Homeمقالاتحين يصبح الوهم يقينًا : كفاح الزهاوي

حين يصبح الوهم يقينًا : كفاح الزهاوي

   “كان يا ما كان في قديم الزمان”، كنا نسمع في كل رواية وقصة هذهالمعزوفة، حتى صارت كليشة لكل إيقاع ولحن. هكذا بنى أسلافنا مدخلًاسرديًّا للمرور بسلاسة عبر محيطات القصص والأساطير الخرافية، وكأطفالكنا نستمتع بتلك الروايات الشائقة؛ لأنها كانت تثير فينا الحماس والتساؤل، وألقت بظلال من الشك على وجود كائنات تتجاوز المستحيل.

   سأروي لكم قصة قديمة عن ذلك الجبل، الذي ظل قائمًا لقرون، شامخًاإلى درجة الاستحالة، بلا طريق إليه، ولا آثار أقدام، ولا صوت ينزل منه، ولاصدى يصعد إليه.

   يقولون إن في أعلاه شيخًا عجوزًا، يعرف كل شيء، وقادر على كل شيء، لكنه لا ينزل، ولا يُرى.

   في الأسفل، حيث الأرض القاحلة والخيام الممزقة، كانت الأقوام تتقاتلعلى فتات الحياة، وتروي حكاية ذلك الكائن كما لو كان حقيقة، أو خلاصًا، أو لعنة.

   ذلك البطل الأسطوري الذي لم يره أحد، بل كان مستحيلًا الصعود إلىقمته لعوامل عدة، حيث كان الجبل يستقر على الأرض بشكل شاقولي، وسفوحه حادة، ولا أثر لمواطئ القدم.

   وكما ظلّ ذلك الجبل قائمًا بلا طريق، ظلّت الحكاية نفسها تتكاثر بلا سند، حتى أخذت في الذوبان داخل الوعي، لتتحوّل من صخرةٍ صمّاء إلى ماءٍ يتسرّب في كل مسام.

   وفي محيط ذلك الجبل كانت هناك أرض قاحلة، تعيش عليها مجموعة أقوامغير متجانسة؛ يعتمد بعضهم على التجارة، والبعض الآخر يمارسون مهنةالسرقة، حيث يقومون بغارات همجية على القرى بغزوات ليلية، يسلبونمتاعهم وكل ما يملكون، ويغتصبون نساءهم.

   وهكذا تمتدّ الخرافة، لا كحكاية تُروى، بل كوصيّة تُلقّن في مسام الطفولة، حيث العقول الطريّة لم تُصقل بعد بحرارة التجربة، ولا عرفت بعد طعم الشك.

   هناك، في تلك المساحات الرخوة من الوعي، تُغرس الفكرة لا كجهدٍ عقلي، بل كإيحاءٍ غامض، يتناقلها الناس كما يتناقلون الحمى: بلا سؤال، بلا عناء. فتذوب الكلمات كما يذوب السكّر في الماء، فتتماهى الحكاية مع الحقيقة، ويصير الوهم نواةً للفهم.

   وما إن تُغلف الخرافة بثوبٍ مقدّس، حتى تنفلت من عقالها، وتنتشر كالنارفي هشيم الوعي؛ لا تحتاج إلى جهد، ولا إلى رأس مال، بل يكفيها أنتُهمَس، حتى تُصبح يقينًا يُتوارث.

الاشتراك
نبّهني عن
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

Most Popular