في زمن العولمة المتسارعة، حيث تحكم التكنولوجيا تفاصيل الحياة اليومية وتختصر المسافات بين القارات، يبدو من المفترض أن تُدار السياسة العالمية بلغة المصالح والاقتصاد والعلم. لكن الواقع يكشف أن جزءًا مهمًا من الخطاب السياسي، خصوصًا في أوقات الأزمات والحروب، لا يزال يستند إلى تأويلات دينية ونصوص غيبية تُستدعى لتفسير ما يجري أو لتبريره.
ومع كامل الاحترام لجميع الأديان والمعتقدات، فإن الإشارة إلى هذا الأمر لا تأتي بقصد الإساءة أو التقليل من شأن الإيمان الديني، بل بهدف تسليط الضوء على ظاهرة واضحة في الخطاب السياسي المعاصر: توظيف الرموز الدينية في تفسير الصراعات الكبرى أو في تعبئة الجماهير حولها.
في بعض الأوساط المرتبطة بالسياسة الشيعية، يجري الترويج لفكرة أن العالم يجب أن يمرّ بمرحلة من الفوضى والظلام والحروب الكبرى قبل ظهور المهدي المنتظر، باعتباره المنقذ الذي سيملأ الأرض عدلًا بعد أن ملئت ظلمًا. وفي هذا السياق، تُفسَّر الكثير من الحروب والأزمات بوصفها مقدمات تاريخية أو إشارات على اقتراب تلك اللحظة.
وفي المقابل، لا يخلو الخطاب الديني في بعض الأوساط المسيحية واليهودية، خصوصًا في التيارات الدينية المتشددة، من تصورات مشابهة. فهناك من يرى في الحروب الكبرى التي تشهدها المنطقة والعالم نوعًا من المشيئة الإلهية التي تمهد لعودة المسيح الثانية أو لما يُعرف في الأدبيات الدينية بـ”نهاية الأزمنة”. وفي تلك الروايات يظهر أيضًا مفهوم المسيح الدجّال بوصفه رمزًا للشرّ الذي يسبق لحظة الخلاص.
لكن بعيدًا عن هذه السرديات الدينية، يقف العالم اليوم أمام واقع جيوسياسي شديد التعقيد، يتجسد بوضوح في الصراع حول الطاقة وممراتها الحيوية. ومن أبرز هذه النقاط الحساسة مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، والذي يمر عبره جزء كبير من تجارة النفط العالمية.
أي توتر في هذه المنطقة ينعكس فورًا على أسواق الطاقة، وهو ما يفسر الارتفاع الجنوني في أسعار النفط والغاز خلال فترات التصعيد. هذا الارتفاع لم يعد مسألة اقتصادية فحسب، بل تحوّل إلى أزمة عالمية تثقل كاهل الدول الفقيرة والمتوسطة، وتضغط بشدة على حياة الإنسان العادي الذي يجد نفسه يدفع ثمن صراعات لا يملك فيها قرارًا.
وفي خضم هذه التوترات، صدرت تصريحات من القيادة الروسية، وعلى رأسها الرئيس فلاديمير بوتين، تشير إلى أن تصاعد الصراع قد يقود إلى سيناريوهات خطيرة، من بينها احتمال إغلاق مضيق هرمز في حال توسعت المواجهات. مثل هذا السيناريو، إن حدث، لن يكون مجرد حدث إقليمي، بل زلزالًا اقتصاديًا عالميًا يهدد استقرار الأسواق والطاقة في العالم بأسره.
ولا يمكن قراءة ما يحدث اليوم في المنطقة بمعزل عن الفوضى التي تعيشها العديد من دول الشرق الأوسط، مثل ليبيا واليمن ولبنان وسوريا والعراق وحتى إيران، وهي دول أنهكتها سنوات طويلة من الحروب والصراعات والتدخلات الدولية. فقد أدّت السياسات العسكرية، وعلى رأسها الحروب الأمريكية في المنطقة، إلى تفكيك بنى دول كاملة وإضعاف مؤسساتها، الأمر الذي فتح الباب أمام الفوضى والعنف والانقسامات الداخلية. إن شعوب هذه الدول لا تحتاج إلى مزيد من الحروب بقدر ما تحتاج إلى مرحلة جديدة من الهدوء والاستقرار، وإلى مشروع حقيقي لإعادة الإعمار وبناء البنية التحتية، وإرساء أنظمة سياسية تقوم على الديمقراطية واحترام إرادة الشعوب، بما يضع حدًا لدورات العنف والفوضى التي أنهكت الشرق الأوسط لعقود.
وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل ما يجري اليوم صراع مصالح بين قوى دولية كبرى حول الطاقة والنفوذ، أم أنه – كما يروج البعض – جزء من سيناريو ديني كبير يمهد لظهور المخلّص أو لنهاية الأزمنة؟
الواقع، على الأرجح، أكثر تعقيدًا من كلا التفسيرين. فالتاريخ يخبرنا أن السياسة كثيرًا ما تستخدم الدين كأداة تعبئة، بينما تبقى المصالح الاقتصادية والاستراتيجية هي المحرك الحقيقي لمعظم الصراعات.
وبينما ينشغل بعض الناس بانتظار ظهور المهدي المنتظر أو العودة الثانية للمسيح، يظل الإنسان العادي في مختلف أنحاء العالم منشغلًا بسؤال أبسط وأكثر إلحاحًا: كيف يمكن إيقاف الحروب، وخفض أسعار الطاقة، وإنقاذ الاقتصاد العالمي من أزمات متلاحقة؟
ربما لا يحتاج العالم إلى معجزة دينية بقدر ما يحتاج إلى قدر أكبر من العقلانية السياسية، وإلى قادة يدركون أن إشعال الحروب باسم السماء قد يحرق الأرض بأكملها.

