Homeمقالاتسقوط الورقة الأخيرة : كفاح الزهاوي

سقوط الورقة الأخيرة : كفاح الزهاوي

هبط الخريف كقناعٍ مخادع، يكسو العالم بألوانه الصفراء، فيما يسرّب الموتإلى الأوراق. ذبلت الأشجار، وتراكم الضباب فوق المدينة، وكأن الطبيعةفقدت بهجتها وارتدت ثوبًا من الحزن.

عاد إلى شقته الصغيرة، التي عاش فيها عشر سنوات، بين أثاث قديم وضوءباهت يتسلل من النافذة. لم يشعل المصباح، واكتفى بالنور الخافت القادممن الشارع. كان يشعر أن المكان كهف مهجور، وأنه يعيش عزلة لا تنتهي. جلس على كرسيه الهزاز، يراقب الشارع بعينين غائرتين، مثقلتين بالذكرياتوالخيبات.

في الليل، رأى حلمًا مرعبًا: مارد طويل يحمل سيفًا، يقطع الأشجار بلارحمة، حتى تحولت الحديقة إلى بحر من الدماء. وحدها شجرة البلوط بقيتصامدة، فانتفض ليحميها، قبل أن يستيقظ مذعورًا، غارقًا في العرق.

مع الفجر، خرج إلى الشارع تحت مطر خفيف، متجهًا إلى الحديقة. كانيسير بخطى ثقيلة، كأن الأرض تمسك بقدميه. جلس أمام شجرة البلوط، يراقب أوراقها القليلة المتبقية، بعضها يوشك على السقوط.

حين هوت ورقة أخيرة ببطء، شعر أن الحياة كلها تختزل في تلك اللحظة: دورة لا مفر منها، بين الميلاد والفناء. قال لنفسه:

ــ نحن نعيش مراحل متتابعة، نطلب المزيد دائمًا، ثم نفقد كل شيء فيالنهاية. هذه الورقة الراحلة أصدق من كل الكلمات، فهي رمز لحياة قصيرة، جميلة، لكنها زائلة.

ظل يحدق في الشجرة، والطيور تحوم حولها، كأنها تغني لحنًا حزينًا. ومع سقوط الورقة الأخيرة، أدرك أن الرحيل قدر محتوم، وأن الذكريات لا تبقى إلافي صندوق النسيان.

الاشتراك
نبّهني عن
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

Most Popular