مفترق طرق مصيري في ظل الأزمات الداخلية والخارجية
تقف إيران اليوم عند مفترق طرق تاريخي يتطلب قرارات صعبة تحدد مصيرها في العقود المقبلة. بين السعي للحفاظ على مشروعها الإقليمي وبرنامجها النووي وبين مواجهة المزيد من العقوبات الأمريكية والإسرائيلية، تبدو الخيارات المتاحة أمام القيادة الإيرانية كما لو أنها تُجبر على اختيار “بين الطاعون والكوليرا”.
أزمات متراكمة وحروب مكلفة
لعبت إيران خلال العقود الماضية دورًا محوريًا في دعم أذرعها العسكرية في لبنان، العراق، اليمن، وسوريا. إذ ضخت مليارات الدولارات في دعم مجموعات كحزب الله، الحوثيين، وحماس، فضلًا عن إنفاقها الكبير في الحفاظ على نظام بشار الأسد في سوريا. وعلى الرغم من أهمية هذه التحركات لتحقيق مكاسب استراتيجية، إلا أن التكلفة الاقتصادية والاجتماعية لهذه السياسات كانت كارثية على الشعب الإيراني.
وفق تقديرات الخبراء، كان يمكن لهذه الأموال أن تُستثمر في الداخل الإيراني لتحسين التعليم، الصحة، التكنولوجيا، والصناعة. إيران، التي تعد واحدة من أقدم الحضارات البشرية والتي أثرت في التاريخ الإنساني، لديها من الإمكانيات ما يمكنها أن تنافس به القوى الصناعية الكبرى إذا تم توجيه مواردها بذكاء.
الإرث الحضاري في مقابل التحديات الاقتصادية
باعتبارها وريثة لإمبراطوريات عظيمة مثل الأخمينية والساسانية، تستحق إيران وشعبها مستقبلًا أفضل. غير أن الواقع الحالي يعكس تناقضًا حادًا بين هذا الإرث المجيد والحاضر المليء بالتحديات. يعاني الإيرانيون من التضخم، البطالة، وتدهور مستوى المعيشة بفعل العقوبات الاقتصادية المفروضة على البلاد بسبب سياسات النظام.
المثل الإيراني الشهير “جراغي كه به خانه رواست، به مسجد حرام است” يعكس تمامًا الوضع الراهن. فالأموال التي تُنفق على المغامرات الخارجية كان من الأجدر توجيهها لتحسين حياة الشعب الإيراني، الذي يئن تحت وطأة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية.
خيار “تجرع السم” مجددًا؟
أمام هذه الأزمات، يظهر تساؤل جوهري: هل سيتبع المرشد الأعلى علي خامنئي خطى الإمام الخميني عندما اتخذ القرار التاريخي بوقف الحرب العراقية-الإيرانية؟ الخميني، الذي وصف قراره حينها بأنه “تجرع كأس السم”، أدرك أن استمرار الحرب يعني المزيد من الدمار لإيران. هل يمكن أن يكون لقرار مماثل اليوم تأثير إيجابي على مستقبل إيران؟
يمكن أن تشمل هذه الخطوة وقف الهدر المالي في دعم المجموعات المسلحة، تقليص الطموحات النووية التي أصبحت محور الصراع مع الغرب، والتركيز على الداخل الإيراني. قد يكون هذا القرار بمثابة “تجرع السم” مرة أخرى، ولكنه قد يُنقذ إيران من مصير مجهول.
مصير إيران بين يد قادتها
في ظل القيادة الأمريكية المتهورة لدونالد ترامب، أصبحت الخيارات أكثر تعقيدًا. العقوبات المفروضة على إيران ليست مجرد ورقة ضغط سياسية؛ بل هي سلاح فعّال يهدف إلى خنق الاقتصاد الإيراني وتقويض استقرار النظام. وإذا استمرت إيران في سياساتها الحالية، فإن الشعب الإيراني قد يواجه سنوات عصيبة من الجوع والفقر والاضطراب.
على قادة إيران أن يتخذوا قرارًا حاسمًا يوازن بين الحفاظ على الكرامة الوطنية وبين ضمان مستقبل مشرق لشعبهم. قد لا يكون الخيار سهلًا، ولكنه ضروري. الأيام المقبلة ستكشف لنا ما إذا كان النظام الإيراني سيُغلب مصلحة شعبه على حساب طموحاته الإقليمية.
ختامًا
إيران أمام لحظة تاريخية تتطلب شجاعة وحكمة. الشعب الإيراني، بورثه الحضاري العظيم وإمكانياته الهائلة، يستحق أفضل مما هو عليه الآن. إذا اختارت القيادة الإيرانية التغيير، فقد تُفتح أمامها أبواب الأمل والازدهار. أما إذا استمرت في السياسات الحالية، فإن المستقبل قد يحمل لإيران المزيد من الأزمات والمآسي. الكرة الآن في ملعب طهران.
د. سعيد بير مراد
هنوفر في 21/1/2025

