تبدو دول الاتحاد الأوروبي والناتو، مدعوة الآن أكثر من أي وقت مضى للوفاء بالتزامتها الأخلاقية والسياسية نحو الكورد. حيث يتعين على تلك الدول أن تكون حذرة في مواقفها وسلوكها اتجاههم واتجاه مطالبهم السياسية المشروعة في هذه المرحلة الحساسة والتاريخية بالنسبة لمصيرهم ووجودهم في الشرق الأوسط وسوريا بوجه خاص.
وهذه الدعوة تتعلق قبل كل شيء بالأمن الداخلي لتلك الدول، ناهيكم بمصالحها في الشرق الأوسط. إذ تقع على عاتقها مسؤولية أخلاقية وسياسية عالية إزاء تضحيات الكورد ضد الإرهاب والاستبداد في المنطقة، نيابة عنها وعن العالم. فما ينبغي الحذر منه الآن هو ألّا تنساق وراء ذرائعية سمسار السياسة الأمريكية ومرابي المقايضات الرخيصة توم باراك في التعاطي مع القضية الكوردية واستحقاقاتها المشروعة وفق منطقه المبتذل.
كما عليها أن تتذكر على الدوام إن الكتلة الاجتماعية – التاريخية الوحيدة والمتماسكة في مواجهة الإرهاب والتطرف، سواء في الشرق الأوسط أم في الدولة الأوروبية، هم الكورد، الذين صمدوا في مواجهة ثقافة التكفير وخطاب التعصب الديني. إن أدنى شعور بالخيبة والخذلان ينشأ لدى الكورد نتيجة سياسات وذرائعية تلك الدول كفيل بدفع المجتمعات الكوردية المنتشرة ، في كل مكان بالعالم، نحو التطرف الجهادي وحينئذ ستفتح جميع التنظيمات الإرهابية، التي تحاصر الكورد وتحاربهم الآن، أذرعها لاحتضان الغضب والسخط الكورديين، وستعززهما بمباركة وقدسية. وبموازاة ذلك ستصبح المجتمعات الكوردية في أوروبا، العصية على الاختراق الجهادي/ التكفيري حتى الآن، مجتمعات محتقنة وحانقة بشدة على الدول الأوروبية وأمريكا، التي بدورها ستغدو حالئذ في نظر الكورد دول متآمرة على مصيرهم، يتعين الانتقام منها.
وستصبح أيديولوجيات التطرف الإسلامي وسرديات الجهاد بمثابة ترانيم مقدسة للانتقام لديهم من الغرب الذي غدر بهم. حذاري من هذا الموقف ومن هذا الانحراف التاريخي، الذي تدفع نحوه سياسة المقايضات البراغماتية، لمغامر مثل توم باراك ونظائره الأوروبيين. إن الالتزام السياسي بحماية الكورد وضمان حقوقهم، فضلاً عن الوفاء لتضحياتهم نيابة عن العالم، ستعزز من مناعة المجتمعات الأوروبية وأمنها في مواجهة وباء التطرف والخطاب التكفيري، وخلاف هذا الالتزام كفيل بجعل تلك المجتمعات مهددة ومفتوحة أمام زوابع العنف الجهادي وهذا ما تراهن عليه الجماعات الجهادية المتشددة وجبهة أعداء الديمقراطية والتعايش السلمي…
أستاذ الفلسفة السياسية | جامعة كويا

