الحرب الدائرة في منطقة الخليج العربي تدور في إطار التنافس التوسعي الإقليمي الجاري بين قطبين لهما من يؤازرهما، إيران وأذرعها المسلحة فيدول المنطقة، من جهة، واسرائيل وراعيتها الولايات المتحدة والغرب عموما، منجهة أخرى… وهي حرب أبعد ما تكون عن مصالح شعوب المنطقة حيث أنطرفيها لا يعترفان بحق تقرير المصير لشعوبها.
الحرب جاءت تمهيدا لرسم واقع جديد بالقوة الغاشمة دون الالتفات إلىتطلعات شعوب المنطقة.
هذه الحرب سرّعت التمهيد لمخططين منافسين للمشروع الإيراني ” الهلالالشيعي ” الذي كان يشمل العراق وسوريا وحزب الله في لبنان، بعدتفككهإلى حد بعيد، هما اتفاقيات ابراهام ( المسماة محلياً الاتفاقيات الإبراهيمية) ومخطط الشرق الأوسط الجديد.
جوهر المخططين واحد وكذلك مراميهما لا تختلف… وهي تحقيق تفوقوهيمنة كاملة لإسرائيل على المنطقة، اقتصادياً وسياسياً وبالتأكيد عسكرياً، على حساب دول المنطقة قاطبة. تؤسس أساساً لتطبيع قادم.
مفهوم ” الاتفاقيات الإبراهيمية ” يضفي صبغة مقدسة على المشروعالمرتجى، المشروع السياسي بحلة عقائدية فضفاضة، قد يكون صيغة أشمللابتلاع عقائدي وسياسي لمفهوم ” الهلال الشيعي ” يدغدغ مشاعر المؤمنينبالديانات الرئيسية الثلاث في المنطقة ويغويهم.
الاتفاقيات الإبراهيمية، لن تكون حلاً لمشاكل الشرق الأوسط، فهي فيحقيقتها، ترتيبات سياسية مصلحية تتلفع بعباءة دينية توائم المناخاتالسائدة في المنطقة بعد صعود تيارات التطرف الديني والنعرات الطائفيةفي الإقليم ومن ضمنها في الكيان الاسرائيلي، وهي في حقيقتها نكوصنحو سردية ماضوية ليس لها سند تاريخي. وهي محاولة لغش الجماهيرالمؤمنة بتصوير وادعاء ان هدفها ينبع من إرادة توحيدية الهية، وفي النهايةالاعتراف بالعرف التلمودي بأن أرض فلسطين هي هبة الرب اعطاها لشعبهالمختار من خلال أبي الأنبياء إبراهيم وانتهى الأمر.
ماهيتها تتناقض مع ما قد يوحي بها عنوانها بالتقارب بين متبعي الدياناتالسائدة في دول المنطقة، الاسلام واليهودية والمسيحية… بعد أن أصبحالتعايش بين المؤمنين بها تربكه أحداث التاريخ وصراع المصالح، حيثترفض بعضها الآخر ويغيب مفهوم التعايش والتسامح فيما بينها، لاسيمابعد تجارب مريرة من الحروب والاقتتال والتنابز الديني.
مشروع الشرق الأوسط الجديد، من جانب آخر، الذي يُطرح بحُلة علمانية، هو ترتيب ل” سايكس بيكو جديد ” بهيمنة اسرائيلية. أي وضع ضوابطهحسب قوانين ونظم سياسية وحقوقية معاصرة، تمليها بالأساس الولاياتالمتحدة الأمريكية، القوة الغاشمة الأولى في العالم، وربما رسم جديدللحدود، وتلفيق جيوب جغرافية بين البلدان، تبقي على ذرائع ومسبباتخلافات وصراعات إقليمية مستقبلية، يجري تأجيجها عندما تستدعيالحاجة.
الحرب العبثية الدائرة، التي تفتقد الشرعية القانونية الدولية ضد إيران، بغض النظر عن المنتصر فيها، بالطموحات الإمبراطورية لطرفي الصراع لنتكون لصالح بلدان المنطقة غير المتورطة بالحرب، بشكل مباشر أو غيرمباشر، وبالذات العراق وطننا الذي كان له تاريخياً دوراً مستقلاً ومؤثراً، يهمنا ابعاده من ويلات هذه الحرب، رغم محاولات أطراف داخلية مقربة مندولة ايران الاسلامية لزجه في الحرب مستغلة هشاشة نظامه السياسيوتوغل منتسبيها في مفاصل الدولة العراقية والتحكم في مقدراتها ومصائرهاتحت شعارات عقائدية طائفية، بينما تسعى أغلبية شعبية واسعة إلىتجنبها، على ضوء تجارب حروب وحصارات سابقة عانى منها شعبنا.
مآلات الحرب المدمرة قد بدأت تظهر ملامحها : إيران المنهكة المدمرة التيفقدت الكثير من قدراتها الاقتصادية والعسكرية، لابد وان تنكفئ إلى الداخلبعد تقليم أظافرها الإقليمية وأضعاف أذرعها، وبعد أن فرضت على نفسهاعزلة دولية وإقليمية : دولية بسبب غلقها مضيق هرمز الملاحي الدولي أمامناقلات النفط لدول ليست طرفاً في الحرب، ثم إقليمية، بمهاجمتها لدولالساحل العربي المقابل لها وخسارتها علاقات تاريخية عميقة، شعبيةورسمية، بسبب وجود قواعد لقوات أمريكية فيها، كانت جمهورية ايرانالاسلامية سبباً مباشراً لاستدعائها. ولم تكن لتتواجد فيها لولا خشية دولالخليج من مخططات تصدير الثورة الإسلامية بنسختها الخمينية إليها.
وإيران بتدميرها مقدرات دول الخليج الاقتصادية وجرها للحرب تكون قدارتكبت خطأ استراتيجياً، لأنها ستدفعها للتمسك ببقائها محميات امريكيةخشية الابتلاع، لا بل انها ستجبرها، على الضد من المصالح الإيرانية ذاتها، إلى الانخراط في مشاريع التطبيع التوسعية للمحور الصهيو – أمريكي، الآنفة الذكر أعلاه للبقاء على قيد الحياة وعدم مسحها من الخريطة.
الولايات المتحدة الأمريكية، كطرف أساسي في الحرب، ترغب في ضمانهيمنتها على المنطقة، مكانياً وسياسياً وكذلك عسكرياً، لأهميتها الاقتصاديةالاستراتيجية كمصدر للطاقة وسوق استهلاكية، وتثبيت الكيان الاسرائيليكقوة غاشمة مهيمنة ضامنة مؤكدة لمصالحها.
وبما أن بلداننا تعيش لحظة وجودية فارقة في تاريخها، فإن الحل يبدوعسيراً إذا ما أصرت إيران على مطامحها الامبراطورية والتمسك بدورالشرطي، ليس فقط للخليج وإنما للمنطقة أجمعها… وقد يكون الخروج منعنق الزجاجة الذي تشهده المنطقة يكون ببناء نظام علاقات سلام إقليمي بينإيران ودول الخليج، يتجه نحو إرساء واقع علاقات اقتصادية وسياسيةمتكافئة رصينة تكون منافس نوعي لكل ما تشكله إسرائيل ككيان توسعي، لإجهاض مساعيها، مستغلين الثروات والإمكانيات التي تحفل بها أوطانناكرافعة للتطور والسمو والمنعة.
حرب التوسع والهيمنة ليست حربنا !

