حركة الأنصار كانت تشكل عالما خاصاا بحد ذاتها من حيث الحياة الأجتماعية والسياسية والعسكرية المشتركة حيث يعيش الجميع مع بعض في مواقع عسكرية مختلفة تشكل هذه التجمعات البيئة التي يعيشون فيها .عالمهم بالجبل كان يخلو من أية وسائل أعلامية مثل الحياة العادية اليوم (الصحافة ،التلفزيون،الأنترنيت ….الخ) .كانت هنالك جريدة تصدر هنا وهناك وهي مقننة وبيد القيادة ومثلها مثل الأذاعة الوحيدة في موقع معين .
الانصار كأي مجتمع يتفاعلون مع الأحداث اليومية ولها أنعكاسات وردود أفعال في دواخلهم .هنا يبرز السؤال كيف كانوا يعبرون عن تلك الأنفعالات وردود الأفعال التي لا يروها صائبة في ظل شحة وعدمية الأمكانيات المتاحة ؟بالمناسبة حتى الندوات العامة التي تقيمها المواقع العسكرية (فصائل ، سرايا وأفواج ) لم يسمح لأي موضوع نقدي أن يطرح بشكل عام .
هنا لجأ الأنصار الى سلاح لم يخطر على بال المسؤولين ألا وهو النكتة والأغنية .
البعض برز بشكل جميل وخاصة في نقد حالات أجتماعية مثل الشهيد ابو كريم وهذه واحدة من طرائفه :
ذهب مرة الى الخيمة الخاصة للرفيقات وقبل دخوله صاح بهن …هلا بالعصافير هلا بالبلابل وعندها لاحظ عندما بدأ بخلع حذائه قبل الدخول اكتشف أن بعض قياسات احذية النصيرات (43،44 ) حينها عاد وصاح من جديد (ولك هاي وين أكو بلابل قياس رجلها 44) .في مرة أخرى كان هو مسؤول مع رفاق أخرين لتوصيل القيادي ابو فاروق من منطقة الى أخرى وفي كل أستراحة يترجل أبو فاروق من بغله بسبب عدم قدرته للسير لمسافات طويلة يصيح به …( أنزل يا فارس الأمل ) تيمناّ برواية جورج أمادو وهنا يعني شلون حركة مسلحة تنجح وأنت ومن مثلك يقودها .
أما النقد في الجانب السياسي من خلال الأغاني فكان هو الأكثر شيوعاّ لأن الأغاني تنتشر بين الأنصار بسرعة وهي زادهم في جلسات السمر الليلية الطويلة وخاصة ايام الشتاء .
من هذه الأغاني النقدية :
عام 1982 واثناء عملنا بمفرزة بقيادة ابو ليلى (صباح ياقو ) أشتكى العديد منا عليه للقيادة من عدم قدرته على القيادة بسبب مستوى وعيه السياسي وعدم ربطه العمل العسكري بالواقع السياسي الذي نسعى اليه كوننا حركة سياسية قبل أن نكون حركة عسكرية وجيش ,,, لكن هذا لا يمنع من شجاعته التي لاغبار عليها والتي نقرها نحن جميعاّ أعضاء المفرزة. أشتكينا الحال هذه للقيادة ولكن شكوانا لم تسمع بل وكنا بنظرهم نحن المخطئون .هذه الحالة ولدت نفور وعدم ارتياح لدى العديد منا وكان لابد من نقد هذه الحالة بطريقة ما !!!
بعد أيام من تواجدنا في مقر القاطع ومنعنا من العودة للعمل بنفس المفرزة وفشل الأجتماع مع قيادة القاطع التي كان يمثلها ابو جوزيف وابو يعقوب (من نفس دينخ لأبو ليلى)، أقامت اللجنة الثقافية للقاطع حفلة بمناسبة ثورة أكتوبر وكانت في يوم (7/11/1982) .من الفرقة التي ستحيي الحفلة ؟ (ابو حسنه وفرقته ) هنا فكرت ولك يا رجل حان وقتك لترد لهم الصاع صاعين . بعد الكلمات المملة جاء دور الفرقة للغناء وكانت المفاجأة التي جهزتها لهم في أول أغنية . في الفلكلور العراقي لدينا أغنية (اليحب عمره خسارة …..الخ)وفيها مقطع يقول (يانصارى شصار بيكم ….الخ ) .في كردستان النصارى هنالك الأسم الشعبي لهم يقال ( فلاية) .هنا قدحت الفكرة للتغيير وغيرت بداية مقطع الأغنية وغنيت والفرقة من بعدي ليصبح المقطع (يا فلاية شصار بيكم …ما تريدون اليجيكم …لأصعد العيسى وأ گله
…ملتك موخوش ملة ) .حينها نظرت الى القيادة ورأيت الوجوه قد أكفهرت وأحتقنت ولكن لم تنطق بكلمة .بمثل كل الأوقات يبرز هنالك لو گيه
يحاولن أن يغطوا على عيوبهم وليتقربوا أكثر من القيادة بطرق خبيثة من خلال استعدادهم ليكونوا راس حربة لضرب المنتقدين .هنا كان العميل أبو طالب هو رأس الحربة .بعد الحفلة أراد توجيه عقوبة لي ولكن تصدى له مسؤولي اللجنة الثقافية وأخبروه بأن الأغنية تراثية قديمة ولا يوجد فيها شئ وخيكم ملص من العقوبة ذاك الوكت بس ما ملصت فيما بعد .
كذلك اشتهرت أغنية نقدية حورها ابو الصوف بعد تراكم الأحداث المأساوية في الحركة وكانت أغنية (شلون دادا وأخ دادا ) ليكون مقطعها (شلون دادا وأخ دادا ..هاي قيادة لو گ ….).صحيح أن وسائل النقد بتلك المرحلة كانت بسيطة وقليلة ولكنها كانت كافية لسماع رأي وصوت المنتقدين ناهيك عن الأجتماعات الحزبية العامة المحدودة ولكن القاسم المشترك بين القيادة في تلك الفترة وما تلاها لحد اليوم هو عدم الأستماع لهذه الأراء والأصرار على نفس النهج في معاقبة المنتقدين رغم علمهم بأن اسلوبهم سابقاّ لم ينجح ولن ينجح اليوم أطلاقاّ بسسب كثرة وسرعة أنتشار هذه الأفكار النقدية بتوفر الأنترنيت ووسائل التواصل الأجتماعي والصحف المتعددة والمواقع المختلفة.
مازن الحسوني 27/4/2026

