ببالغ الحزن والأسى، ننعى رحيل البيشيمام حسن بن البيشيمام سليمان، الذي فارق الحياة اليوم الجمعة في منزله بمدينة هانوفر الألمانية، بعد حياة طويلة امتدت لما يقارب قرناً من الزمن، حمل خلالها ذاكرة دينية واجتماعية وتاريخية لأبناء مجتمعه.
وُلد البيشيمام حسن عام 1926 في مجمع كوهبل التابع لقضاء شنكال في جنوب كردستان، لكنه أمضى طفولته وشبابه وترعرع في قرية تل خاتون التابعة لمنطقة تربسبيه، وسط مجتمعه وعشيرته، وأصبح مع مرور السنوات من الشخصيات المعروفة والمحترمة في المنطقة.
ينحدر البيشيمام حسن من عائلة عريقة توارثت المسؤولية الدينية والاجتماعية جيلاً بعد جيل، ويُعرف نسب العائلة على النحو الآتي:
البيشيمام حسن بن البيشيمام سليمان بن عمر بن حسن (موسك) بن محمى بن سالو بن دومو بن شيخ موس بن شيخ محمى ممكي.
ولم تكن هذه السلسلة مجرد أسماء متوارثة، بل كانت امتداداً لعائلة ارتبط تاريخها بخدمة المجتمع والقيام بالواجبات الدينية والاجتماعية.
البيشيمام حسن ودوره الاجتماعي
كان للبيشيمام في المجتمع الإيزيدي دور ديني واجتماعي مهم، ولا سيما في مراسم الزواج والطقوس الدينية المرتبطة بها، حيث كان يقوم بدور ديني واجتماعي في عقد مراسم الزواج وتنظيمها وفق التقاليد المتوارثة.
ومن خلال هذا الدور، كان البيشيمام حسن جزءاً من الحياة اليومية لمجتمعه، وشاهداً على أفراحه وأحزانه وانتقال أجياله من مرحلة إلى أخرى.
دوره في دعم ثورة 1961–1975
إلى جانب دوره الديني والاجتماعي، ارتبط اسم البيشيمام حسن بمرحلة تاريخية مهمة من تاريخ الحركة الكردية.
فخلال سنوات ثورة كردستان بين عامي 1961 و1975، قدم البيشيمام حسن خدمات ومساعدات للثورة، وكان له دور في بعض عمليات إيصال ونقل المستلزمات ووسائل الاتصال والمساعدات في ظروف بالغة الصعوبة والخطورة.
ومن أبرز من ارتبط اسمه بهذه المهام محي الدين حاجو، حيث عمل البيشيمام حسن إلى جانبه في عدد من المهمات المرتبطة بخدمة الثورة.
وهكذا لم يكن البيشيمام حسن رجل دين منعزلاً عن الأحداث التي عاشها شعبه، بل كان جزءاً من المجتمع الذي عاش مرحلة سياسية وتاريخية شديدة التعقيد، وقدم ما استطاع تقديمه في تلك الظروف.
علاقته بعائلة حاجو وعشيرة الهفيركان
ارتبط البيشيمام حسن أيضاً بعلاقة وثيقة مع عائلة حاجو، إحدى العائلات المعروفة في تاريخ عشيرة الهفيركان.
والهفيركان من العشائر الكردية القديمة والكبيرة، وقد امتدت مناطق انتشارها تاريخياً من منطقة الطور باتجاه ماردين ونصيبين وقامشلو وما حولها. وهي عشيرة ضمت في تاريخها الإيزيديين والمسلمين والمسيحيين، وشكلت هذه المكونات جزءاً من تاريخها الاجتماعي المشترك.
وكانت عائلة حاجو من العائلات التي كان لها حضور ومكانة بين كبار وشخصيات عشيرة الهفيركان، ولذلك فإن علاقة البيشيمام حسن بعائلة حاجو لم تكن مجرد علاقة شخصية، بل جاءت أيضاً ضمن شبكة العلاقات الاجتماعية والتاريخية التي جمعت أبناء المنطقة وعشائرها.
الهجرة إلى ألمانيا
في منتصف ثمانينيات القرن الماضي، هاجر البيشيمام حسن إلى ألمانيا، لكنه لم يقطع صلته بأبناء مجتمعه ولا بذاكرته وماضيه.
واصل حياته في ألمانيا، وظل يحمل معه ذاكرة المكان والناس والأحداث التي عاشها، حتى وصل إلى سنواته الأخيرة.
واليوم، بعد أن بلغ 96 عاماً، رحل البيشيمام حسن في مدينة هانوفر، تاركاً وراءه حياة حافلة بالتجارب والذكريات.
لم يكن رحيله مجرد وفاة رجل مسن؛ فالبيشيمام حسن كان ذاكرة حية لما يقارب قرناً من تاريخ المجتمع. عرف أجيالاً متعاقبة، وعاش التحولات والهجرة والحروب والثورات، وكان شاهداً على زمن لم يعد كثير من رجاله موجودين اليوم.
ولهذا، فإن فقدانه يعني فقدان جزء من الذاكرة الحية، لأن بعض الأشخاص لا يحملون أسماءهم فقط، بل يحملون معهم قصصاً وأحداثاً وقيماً وذاكرة مجتمع بأكمله.
سيقام دار العزاء اعتبارا من اليوم الجمعة وحتى يوم الاحد ثلاثة أيام وتتوالى تحت هذا العنوان
Bad Fallingbostel Almaniya
Oerbker Berg 6,
29683 Bad Fallingbostel
رحم الله البيشيمام حسن، وأسكنه فسيح جناته، ومنح أهله وذويه ومحبيه الصبر والسلوان.
رحل البيشيمام حسن، لكن ما حمله من ذاكرة وما قدمه لمجتمعه سيبقى حاضراً في ذاكرة من عرفه…
جانو شاكر

