يمكن الحديث كثيرًا عن عطاء رفيقنا الفقيد (حميد مجيد موسى – أبو داود) في جميع الميادين الحزبية والسياسية والفكرية والتنظيمية وحتى الجماهيرية، فهي معروفة للجميع، ويشهد له بذلك الأعداء والأصدقاء. ولا أريد تكرار ذلك، فهو شخصية عُرفت بالبساطة والدقة، لكنني هنا سأتحدث عن ممارسات عملية كنت شاهدًا عليها تعكس حكمته وقدراته القيادية في اتخاذ القرارات الدقيقة في ظروف صعبة ومعقدة ميدانيًا، كذلك هنالك مواقف أخرى تعكس قدرات الرفيق ومبادراته عندما يتطلب الأمر ذلك دون تردد.
فقد كانت ظروفًا صعبة ومعقدة، وولّدت أوضاعًا نفسية مؤلمة، لكنني شاهدت الرفيق (حميد مجيد موسى / أبو داود)، وهو أيضًا مصاب ويعاني من الآلام وآثار الغاز الكيماوي، لكنه والرفاق القياديون الآخرون كانوا جميعًا في حالة من الصلابة والتفاؤل. وكان الرفيق يسألني عن وضع الرفيقات والرفاق، وكيف تسير إجراءات علاجهم، لم أره يفكر بنفسه، بل برفاقه، ويتابع الصغيرة والكبيرة مع الرفيق توما توماس/ أبو جميل، فكان لذلك أثره في رفع معنويات الرفاق، وعكس قدرته على التحمل والصبر.
فكانت المهمة صعبة ومعقدة للغاية، تتطلب حلولًا وقرارات سريعة ودقيقة. وكانت المهام كثيرة، منها كيفية الحفاظ على الرفاق والقيادة والعوائل والمرضى، وكيفية نقل وإخفاء الأجهزة والوثائق، وترك المقرات والرحيل إلى أماكن أكثر أمانًا. فكانت القرارات سريعة وحكيمة من قبل الرفيق أبو داود، فتم دفن الإذاعة والطابعات والوثائق، وتم ترك المقرات وإرسال وجبات من العوائل والمرضى إلى أماكن أخرى لحمايتهم، ومن ثم التفكير بالكادر وبالرفاق الآخرين.
كانت لحظات عصيبة تتطلب توفير المواد الغذائية ومستلزمات العيش الأخرى خلال التنقل وسط الجبال الوعرة والخطرة، حيث كانت قوات العدو تقصف القرى وأماكن الانسحاب. لقد تجلت هنا القدرات القيادية والفطنة وسرعة ودقة التصرف واتخاذ القرارات مع الرفاق الآخرين، وقد نجح الرفيق في كل ذلك.
فوصل الخبر إلى الرفيق أبو داود، فما كان منه إلا الاتصال بأحد الرفاق من الحزب الشيوعي البلغاري، وهو عضو مكتب سياسي وصديق له عندما كان في بلغاريا،فطلب منه التدخل لإخراجنا من المطار بسلام لأن حياتنا في خطر. وفعلاً قام هذا الرفيق بالذهاب إلى مكتب رئيس الوزراء البلغاري، وطلب منه فورًا اتخاذ قرار إخراجنا من المطار، مؤكدًا أنه لن يغادر المكتب إلا عند تنفيذ ذلك. وفعلاً تم التنفيذ فورًا، حيث جاء شخصان من مكتب رئيس الوزراء إلى المطار، وأشرفا على إخراجنا وتسليمنا وثائقنا، وقالوا لنا: “أنتم الآن أحرار، وعندكم إقامة لا تزال نافذة في بلغاريا، وهل تريدون أن نوصلكم إلى مكان ما؟”
فشكرناهم وقلت لهم: “لا شكرًا، نحن سنتدبر أمرنا”. وقد علمنا بهذه التفاصيل لاحقًا.
للرفيق الفقيد حميد مجيد موسى (أبو داود) الذكر العطر دائمًا، ولترقد روحه بسلام. من حقنا أن نفتخر به،ونواصل السير على خطاه من أجل وطن حر وشعب سعيد.

