه عدي بن صخر بن صخر (الشيخ آدي الثاني) وابنه الشيخ حسن، المولود عام (1196م) والذي شنق عام (1246م) بأمر من بدرالدين لؤلؤ/والي الموصل.
كان يطلق على الشيخ آدي بن مسافر الهكاري كلمات التبجيل (بادشا/باتشاPadşa-Patşa) و(سولتان/سلتان Sultan-Siltan) و (الشيخ العام) اللتان تُعبران عن أعلى مرتبة دينية ودنيوية، وتدلان على القوة والهيبة والسلطة، بمعنى أن شكل الدين الباطني (المجلس الباطني) كان طاغياً حينذاك. أما الذين خلفوا الشيخ آدي بن مسافر، بدءاً من ابن أخيه (صخر بن صخر بن مسافر- أبو البركات)، و (آدي الثاني بن صخر بن صخر) الملقب بأبي المفاخر والمشهور بالكردي، المتوفي عام (1217م)، وأخيراً الشيخ حسن بن آدي الثاني، الملقب بـ (شمس الدين) (1196- 1246م)، كانوا هم وبقية أولياء الايزيدية يلقبون بـ (ملك/أو أمير)، على سبيل المثال: (ملك شيخ سن، ملك فخرالدين، ملك ناصر الدين، مير سجادالدين، مير آمادين، مير هسن ممان، مير مهمد رشان…) هذا إضافة إلى القابهم الوظيفية: (الشيخ، البير، القوال، المربي).
وعندما استلم الشيخ آدي الثاني رئاسة الامارة الايزيدية، قام بتشكل مجلس لإدارة شؤون الايزيدية سمي بـ (المحفل)، ووضع نظام مالي لجباية الرسوم من مناطق الايزيدية تحت أمرة أحد أبيار الايزيدية، وهذا ما توضحه لنا (مشورات الايزيدية) وجمع كل تلك الخيرات في خزينة بمعبد لالش. واعتبرت هذه الفترة، من بداية القرن الثاني عشر إلى نهاية القرن الثالث عشر، بالعصر الذهبي الايزيدي، ومرحلة التجديد من الناحية الدينية والاجتماعية، وبلغت أوجها باستلام الشيخ حسن مقاليد السلطة، حيث ذاع صيته في المنطقة من الموصل إلى أربيل، ودخل الذعر في نفس بدرالدين لؤلؤ الأتابكي حاكم الموصل. فقام الأخير بمقاتلته والقبض عليه بالتعاون مع أطراف أخرى، وشنقه في الموصل عام 1246م.
بعد هذه الكارثة والصراع الدائر بين أبناء العمومة يستولي الشيخ محمد الباطني المعروف بمحمد الكردي الأربيلي القاتاني على مقاليد الإمارة، ويبقى نظام الحكم وراثياً محصوراً بذريته إلى وقتنا الحاضر.
إذا استثنينا تشكيلة (المحفل) زمن الشيخ آدي الثاني، فان التقليد الديني الإيزيدي لا يتضمن مؤسسة مركزية واحدة تدير الشأن الديني، بل تقوم على تراتبية هرمية تشمل: الأمير، البابا شيخ، البيشيمام، شيخ الوزير، البابا كافان، أمير الحج، سادن المعبد، الشيوخ والأبيار، القوالين، الكواجك، سدنة المزارات/المجيور، كهنة المعبد من البابا جاويش والفقرا، والأسر الدينية. وهذه البنية وظيفية وعُرفية وليست مؤسسة رسمية ذات هيكل ثابت. وإن المجلس الروحاني هو كيان مضاف حديثاً، وليس جوهراً من صلب العقيدة.
ثالثاً: مرحلة ما بعد الإبادة (2014):
الانقسام الجغرافي والسياسي، والشتات، وتعدد المجتمعات الإيزيدية (جغرافياً: سنجار/روج آفا/أرمينيا/جورجيا/المهجر/…)، وتشتت السلطة الدينية، ضعف القدرة على التفاوض دولياً. وتصاعد نفوذ الأحزاب الكردية والعربية والإسلامية عليه، واستخدامه لشرعنة القرارات السياسية، وأخيراً التوتر بين الأمير وسنجار، جميع هذه الأسباب وغيرها دعت إلى الحاجة ملحة لإعادة بناء مؤسسة دينية حديثة قادرة على تمثيل الإيزيدية عالمياً.
رابعاً: حجج الفريق الأول المؤيدة لبقاء المجلس الروحاني مع إصلاحه
يرى هذا الفريق أن وجود كيان روحي موحد ضروري للحفاظ على وحدة الخطاب الديني وتنظيم المناسبات والشعائر، خاصة بعد الإبادة الجماعية الأخيرة للأسباب التالية:
الحاجة إلى مرجعية دينية موحدة، حماية الطقوس والعقائد من التشويش والتحريف، حماية وإدارة المزارات، ترشيد الفتاوى الدينية، تمثل الإيزيدية أمام الدولة العراقية وبقية الدول والمنظمات الإقليمية والعالمية، غياب المرجعية الرسمية يخلق فراغاً تستغله القوى السياسية، إدارة المزارات، لتوحيد الصوت الإيزيدي في ملفات المصير: إعادة إعمار سنجار – الناجيات – القبور الجماعية – التعليم الديني. يفترض أن يقوم المجلس بحماية الايزدية من الاعتداء، التسييس، الاستحواذ الحزبي، العبث الإداري. كما يكون قادراً، كما تكون مرجعية دينية مركزية ضرورية للحفاظ على وحدة الطقوس والهوية لأيزيدية المهجر.
خامساً: حجج الفريق الثاني الداعية إلى إعادة صياغته جذرياً للأسباب التالية:
يشكك هذا الفريق في ضرورة المجلس، ويرى أن بنيته الحالية لا تستند إلى أصل عقائدي، غير قادر على تمثيل مجتمع متنوع جغرافياً وثقافياً، استمرار شكوك شعبية واسعة تجاه أداء المجلس بعد 2014، لأنه تأسس بقرار حكومي وليس بقرار ديني، ويعتبره مؤسسة إدارية أكثر من كونه سلطة روحية. وأنه خضع لعقود طويلة إلى النفوذ السياسي. ويرى أنه في صيغته الحالية قريب من الأحزاب، لا يعبر عن كل المناطق (خاصة سنجار، سوريا، تركيا، أرمينيا، جورجيا)، غير منتخب، ولا يحتوي ممثلين من المهجر. كما أن هناك مخاوف من أن يتحول إلى أداة لفرض سلطة اجتماعية لا دينية.
سادساً: هل يمكن إصلاح المجلس بدل إلغائه؟
الرؤية الأكاديمية الأقرب للواقعية تقول: الإصلاح وليس الإلغاء. والإيزيدية اليوم بحاجة إلى مجلس… ولكن ليس بالشكل الحالي.
سابعاً: المشكلة والآثار البنيوية:
المجلس الحالي يعاني من: غياب التمثيل الشامل (سنجار – سوريا – تركيا – أرمينيا – جورجيا – أوروبا والمهجر عموماً)، الهيمنة الحزبية والسياسية وضعف الاستقلالية، ضعف الشفافية والمأسسة، غياب آلية انتخابية أو تشاورية، محدودية الكفاءة الإدارية، هشاشة الثقة المجتمعية، وعدم القدرة على مخاطبة المؤسسات الدولية. غموض الخطاب الديني، وعدم القدرة على اتخاذ قرارات إصلاحية.
ثامناً: أهمية الإصلاح
إصلاح المجلس ليس ترفاً مؤسساتياً، بل ضرورة وجودية لـحماية الهوية الدينية من التحريف، تنظيم الطقوس والأعراف، إدارة الشؤون الدينية للشتات، تمثيل الإيزيديين أمام الحكومات والمنظمات الدولية، ودعم ملف الإبادة والعدالة للناجيات.
تاسعاً: أهداف الإصلاح
تحويل المجلس من مؤسسة عشائرية إلى مؤسسة دينية-مهنية، فصل الدين عن الأحزاب، تمثيل جميع المكوّنات الجغرافية، تحديث آليات صنع القرار، تقوية القدرة التفاوضية الدولية، وخلق هيكل إداري وإعلامي محترف.
عاشراً: خطوات الإصلاح المقترحة
إعادة هيكلة المجلس بإضافة ممثلين عن: (سنجار، سوريا، تركيا، أرمينيا، جورجيا، أوروبا، أمريكا، كندا وأستراليا)، آلية اختيار شفافة (انتخاب – تزكية – مؤتمر عام)، وحدة القرار الروحي وفصل الملف السياسي عنه، إنشاء مكتب تنفيذي محترف مكوّن من إداريين قانونيين، إطلاق مديرية الإعلام الروحاني لضبط الخطاب الديني، تأسيس “مجلس الناجيات” ضمن المؤسسة الدينية، إصدار ميثاق ديني إيزيدي معتمد، والشراكة مع اليونسكو لحماية التراث الديني.
حادي عشر: تحليل مقارن
مقارنة بالمؤسسات الدينية للطوائف الأخرى (السريان، الكاثوليك، الصابئة المندائيون، الدروز، البهائيون، الكاكائيون، الزرادشتيون)، غياب المركزية والفقه المكتوب، التحديات في الشتات.
ثاني عشر: استنتاج أكاديمي ورؤية مستقبلية نحو 2050
نعم، المجتمع الإيزيدي يحتاج إلى مجلس روحاني أعلى، ولكن لا يحتاج النسخة التي أُنشئت في 1928، باعتباره كيان “وظيفي” لا “لاهوتي”، بل يحتاج إلى مؤسسة مُعاد بناؤها وفق احتياجات الحاضر والمعايير المؤسسية الحديثة.
فالمؤسسة الدينية ضرورة لحماية الهوية، ولكن النموذج القديم لم يعد كافياً لعالم ما بعد الإبادة، ولا قادرًا على استيعاب الشتات أو إدارة التعقيدات السياسية والاجتماعية الحديثة.
يحتاج الإيزيديون إلى هيكل ديني مؤسسي حديث يحفظ التراث ويستجيب للتحديات الاجتماعية والتكنولوجية والهجرات الواسعة. المجلس المستقبلي يجب أن يكون أكثر مهنية، أقل تسييساً، وأكثر قدرة على التواصل العالمي.
ثالث عشر: مخرجات متوقعة ونماذج بديلة مقترحة:
مجلس روحاني محدث، ذو شرعية انتخابية، ممثل لكل المناطق: ولات شيخ بما فيه ايزيدية بنكند، دهوك وزاخو، بعشيقة وبحزاني، سنجار، سوريا، أرمينيا، جورجيا، تركيا، والشتات، مستقل عن الأحزاب، شفاف في اتخاذ القرارات، متعاون مع الأكاديميين والباحثين. مجلس ديني عالمي موحّد يكون له شرعية أقوى دولياً، يتمكن من حماية الهوية وإنهاء الفوضى الدينية في الداخل والمهجر، وتعزيز الثقة المجتمعية. ويقوم بفصل واضح بين السلطة الدينية والإدارية، وإنشاء مرجعية دينية ذات طابع معرفي/فقهي، هيكل متعدد المراكز يمثل جميع منطق سكنى الايزيدية والمهجر معاً.
فكرة المشروع
إنشاء مؤسسة عالمية تجمع الإيزيديين من جميع البلدان، تعمل كـ “مرجعية دينية وتشريعية” تعتمد على التمثيل الإقليمي، وبنية احترافية، مع استقلال تام عن الأحزاب.
أهدافه:
توحيد الإيزيدية، معالجة الانقسام بعد الإبادة، تأمين تمثيل عالمي، حماية الهوية، إنشاء خطاب ديني موحد، العمل مع الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، وبقية الهيئات والمنظمات الإقليمية.
لماذا عالمي وليس محلي؟
لأن الإيزيدية اليوم ليست ديانة محصورة في لالش/ولات شيخ أو في سنجار، وبعشيقة وبحزاني، بل:
أكثر من 320 ألف في جمهورية ألمانيا الاتحادية، وعشرات الآلاف من دول أوربية مثل (السويد، هولندا، الدانيمارك، فرنسا، سويسرا، النمسا، بريطانيا، النرويج، اليونان، روسيا، أمريكا، كندا، وأستراليا)، إضافة إلى أرمينيا وجورجيا وسوريا، وتركيا.
الخطة التنفيذية:
عقد مؤتمر عالمي، اختيار أعضاء من المهجر، اعتماد نظام داخلي جديد، تأسيس مكتب في أوروبا
تسجيل المجلس كمنظمة دينية عالمية، إنشاء “مجمع العلماء الإيزيديين”،
فتح معهد أو أكاديمية لاهوتية ايزيدية لتدريب رجال الدين.
كونغرس ايزيدية المهجر
ألمانيا، كُتب بتاريخ 14 آذار 2026

